من حق أي فرد في العالم أدلى بصوته لانتخاب رئيس جمهوريته أن يفعل ما فعله توماس فريدمان وهو أن يتخيل نفسه لخمس دقائق فقط رئيساً بدلاً من جورج بوش، وبالتالي يتقمص هذا الموقع ليستبدل خطاباً بخطاب.
محاولة فريدمان استمرت دقائق هي عمر كتابة المقال أو على الأقل عمر قراءته في صحيفة، وأدخل نفسه الى هذه الحفلة التنكرية ليقول للأمريكيين إن خطاب رئيسهم بوش ليس هو الخطاب المنتظر، رغم أن من تحلقوا حول الرئيس وهو يوزع الغمزات والابتسامات في احتفال ما يسمى حالة الاتحاد صفقوا أكثر مما أصغوا، وربما كان قيامهم وقعودهم على نحو متعاقب ورتيب أشبه بمشهد من مسرحية ليوجين يونسكو أو أرابال.
ما الذي كان على جورج بوش أن يقوله ولم يقله حسب الخيال السياسي لفريدمان؟
كالعادة، كرر بوش مفردة الانتصار عدداً من المرات يدعو الى الارتياب من جدية هذا الانتصار، ويذكِّر الأمريكيين والبريطانيين معاً بمقولة شهيرة لبرنارد شو، وهي أن الإنسان يثرثر دائماً في ما ينقصه، فالمهزومون يفرطون في ذكر كلمة الانتصار ومشتقاتها، والعميان يفرطون في استخدام وظائف العينين.
لقد عاد فريدمان في تلك اللقطة ذات الدقائق الخمس أو العشر في أحسن الأحوال من حفلته الرئاسية التنكرية الى مطلع الستينات من القرن الماضي، واستذكر جون كينيدي وحرصه على الانتصار، لكن ضد القطب السوفييتي وليس ضد أفغانستان أو العراق أو السودان.
كان كينيدي يحرض الشعب الأمريكي على الفوز بالدرجة الأولى في امتحان غزو الفضاء، وعلى بوش أن يفعل شيئاً آخر تماماً، وهو حسب ما يقول فريدمان أن يبحث عن طاقة بديلة، لأن النفط يوجد في مناطق آسيوية بالغة الوعورة من الناحيتين السياسية والجيولوجية.
وكانت الفرصة مواتية لفريدمان مادام قد تقمص رئيسه للحظات وارتدى قناعه كي ينصحه بأمور أخرى غير الطاقة البديلة، منها مثلاً، سحب قواته من العراق لأن استمرارها فيه هو شكل من أشكال الانتحار البطيء وردود الأفعال العراقية ليست بمعزل عن وجود تلك القوت. وكانت الفرصة مواتية للكاتب الحصيف وذي الصوت المسموع كما يظن لدى إدارة بلاده كي يعظ رئيسه بالإقلاع عن عدة عادات رديئة وعلنية أيضاً، منها، الإلحاح المثير للنّفور حول مركزية الولايات المتحدة، واعتمادها معياراً مطلقاً للتفريق بين الحق والباطل والخير والشر والصواب والخطأ. ومنها أيضاً، نقل ما يهمس به الأمريكيون من دافعي الضرائب وفاقدي الأبناء في الحروب الاستباقية الى مسامع الرئيس وطاقمه.
فالأمريكيون أدركوا، وإن بُعَيْد فوات الأوان، أن الرئيس لم يكن على حق، وأنه ليس ملهماً الى الحد الذي ينعم به بكل هذه المعصومية الأنجلوساكسونية وأنه آدمي قابل لاقتراف الأخطاء.. وربما الخطايا.
إن استبدال نائب الرئيس “ديك تشيني” بالمدير التنفيذي لجنرال اليكتريك وهو السيد “جيفري ايميليت” ليس الوصفة السحرية التي تقدم الى البيت الأبيض، حتى لو كانت هذه الوصفة ملفوفة بورق ترشح منه السخرية.
ويبدو أن الولايات المتحدة تحتاج الى بدائل عدة غير الطاقة البديلة للنفط، لكن وعاظ الرؤساء غالباً ما تزوغ عيونهم عن بؤرة المشهد لأنهم أيضاً بحاجة الى استبدال بعد أن أثبت الواقع بطلان صلاحيتهم، وانحيازهم الى الأفاعي ضد العصافير الصغيرة
الدار العراقية
8/2/2006
خطاب مُتخيّل -- خيري منصور
