المظاهرات تعني رفع صوت الأمة والافراد بمطالبها وحقوقها المشروعة أمام الحاكم أو السلطان الذي لا يستجيب للنصح والحكمة والموعظة الحسنة ولا يخضع للحق ولا يراعي شؤون مواطنيه
وربما ظن أنه من أفضل الناس إدارة لشؤون البلاد والعباد ،وليس أمام ذوي الحقوق من بسطاء الناس من حيلة إلا المجاهرة في طلب حقوقهم وإيصال صوتهم لصاحب القرار بطريقة تخرج عن دائرة النصح والمطالبات الخفية لأنها لا تجدى نفعاً بل ربما لا تصل إلى المسؤول الذي تحفّ به زبانية وحراسة تمنع وصول الأصوات اليه .فما هو الحكم الشرعي في هذه المظاهرات ؟
وللإجابة عن ذلك يؤسفني أن أقول إن كثراً من أهل العلم تخبطوا في فتاواهم وارتبكوا في تصريحاتهم إما لحاجة في نفوسهم وإما لجهل في فقه الحوادث المعاصرة وفقه الواقع المعاصر .
فمن قائل إن المظاهرات من أسباب الفتنة ،ومن قائل إن المظاهرات لم تعرف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد الخلفاء الراشدين ،ومن قائل :انها ليست من أعمال المسلمين ولايقرها الاسلام ،ومن قائل إنها فوضوية ويقوم بها أناس لديهم فساد تصور وقلة إدراك للمصالح من المفاسد ،ويحرمها ويحرم المشاركة فيها ،وما إلى ذلك من حجج يقف امامها أبسط مثقف حائراً متسائلاً في أي عصر يعيش هؤلاء المفتون؟ وما هو سند فتاواهم؟ وليس من إجابة لفتاواهم إلا القول بأن هؤلاء يعيشون حياة الترف والراحة والمكرمات السخية والمناصب الجلية وليس لهم شغل بمعاناة الآخرين ومآسي العالمين .
وإليكم التأصيل الشرعي لجواز ووجوب المظاهرات وشروطها الشرعية :
أولاً:- إن المظاهرات كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين وسلف الأمة لصد العدوان وتحقيق الايمان والإنكار على الظلم والكفر والطفيان ،فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن أسلم والمسلمون يخفون اسلامهم في دار الأرقم خوفاً من بطش الزمرة الظالمة التي تستولى على مكة ،قال :يا رسول الله أَلسنا على حق إن متنا وإن حيينا ؟قال :بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم ،قال عمر :ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجنَّ ،فخرج المسلمون في صفين :صف يتقدمه عمر وصف يتقدمه الحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلوا المسجد الحرام فنظرت إليهم قريش فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماه رسول الله صلى عليه وسلم بالفاروق لأن الله فرق به بين الحق والباطل رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وإن طاب لبعض الناس تضعيف الحديث فإنه يؤخذ به في فضائل الأعمال لان صدُّ الظلم والجهرَ بالحق من أفضل الأعمال كما قرر ذلك الثبت من العلماء ،وقد خرج شيخ الاسلام ابن تيمية والعز بن عبدالسلام وغيرهما لمقارعة الظلم والظالمين وذلك ثابت ومشهور لا يخفى على أحد .
وما اعتراضُ امرأة أمام الجمهور على عمر بن الخطاب حين أراد تحديد مهور النساء الا تظاهرة نسوية تطالب بحقها المشروع ،وما تقدُّمُ المسلمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر الى قافلة قريش التجارية الا تظاهرة لاسترداد الحق الشرعي المسلوب والامثلة على تظاهرات تلك العصور كثيرة فوا عجبي لمن يقول إنها لم تكن معهودة في تلك العهود .
ثانياً:- من المقرر في القواعد الفقهية أن الأصل في الأشياء الإباحة مالم يرد نص في تحريمها فالمظاهرات في أصلها مباحة لم يرد نص على تحريمها ،ثم انتقلت من الاباحة الى الوجوب على قاعدة [ مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ] وقاعدة [ للوسائل أحكام المقاصد ] فصد العدوان وايقاف الظلم عند حده واسترداد الحقوق إلى أهلها ومنع الفساد من الواجبات ولا تتم إلا بوسائل عديدة منها المظاهرات الحضارية السلمية لذا فإن المظاهرات بهذا تكون واجبة يأثم القادر عليها إن تركها أو تخلف عنها ،فإنه ليس للوسائل حدود في الوصول الى المقاصد المشروعة .
