يتعرض الإسلام، منذ الحادي عشر من سبتمبر، لأقوى حملة عدائية موجهة ومركزة شهدها دين سماوي منذ الحرب الكونية الثانية.
فمن الاختباء وراء منطق الدفاع عن النفس الذي جعلته الإدارة الأمريكية الدافع الأساسي لما أسمته "الحرب على الإرهاب"، جرت عملية اعتداء مفتوحة على كل مقومات الثقافة العربية والإسلامية ضمن تفسيرات مختزلة وسطحية تعتبر الإسلام دينا مولدا للعنف والكراهية ومنتجا للإرهاب، هذا الإرهاب الذي أعطي تعريفا رخوا ومطواعا يجعله يوما صنوا لحق المقاومة، ويوما آخر رديفا لتعبير الجهاد الذي يستوعب المعرفة الإنسانية والسلام بين الشعوب ورفض جريمة العدوان والجرائم ضد الإنسانية والدفاع عن الكرامة الإنسانية.
لقد بدأت الأوساط الموالية لإسرائيل ومجموعات الضغط البروتستنتية المتطرفة في الولايات المتحدة حملات متعددة الأشكال تناولت الجمعيات الخيرية والإنسانية الإسلامية، المشاريع الثقافية الكبرى في العالم الإسلامي، البرامج التعليمية، النوادي والمنتديات الثقافية الخ، وقد شاركتها بها عدة محافل أوربية معروفة بعقلانيتها الانتقائية وعلمانيتها الاستئصالية وباطنيتها التنظيمية، تتحدث عن الشفافية وتعمل في الظلام، تنادي باحترام حرية التعبير وتقمع كل من يتعرض للقراءة الغربية للتاريخ والأحداث، تقول بالديمقراطية وتطالب بقمع وملاحقة من تختلف معه في الرؤية وتصور العالم.
وقد استفادت أشكال الاستعباد العالمي المعاصر، مدعومة بجماعات المصالح النفطية وجماعات الضغط الإيديولوجية المتزمتة، من غياب الحريات الأساسية في العالم الإسلامي لتجعل منه البطن الرخو، الذي تعيد من خلاله رسم علاقات الهيمنة وفرض الطاعة على أنظمة هزيلة قطعت الحبل السري مع شعوبها واستمرت بالوسائل الأمنية والبوليسية.
هذا الوضع جعل من أكثر من مليار مسلم قوة كامنة محرومة من الاستفادة من ثرواتها الطبيعية وكفاءاتها البشرية وكوادرها الصاعدة وإمكانياتها التي تجعل منها موضوعيا الكتلة الأكبر القادرة على وضع حد لهيمنة القطب الواحد وعنجهية الإمبراطورية الأمريكية.
لقد وقعت عدة أحداث مهينة للمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تجري الاعتقالات بحقهم باعتبارهم محتجزين "ذوي أهمية خاصة"، ويتعرض الآلاف للمراقبة التلفونية والبريدية وقد جرت عمليات اعتقال خارج الحدود أعادت إنتاج وسائل بربرية ظن الناس أنها قد تراجعت في الغرب. وتتضاعف القوانين الاستثنائية في كل البلدان الواقعة في الفلك الأمريكي أو تلك المشاركة بما يعرف بالحرب على الإرهاب. وفي أوربة وقعت عمليات تعذيب لمواطنين مسلمين لمجرد الشبهة، كذلك صدرت أحكام قاسية بحق العديد من المسلمين أمام محاكم استثنائية مثلما جرى في إسبانيا للخلية السورية الإسبانية والصحفي تيسير علوني. كذلك اتبع وزير الداخلية الفرنسي سياسة تشديد المراقبة على كل أشكال التنظيم الثقافية الإسلامية وكذلك فعلت دول أوربية أخرى.
عملية الاستضعاف هذه لم تواجهها قوة فكرية وثقافية ومادية حقيقية تطالب بالكرامة لكل إنسان وبالحريات الأساسية للجميع، تعتبر الشراكة والتكافؤ أساس حوار بين الحضارات والشعوب، وتقدر حجم التحدي الواقع عليها في التعريف بأهمية الإسلام في بناء الإنسانية وأهمية العلاقة بينه وبين مكوناتها المختلفة من شعوب وعقائد. لذا صار التمادي يزداد والإهانات تحدث بسبب وبغير سبب، وكما قال أحد المواطنين العراقيين عندما سمع بوجود جنود دانماركيين في وطنه: حتى أنت أيها الدانمارك ؟
ما حدث من صحيفة دانماركية ليس جهدا فنيا كبيرا أو فتحا في مدارس الكاريكاتير. نحن بكل بساطة أمام عمل تافه يعتمد التحريض من أجل التحريض والثلم بغاية الثلم والقدح بغاية القدح. أين هي حرية التعبير في هذا؟ هل يقبل الشعب الدانماركي بأن يوجه شاب مسلم تعبيرات بذيئة إلى فتاة تسير في الشارع؟ ألا يعطي القانون في هذا البلد لفتاة الحق في مقاضاته. هل إهانة فتاة جريمة وإهانة جموع المؤمنين متعة فنية؟
حرية الرأي تعني أن يكون المرء مناديا ومتمسكا برأي مخالف للرأي السائد دون أن يؤدّي هذا إلى ردّ فعل يتمثّل في شكل أو آخر من الرفض المتفاوت العنف. فالإهانة المتعمدة انتهاك لحق من حقوق الإنسان، ومن المضحك أن يحصر رئيس الوزراء الدانماركي الأمر بحرية الصحافة في بلده وأن يتحدث البعض عن حق التعبير في إهانة مقدس إسلامي وهو يصمت عن محاكمات تجري لمجرد الاختلاف في قراءة واقعة تاريخية أوربية حدثت في الحرب العالمية الثانية. وكلنا يتذكر الحملة العالمية لإنقاذ تماثيل بوذا في أفغانستان.
اليوم يجري الاعتداء على المسجد الأقصى بتواطؤ وصمت عالمي، الاعتداء على العلاقة بين المسلم والقرآن الكريم في المعتقلات الأمريكية والاعتداء على العلاقة بين المسلم ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم فما هو رد اليونسكو ورد المفوضية السامية لحقوق الإنسان؟ أم أن هذا الموضوع لا يستحق أن يحال إلى مجلس الأمن لأنه لا يصب في خدمة الإدارة الأمريكية؟
برسائل على الأنترنيت وحماسة بين بسطاء المجتمعات الإسلامية، ارتعدت فرائص المؤسسات الاقتصادية الدانماركية التي أبصرت ما يمكن أن يكون ثمن الاستهتار بالدين الإسلامي على رأسمالها في أيام، فكيف لو سرت المقاطعة ستة أشهر أو سنة؟ كيف لو كان لهذا التحرك مجالات منظمة لتأطيره ومتابعته ليصل إلى الأقصى وغوانتانامو وبغداد؟
إن التعبئة الشعبية المنظمة والحكيمة ضد هذا الاعتداءت على كرامة المسلمين وحقوقهم تتطلب الخروج من العفوية إلى منهج عقلاني قادر على مواجهة عنجهية القوة بقوة الإنسان، وعلى تفكيك الأكاذيب التي تتحدث عن حرية التعبير وعدم التدخل في شئون الصحافة عندما يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي وتدين وتهدد وتبعد وتسجن عندما يتعلق الأمر بما هو سائد في منظومة القيم الغربية. عندما تعلن الحضارة الغربية عن فشلها في تجاوز تصورها الخاص إلى تصور عالمي مشترك مع الآخرين، يصبح من مهمة المسلمين وأبناء الدول والثقافات المقهورة أن يتحالفوا من أجل قيم عالمية حقيقية تتنصب فوق التصنيفات التي تميز بين الإنسان وأخيه الإنسان.
فلنقف يدا واحدة، متعاونين مع كل الشرفاء في العالم، من أجل كرامة الإنسان، من أجل حرية الإنسان وحقوق الشعوب، من أجل مناهضة أشكال العدوان على اختلافها.
الحملة العالمية لمقاومة العدوان
2 محرم 1472 الموافق 1/2/2006
وقوفا عند أصداء سفاهة دانماركية: الإسلام دين حرية التعبير والاعتقاد
