هيئة علماء المسلمين في العراق

الديمقراطية شعار دعائي -- الياس سحّاب
الديمقراطية شعار دعائي -- الياس سحّاب الديمقراطية شعار دعائي -- الياس سحّاب

الديمقراطية شعار دعائي -- الياس سحّاب

لو اختار طالب جامعي للعلوم السياسية موضوعا لأطروحته الجامعية بعنوان “المبررات الأمريكية لغزو العراق”، فمن المؤكد أنه سيصل الى حصيلة نهائية، تؤكد له الوثائق والوقائع من خلالها، أن الدعاية الأمريكية الرسمية كانت تغطي غزوها للعراق بثلاثة مبررات متبدلة، متغيرة، لا علاقة بينها، بينما بقي المبرر الحقيقي الوحيد ثابتاً لا يتغير، لكنه بقي مختفياً وراء أحد المبررات الدعائية المتحولة، حسب الظروف. لقد أثبتت الوقائع، أن قرار غزو العراق كان متخذا في واشنطن (من قبل 11/9) لأسباب اقتصادية بحتة، لم يكن ممكنا الجهر بها علنا. مما اوجد حاجة دائمة لمبرر غطاء، تستخدمه أجهزة الدعاية الأمريكية، الحكومية منها، والخاصة المرتبطة بالادارة الرسمية الحاكمة.
 
  كان المبرر الأول (حسب تسلسل الوقائع) امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وضرورة التخلص من هذه الاسلحة إما بالتفاهم، أو بالغزو، عندما يفشل التفاهم. ونذكر جيدا كيف فرضت أمريكا على العراق، وعلى العالم بأسره، المنطق العجيب الذي كان يقول إن على العراق أن يثبت عدم امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وليس على أمريكا ان تثبت امتلاك العراق لهذه الاسلحة.
 
  وبعد انكشاف مدى الوهم الكامل لهذا المبرر، ولد المبرر الدعائي الثاني، وهو ان غزو العراق هو جزء من حرب واشنطن (والعالم الحر من ورائها) ضد الارهاب، وان غزو العراق غرضه ضرب العلاقة بين النظام العراقي و”القاعدة”.
 
  وبعد انكشاف بطلان هذا المبرر الثاني، بعد استقرار أمريكا الفعلي في العراق على انقاض النظام السابق، ظهر المبرر الدعائي الثالث، المستمر حتى يومنا هذا، وهو مبرر “الديمقراطية”، أي أن الغزو الأمريكي العسكري للعراق انما كان غزوا “رسوليا”، غرضه ضرب الديكتاتورية، وإقامة الديمقراطية.
 
  لن نفتح الآن ملف النظام الامبراطوري الأمريكي الأسود في دعم الانظمة الدكتاتورية الموالية لها، وإسقاط الانظمة الديمقراطية المعارضة لها، لإقامة دكتاتورية عسكرية مكانها، موالية لأمريكا (كما حدث مع نظام الليندي في تشيلي). لن نفتح هذا الملف الواسع، في هذه العجالة الصحافية، بل سنكتفي بالواقعة الحية الأخيرة في فلسطين المحتلة. فما أن افرزت الديمقراطية الشعبية الفلسطينية أغلبية كاسحة لحماس في المجلس التشريعي الفلسطيني، حتى خرج الإعلان الرسمي الأمريكي يؤكد رفض التعامل مع حماس، بل حجب المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية، حتى قبل انتقال حماس من المجلس التشريعي الى الحكومة، الا بشروط التخلي عن السلاح (أي عن المقاومة) والاعتراف ب”اسرائيل” (اي الاعتراف بالاحتلال).
 
  منذ اليوم الاول لإطلاق واشنطن شعار “الديمقراطية” تبريرا لغزو العراق، والتبشير بأن غزو أمريكا للعراق إنما هو مقدمة لنشر الديمقراطية بين الشعوب العربية كلها، تبين سرعة تخلي أمريكا عن شعار “الديمقراطية” في الوطن العربي، عندما اكتشفت مع أول انتخابات ديمقراطية عربية حقيقية، ان إرادة الشعوب العربية في كل مكان، هي مقارعة الاستخفاف الأمريكي بالمصالح العربية العليا (بدءاً بفلسطين)، ومعاقبة الأنظمة العربية الرسمية التي تساير هذا الاستخفاف الأمريكي بالمصالح العربية، وتستسلم له باسم الواقعية.
 
  بعد الجولة الديمقراطية الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن الجهاز الدعائي للإدارة الأمريكية الحالية، أصبح مضطرا للتخلي عن شعار نشر الديمقراطية في المنطقة العربية، والبحث عن شعار دعائي آخر، بعد ان تعرت الدعوات الأمريكية للديمقراطية العربية، من آخر ورقة توت كان تستر عورتها.

   الهيئة نت     -الدار العراقية
الثلاثاء 7/2/2006

أضف تعليق