ثالثاً:- ان المظاهرات تحقق معروفاً وتنكر منكراً وتذكر بالحقوق والواجبات وتؤآزر الاخوة في بلدان أخرى لتقوي عزائمهم لذا فإنها من الواجبات لانها ترسل رسالة الى الأعداء بمدى حرص المتظاهرين على حقوقهم ومدى تماسكهم ووحدتهم .
رابعاً:- إن وسائل تغيير المنكر كثيرة وقد نص الحديث النبوي على ثلاث منها في قوله عليه الصلاة والسلام :(( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان )) فالمظاهرات تغيير للمنكر باللسان حتى لا يلجأ الفرد الى اضعف الايمان وهو الانكار بالقلب فقط .
خامساً:- إن القول بجواز المظاهرات ووجوبها ينبغي أن يكون محكوماً بضوابط لا يجوز تجاوزها فلا يجوز الاعتداء على الأموال العامة والخاصه ،ولا يجوز إزهاق الأرواح وأذى الآخرين ولا يجوز الكلام الفاحش البذئ ولا يجوز الظلم والفساد ولا استخدام العنف والتجريح ولا الاطاحة بالمؤسسات الخدمية والعلمية والتراثية ولا تهديم العمران وتخريب الطرقات .
فالمظاهرات بهذا الثوب الحضاري تكون شرعية ينال فاعلها عند الله تعالى ثواباً ،فإن عاش عاش بكرامة النصر وعزّ المؤمنين ،وان مات فهو شهيد الدفاع عن الدين والمال والعرض والنفس والعقل كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم .
اما القول بان التظاهر فيه تقليد للكفار فهي حجة مردودة فليس كل ما يفعله الكفار ممنوعاً على المسلمين وإلا لحرم ركوب السيارات والطائرات عند السفر للحج ولحرم التحدث في التلفاز والاذاعة ولحرم مكيف الهواء وثلاجة التبريد وافران الكهرباء ،والحق أن كل ما يحقق خيراً ويدفع شراً لا مانع منه شرعاً .
وأما القول بأن المظاهرات خروج على الامام وواجب الفرد ان يتحمل المكروه من إمامه فهذا صحيح في القضايا الفردية المحدودة ،أما إذا عمّ الطغيان والفساد وأهينت الأمة وتواطأ الحكام مع الاعداء ضد الأمة وتآمر على البلد وحضارته وثرواته فإن عزله والخروج عليه واجب لان مصلحة الامة مقدمة على مصلحة الفرد الحاكم .
لذا فإني أناشد الغيارى من الشباب أن لا يتذرعوا بهذه الفتاوى المانعة من التظاهرات وهم في حقيقة الأمر يركنون الى الراحة والتخلف عن ركب المجاهدين ولا يتركوا للشيطان فرصة يوسوس إليهم بأن المظاهرات عمل لاينفع وما الى ذلك من حجج واهية .
وأما العلماء المانعون فنحن نحترمهم ولكن نأخذ منهم ونرد عليهم لأنهم ليسوا معصومين يوحى إليهم وإنما يصدرون في فتاواهم من واقع وظرف يفرض عليهم ما يقولون ولا يستطعيون مخالفتهُ ،وإلا فبماذا نفسر خروج العز بن عبدالسلام وابن تيمية وابي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل وغيرهم .
وأما سقوط شهداء وضحايا فذلك امر طبعي في مثل هذه الاعمال العظيمة ،فالمسلمون ما انتصروا في معاركهم ضد اعدائهم ومظاهراتهم ضد الظالمين الإ بتقديم الضحايا والجراح وسيلان الدماء الطاهرة الزكية وكلها بحسابها وثوابها عند من لا يضيعُ اجر من احسن عملا . والله أعلم
أ.د. عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي
1/3/2011م
المظاهرات وتأصيلها الشرعي ... أ.د.عبدالرزاق عبدالرحمن السعدي
