لا شك ان انتفاضة يوم 25 شباط/فبراير، هي بمثابة بداية انطلاقة ثورة شعبية على الفساد والفاسدين للنظام الحاكم في العراق، فهي وكما تراها غالبية العراقيين،
على انها ثورة بكل معنى الكلمة، من خلال محتواها الوطني والانساني والتحرري، حيث تقف خلفها جميع مكونات الشعب، من شباب ومنظمات المجتمع المدني، ناهيك عن الملايين من مناهضي الاحتلال والكادحين والعاطلين عن العمل. ولاول مرة ومنذ عام 2003 اصبح هدف هذا التجمع الشعبي الكبير، هو انقاذ العراق من هذا الوضع المتردي والمزري الذي جلبه الاحتلال واعوانه، عن طريق حكوماته الخمس التي ساهمت وادت الى ان يصل هذا البلد المهم الى هذه الدرجة من الانحطاط الوطني والبