دابت ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش على تسريب اخبار غير دقيقة حول مفاوضات سرية تجريها مع ممثلين عن حزب البعث والمقاومة الوطنية العراقية، مرة في عمان واخرى في بغداد وثالثة في القاهرة ورابعة في اوروبا.
:
واول ما يلاحظ على توقيت هذا التسريب ان الادارة الامريكية كلما تعرضت لازمة جديدة وتجذر مأزقها في العراق لجأت الى استخدام هذا الاسلوب الذي تظن خطأ انه سينجح كما اخطأت واخفقت في العديد من تصوراتها وقناعاتها السابقة بشان التعامل مع الاوضاع الصعبة في العراق خلال الاعوام الثلاثة الماضية و انها قادرة على تحقيق واحد من جملة اهداف:استدراج المقاومة الى مواقع القتل، او اختراقها او احداث انشقاق بين فصائلها تمهيدا للاجهاز عليها وانهائها.
ولا يخفى على مراقبي ألشأن العراقي ان من بين اسباب الاخفاق الذي منيت به الادارة الامريكية هو اعتمادها على عناصر مخادعة لها باع طويل بالكذب والاحتيال وتزوير الحقائق واتقانها فن اللعب على الاخرين التي كانت وما زالت تعده نوعا من الشطارة والمهارة والذكاء خدمة لمآربها ومصالحها الذاتية، مع انها هي التي اوقعت الادارة الامريكية في الفخ الكبير عندما ورطتها بشن الحرب على العراق بعد اقناعها بان هذه الحرب لن تكون اكثر من نزهة سياحية لجنودها على ضفاف نهري دجلة والفرات مع التنبيه الى ان ازمة خطيرة في الورود والرياحين العراقية ستحدث اثناء الاحتلال وبعده بسبب استقبال العراقيين لجنودها بكل ما متوفر من تلك الورود ذات الروائح الاخاذة تعبيرا عن الامتنان والشكر لاولئك الجنود الذين جاءوا لبلادنا محررين لا محتلين.
ان مقاومة المحتل ليست هدفا بذاته بل الهدف هو طرده من البلاد واستعادة الحرية والسيادة الوطنية الكاملة للشعب وامتلاك القرار الوطني المستقل، وتعويض الخسائر الجسيمة التي لحقت بالشعب العراقي بسبب الحرب اللاشرعية والدمار الذي اصابت دولة العراق ومؤسساته وبناها التحتية كافة، ومع اننا لا نرى اي خطا او ضرر في الدخول بمفاوضات مع المحتل من الناحية النظرية، لان اي صراع او حرب او قتال لابد ان ينتهي بالتفاوض بين الطرفين المتخاصمين، المقاومة من جهة وقوات الاحتلال من الجهة الثانية، الا ان الارضية التي تريد قوات الاحتلال الانطلاق منها نحو عقد المفاوضات مع حزب البعث والمقاومة العراقية لم توفر الشروط الموضوعية لمفاوضات جادة وحاسمة، تستهدف تحقيق اهداف كبرى كالتي ذكرناها.
الامريكيون يخططون من جهتهم ان يقتصر هدف المفاوضات على اعطاء جماعات المقاومة فرصة المشاركة في العملية السياسية بعد الاقرار بمشاركتهم في السلطة بنسبة معينة، في مقابل وقف الهجمات على قواتهم المحتلة واخلاء المدن بعد تسليم سلاحهم من دون الاتفاق على انسحاب القوات العسكرية من الاراضي العراقية كافة، اي بمعنى قبول التخلي عن المقاومة المسلحة، والاقتصار على العمل السياسي فقط الذي لا يجدي الا مع وجود مقاومة مسلحة.
ان الهوة ما زالت واسعة بين الاهداف النبيلة التي تقاتل المقاومة العراقية من اجل تحقيقها وبين اهداف الادارة الامريكية من الاحتلال. الامر الذي لا يسمح باي مستوى من المفاوضات بين الجانبين، ولا يهيء مناخا موضوعيا لمفاوضات نراها ستكون صعبة وشاقة ومعقدة للغاية.
ان فصائل المقاومة العراقية الحقيقية التي تملك قاعدتها الشعبية الواسعة والتعاطف الجماهيري القوي معها وبرنامجها الوطني وتصورها الواضح لمستقبل العراق المحرر الذي يجب ان يكون عراقا ديمقراطيا تعدديا يؤمن بالحقوق القومية والدينية والسياسية لمختلف مكونات الشعب العراقي،غير مجبرة على تقديم اي من التنازلات او وقف هجماتها ضد قوات الاحتلال لانها تقاتل على ارضها وبين ابناء شعبها، وتترسخ اقدامها وتزداد ثباتا على الارض يوما بعد آخر، بينما اصبحت حاجة قوات الاحتلال الى ضمان وتامين انسحابها من العراق تتصاعد باستمرار.
إن محاولة الأمريكيين الاكتفاء بتقديم ثمن سياسي مقابل التنازلات الكبيرة التي يراد ان تقدمها المقاومة العراقية، لا يغري احدا في الدخول بمثل تلك المفاوضات مطلقا. خصوصا وان في الساحة العراقية قوى سياسية لم تحمل السلاح من منطلق اعتقادها بان الكفاح السياسي يضمن تحقيق الاهداف الوطنية التي تناضل من اجلها المقاومة، ولكن بعد مضي قرابة ثلاثة اعوام على احتلال العراق فان تلك القوى عجزت حتى الان عن تحقيق اي من تلك الاهداف برغم اندراجها الكامل في العملية السياسية. فهل يمكن للمقاومة ان تتخلى عن سلاحها بهذه البساطة وتضع مستقبلها ومستقبل بلادها وشعبها على طريق مجهول، وهي ترى ان من تبنى المقاومة السلمية من خلال مشاركته السياسية عجز عن تحقيق اي هدف من الاهداف الوطنية على امتداد الاعوام الثلاثة الماضية.
ان ما جئنا على ذكره لم يعد خافيا على احد من المراقبين والمعنيين بالقضية العراقية حيث صدرت عدة بيانات من قيادة حزب البعث والمقاومة العراقية تنفي وجود اي نمط من المفاوضات برغم التاكيدات التي صدرت عن بعض الجهات العراقية الموالية لقوات الاحتلال التي وصلت حد الادعاء بانها تحمل تفويضا رسميا من قبل جماعات المقاومة للتفاوض مع الجانب الاميركي. ولكن سؤالا مهما يبرز هنا عن الغاية من تكرار التسريبات الامريكية الى اجهزة الاعلام العربية والاجنبية حول وجود اتصالات بين المقاومة العراقية وقوات الاحتلال، التي كان آخرها ما نشرته بعض الصحف العربية ومواقع عراقية على الانترنيت حول ترؤس السيد سطام الكعود لوفد من المقاومة في مفاوضات مع وفد امريكي في عمان الذي جاء تكذيبه حاسما وقاطعا ونافيا بشكل لا يقبل التفسير ولا التأويل؟ قائلا: " أنا لست بخاذل للمقاومة المؤمنة المجاهدة لأتوسط بين كبريائهم وايمانهم ووطنيتهم وبين الاحتلال وعملائه اعوان القوات الامريكية الإرهابية البربرية ". بل انا أحد الذين يعملون مع اخوانهم المحبين لعراقهم وامتهم من اجل طرد الغزاة الجاثمين على رقابنا وان ما نشرته وسائل الاعلام عار عن الصحة.."
وفي تقديرنا ان الغاية من تكرار مثل هذه التسريبات الكاذبة يستهدف تحقيق واحد من هدفين لا ثالث لهما: الاول، محاولة استكشاف قوة وثبات وعزيمة المقاومة العراقية على الاستمرار في قتالها ضد جيش الاحتلال، ومدى استعدادها وقدرتها على المضي في طريق التضحية والفداء. واما الهدف الثاني فهو محاولة رفع معنويات جنود الاحتلال الهابطة والتخفيف من حالة الاستياء والتذمر التي تسود اوساطهم ومحاولة امتصاص النقمة الشعبية المتصاعدة في الساحة الاميركية ضد ادارة بوش والحد من تصاعد المطالبات الشعبية بانسحاب قوات الاحتلال من العراق عاجلا وليس آجلا.
ان اللحظة المناسبة للتفاوض بين المقاومة العراقية الفاعلة على الساحة وقوات الاحتلال لم يحن وقتها الا اذا كانت تلبي حق شعبنا في تقرير المصير، وفي تقديرنا ان الطرف الذي يملك القدرة على تحديد وقتها هو المقاومة العراقية وليست قوات الاحتلال، ولهذا فان كل تسريباتهم لا قيمة لها ولا معنى ما لم تات المبادرة من اذعان الادارة الاميركية لمطالب قوات المقاومة العراقية ذاتها.
شبكة اخبار العراق
8/2/2006
هل حان وقت المفاوضات بين المقاومة العراقية والمحتلين -صلاح عمر العلي
