اولا : الطائفية والوطنية ندَّان لا يلتقيان ولو لم تكن كذلك لما انتقت اميركا الطائفية لتكون ركيزة العملية السياسية التي اقامتها بعد الغزو، ولو كانت في الطائفية ذرة من وطنية لكانت الاحزاب
الدينية الطائفية اول من يتبنى مطالب المتظاهرين لإنصافهم ولتحقيق ما نادوا به من حقوق, كما أن فتاوى بعض المراجع المسيسين للطائفية من السنة والشيعة والمتحزبين منهم بعدم جواز التظاهر بغطاء ديني يكشف عن اي دين تحت العمائم تخفي مرجعيات الاحزاب الدينية الطائفية وكأن إشهار سيف الجائع بوجه جاره العنيد المتخوم ليست بارقة شرع او فتوى إمام . لو كانت الأحزاب الطائفية ( التي تسيس الإنتماء الطائفي ) حقيقة اسلامية او وطنية لما سرقت هذه الأحزاب المال العام ولا امتدت ايادي ساستهم اليه , ولما استبيحت حرمة الحدود ومسخ طهر الترب لإحتواء اجندات اجنبية مجاورة لتعبث وتمزق وتفسد وتقتل وتفتي وتنهي وتأمر . بالأمس كانت الدريلات تنفذ الى عقول النخب العراقية , والسكاكين تطول رقاب الوجهاء والعلماء بغطاء طائفي وتكفيري واليوم يتم تصفية وملاحقة الشباب واعتقالهم بمجرد ان يتظاهروا مطالبين بحقوقهم في عيش كريم في عراق غني ومعطاء .
ثانياً : تظاهرات الغضب الشبابية حققت امال وطموحات الماضي التي كان شيوخ اليوم يرددون اناشيدها وهم صغار في المدارس والمناسبات الوطنية على وزن ( نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد )، الآن من خلال مظاهرات الشباب بعد عقود من الزمن تبدو مصداقية وحقيقة قوة الشباب في ساحات عربية عديدة في إحداث المعجزات وخلق الأحداث وإنجاز التغيير, اسقطت مظاهرات الشباب انظمة قائمه واطاحت برؤوس حكم عاتية كما اثبتت مظاهرات الشباب في العراق اليوم انها اقوى من تحصينات الوية المالكي المدججة بكامل اسلحة ومستلزمات المكافحة والعنف التي استنفذت كل الوسائل لقمع المتظاهرين لكنها لم تستطع كتم الأفواه ولا حماية الحواجز الاسمنتية التي اسقطتها كتل بشريه متعاضدة بحبال من ملابسهم وسواعد متكاتفة متسلقة, اسقط الشباب نظرية الانقلابات العسكرية التي طالما اعتاد الساسة على تسلم مقاليد السلطة واسقاط الأنظمة والحكومات من خلالها واسقط الشباب فرضية الولاء المطلق للقوات المسلحة لضرب الشعوب وشاهدنا ولمرات عديده وبالرغم من الظروف الشاذة التي تم اعداد الوية وفرق الجيش البديل !! وقياداته العسكرية المطعمة بالمليشيات, كيف كان العسكريون يلتحمون بالمتظاهرين متعاطفين متعانقين وقرأنا ماني وملاحم هذا التعاطف بالرغم من وجود قناصي وادارات الميليشيات والاحزاب وإعطائها الاوامر من شرفات المطاعم والعمارات باستخدام القوة والسلاح الحي , وشاهدنا كيف تم اقتحام القوات المدججة بكتل الشباب التي جاءت ووصلت ساحة التحرير متعبة من أرق مضنٍ وسير على الاقدام لساعات . وكما يلقن سلاح المقاومين البسيط جيوش الغزاة المدججة دروسا في الهزيمة والخسائر والتنكر والإنسحاب , فان صولة الشباب العراقي في ساحة التحرير كانت كافية لهزيمة من سخروه من قيادات وحشود الجيش الذي اسموه بالجيش البديل ظلما وبهتانا وشاهدنا كيف انهزمت هذه القيادات امام هتاف الشباب السلمي (إطلع ) , نعم لقد اسقطت مظاهرات الشباب تفاهات الطائفية المقيتة ونداءات أزلامها , واسقطت بوقفة واحدة رؤوس الفساد وناهبي المال العام من محافظين وادارات محلية وخدمية في أكثر من ثلاثين مدينة من بينها محافظات واقضية ونواحي بالرغم من كل وسائل التهديد المالكي والجهد والخبث التهالكي , فما عساها ان تفعل غداً وبعد غد ان أصر العتاة على ظلمهم وتشبثهم بالسلطة والمال ؟.
ثالثا : كشفت تظاهرات الغضب الشبابية خداع الساسة وجبنهم , كبيرهم المتفرد بالسلطة وبخطاب ركيك منهار توسل بالامهات ان يمنعن ابنائهم من الخروج بشتى الأعذار الواهية والتهم الباطلة قبل ساعات من التظاهر, لكنه انصاع لهتافات الشباب الذين وصموه بالكذاب ونعوت اخرى شاء ام أبى بعزل بعض المسؤولين ولأول مرة دون اللجوء لما تعود ان يعد به بتشكيل لجان تحقيقات والتي عرف الشعب بمرور الزمن انها وعود كاذبة عرقوبية ,فما كان له الا التضحية بمن يحسبهم من حزبه وعتاته من أجل السلطة تماما كما ضحى زين العابدين ومبارك بازلامه تشبثا بالسلطة لكن دون جدوى
وكشفت مظاهرات الغضب ازدواجية وتفاهة الساسة الذين كانوا بالأمس وقبل تشكيل الحكومة الناقصة أعداء وأنداد للمالكي وحزبه لكنهم بعد ان منحوا المقسوم لهم من المناصب والمقاعد والوزارات كيف اصبحت ردود فعلهم التافهة او سكوتهم المطبق او اختفائهم في دول اقامتهم وإقامة عوائلهم وفلذات قلوبهم المجاورة والبعيدة خائفين بمعيتهم اموالهم في وقت معاناة الشباب العراقي في ساحات مدن العراق من اقصاه الى جنوبه يقمع ويعتقل ويقتل لمجرد ان يعبر وبطريقة سلمية وحضارية عن طموحاته ومطالبه الشرعية . شاهدنا حال ثقافة الشباب الواعي المدرك كيف تعامل مع اعضاء من مجلس النواب جاءوا كي يظهروا لهم موقف اثبات وجود فيما كان لسان حال المتظاهرين وردود فعلهم تقول (انتم جزء من المشكلة لا حل لها والا لماذا انتم باقون في الشلة ) .
الأتعس والانكى من كل ذلك هو محاولة قادة كتل واصحاب قرار في سلطة الاحتلال الراهنة وحكومة الشراكة الناقصة (بلا خجل او كرامة ) سلب ارادة الشباب وتجيير فعلهم لحسابات سياسية قد تمنح هولاء الساسة فرصة افضل لتحقيق مكاسب ومواقع تدر لهم مالاً حراماً اكثر او منصبا رفيعاً أكبر وكأنهم لم يشاهدوا الشباب وهم يعضون على الاصابع التي انتخبتهم بالندم, من غير المعقول ان يستغبي هولاء الساسة شعوبهم الى هذا الحضيض من التفكير !! وكأنهم شركاء بالمنافع وليسوا شركاء بالمسؤولية والجريمة !!.
رابعا ً: كما كشفت تظاهرات الشباب الغاضبين حجم فعلهم وقوة تصميمهم وامكانيتهم وقدرتهم على التغيير , فانها ايضا كشفت ضعف السلطة الحاكمة بكل مفاصلها وتركيبتها, تصريحات متناقضة وأعذار واهية وتشبثات خائبة واجراءات واهنة وخدع فاضحة , أفضعها وأنكاها تلك المبالغ المليونية والمسدسات اللامعة التي حاول بها رئيس الحكومة ونوابه شراء ذمم الشيوخ ووجهاء المدن كيف يمنعهم من الوقوف الى جانب المتظاهرين ومطالبهم ! . فيما كان اكثر التبريرات سخرية هي محاولة المالكي وزمرته أتهام المتظاهرين بتبعيتهم لتنظيم القاعدة والبعث وهيئة علماء المسلمين في الوقت الذي كانت آلية وهتافات وشعارات وشمولية التظاهرات وخطابات هؤلاء الشباب واضحة بعدم تسيسها لصالح اي تنظيم او تشكيل من داخل العملية السياسية او خارجها .
خامساً : مظاهرات الشباب كشفت أيضا خداع الإدارة الأمريكية ودول الغزو وفقدانها المصداقية فيما ادعت من مبررات للغزو ففي حين يشكل وجود قواتها في العراق عينا عن قرب وتوثيقا موقعيا وواقعيا لتصرف المالكي وشركائه وقواته وردود افعالهم القمعية والإجهاضية لمظاهرات اتسمت بسلميتها وانضباطها إضافة لما تناقلته وكالاتها وصحفها من مشاهد, تقف هذه الإدارة التي ادعت انها جاءت الى العراق لإقامة الديمقراطية والحرية والتأسيس لنظام تقتدي به دول المنطقة, بلا رد فعل ملموس او موقف واضح لما يرتكبه من نصبتهم وسلمتهم السلطة من افعال وتصرفات، مثل هذا الموقف جربته وسلكته مع زعماء وانظمة حكم محسوبة عليها في دول وساحات اخرى وتبين بوضوح ان هذه الإدارة بالنهاية امام ما تجابه من أزمات وتناقضات ليس لها بالنهاية اصدقاء دائمون وليس في مقدورها الا التخلى عن عملائها واصدقائها واحتواء ما تفضي به الاحداث من جديد , واقع الحال العراقي شيء آخر لو كانت لهذه الإدارة حكمة ومصداقية كونها ادارة احتلال تتحمل تاريخيا ودوليا وقانونيا وأخلاقيا كل ما افرزه الغزو والاحتلال من دمار وخراب في البلاد والعباد ... وللمقال بقية .
( يتبع )
ح
هذا ما ألهمتنا به مظاهرات الغضب العراقي .. الجزء الأول / الدكتور عمر الكبيسي
