الانتخابات الديمقراطية ممارسة في سياق منظومة متكاملة، وممارستها خارج السياق يجعلها ابتذالا، لا مردود حقيقي له،
يجعلها مزورة بأجوائها وشحناتها وقوانينها وعدم تكافؤ الفرص فيها ناهيك عن عدم نزاهة القائمين عليها، وغياب الأجواء الحرة التي بموجبها يرشح من يريد الترشح وينتخب من يريد الانتخاب ومن دون مصادرة أو فتن.
والانتخابات العراقية بمجملها خارج السياق، ودستورها عبارة عن كشكول لملاحظات أمراء المكونات، وهو مفخخ، ويحتوي على جملة أكاذيب فرضت فرضا، ومرر بليلة ليس فيها قمر، أما مجمل العملية السياسية فهي قد بنيت ومنذ انطلاقتها على عقيدة المكونات الطائفية والعرقية وحصصها المكفولة بقوة الوصاية الأمريكية الطاردة لكل ما هو جامع وطني يكرس اللحمة العراقية، والمرحبة بكل انتماء يعزز العزلة والفرقة. ونحن هنا لا نتجنى أو نتحامل على أحد، بل نستند إلى شهدات من أهلها، فهذا السيد جعفر محمد باقر الصدر يستقيل من عضوية البرلمان بسبب اللاجدوى في العمل داخل بيئة فاسدة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فساد قانوني وإداري ومالي وسياسي، وحتى أخلاقي، لقد قال السيد جعفر الصدر: لا قيمة حقيقية لبرلمان فارغ المحتوى، وحياته النيابية تتنفس الفساد، أما الحكومات المتعاقبة فهي إضافة لفسادها، لا تملك الشجاعة للاعتراف بفشلها.
نواب كتلة التغيير الكردية مثال حي آخر، فقد أصروا على بقاء نوابهم في برلمان إقليم كردستان وبغداد، لا لشيء سوى لفضح وتعرية حقيقة هذين البرلمانين والحكومات المنبثقة عنهما؛ لقد أكد نواب قائمة التغيير غير المرغوب فيهم من الأطراف الكردية والشيعية والسنية المهيمنة على العملية السياسية على أن نهج كتم الأصوات والمصادرة الذي يمارسه الحلف الفاسد القائم بين رموز النظام التحاصصي الطائفي والإثني والذي يعيد استنساخ نفسه وبنفس المحتوى مع كل دورة انتخابية جديدة هو السائد، وعلى حد سواء في بغداد وأربيل، ويصعب تغييره من دون ضغوط شعبية فاعلة تنتزع زمام المبادرة منه سلما أو بواسطة ثورة التغيير.
إذا كنا نعيب على الحكم الشمولي ذي الشرعية الثورية عدم فصله للسلطات ودمجها جملة وتفصيلا بالحكم غير القابل للتعددية والذي يؤدي لاستشراء أنواع معروفة من الفساد والاستبداد، فإن استبداد حكم الفساد الشمولي في النظم الرخوة والتي تدعي الشرعية الديمقراطية "الدستورية" حيث التهميش التفكيكي للسلطات التشريعية والقضائية والمدنية "الرأي العام" وشفط مفعولها لصالح تسمين السلطة التنفيذية والتي يتقاسم المهمين عليها ريع غنائمها مع أقرانه بحصص تناسبية مضللة بعناوين الوفاق والتوافق والمشاركة والتعددية، يجعلنا نعتبر الأولى حالة صحية قابلة للعيوب والثانية حالة معيبة من الألف إلى الياء لكنها قابلة للتصحيح بالثورة أو الضغوط السلمية.
النظام في العراق جملة وتفصيلا لا يقوم على شرعية ثورية ولا على شرعية ديمقراطية حقة، لذلك يعد شرعيا الانتفاض عليه وإزاحته ليقام محله نظام ديمقراطي حقيقي دون محاصصات طائفية وعرقية، وبعقد دستوري ديمقراطي لا تشوبه شائبة.
لقد علمتنا التجربة أن النظام الشمولي بالشرعية الثورية هو أقل فسادا وبما لا يقاس من نظام الفساد الشمولي القائم في العراق، صحيح أن الاثنين لا يصلحان لحكم عراق جديد عركته التجارب والتضحيات، حيث إنه آن أوان قطف ثمار تجربته المريرة، على اعتبار أن في الأول استبداد شامل مع فساد كمي، وفي الثاني فساد شامل ونوعي مع استبداد كمي، ولكن في الحالتين فإن الفساد موجود وكذلك الاستبداد، وما يجعل الثاني أكثر تدميرا وخطرا هو خصخصته لخلايا الفساد والاستبداد وجعلها تستمد من فوضى التحاصص منظومات متماثلة في عمقها الفاسد والمستبد ولكل مكون على حدة، ومن ثم أفقيا لكل المكونات مجتمعة تحت خيمة مهلهلة تحمي أمراء التوافق اللصوصي والمرخص احتلاليا!
كان الرعب الذي أصاب المالكي وحكومته وعمليته السياسية من هبة الاحتجاجات الشبابية والشعبية العراقية المنطلقة من خارج سرب منظومة الحكم الطائفي والعنصري هو أكبر دليل على المعدن الرخيص للعملية السياسية القائمة، فالرعب ليس منبعه المطالبات بالحقوق وبالعمل والخدمات، إنما الرعب من الهوية الوطنية الجامعة لهذه الحركة الاحتجاجية والتي تضرب بالصميم عقيدة العملية السياسية ودستورها القائم على أساس التقسيمات الطائفية والإثنية.
قتل المتظاهرين بالرصاص الحي واعتقال الصحفيين والمراسلين والناشطين وكتم أصوات الصحف والفضائيات المستقلة وازدياد أعداد السجون السرية والعلنية والعمل بقانون الطوارئ الذي يتيح عمليات الاعتقال التعسفي والمداهمة من دون إذن قضائي أو بإذن قضائي مدجن والتوقيف لمدد طويلة ومن دون محاكمات، كلها ممارسات سلطوية تدلل على إرهابية النظام القائم واستبداده؛ وعندما يضاف هذا كله إلى أنواع الفساد الانشطاري السائد وبأرقام فلكية تستنزف ثلث الميزانيات السنوية والتي تقدر بحسب إجمالي ميزانية 2011 بحوالي 30 مليار دولار، فإن صورة المشهد ستكتمل فسادا واستبدادا.
كل الشرعية لثوار العراق الذين انطلقوا بحركتهم الاحتجاجية المطالبة بإسقاط الحكومة القائمة وتعطيل العمل بالدستور الحالي، حتى تعديله، وحل البرلمان الفاسد، وتشكيل حكومة انتقالية، حكومة إنقاذ وطني من الخبراء الوطنيين لمعالجة ما يمكن معالجته من الأوضاع المتفاقمة وعلى كافة الصعد، وتهيئة الأجواء الحرة والمحايدة لإجراء انتخابات برلمانية نزيهة وبشروط تتناسب والمعايير الدولية.
...نقلا عن صحيفة العرب بريطانيا
لا شرعية للحكومة الفاسدة في العراق... جمال محمد تقي
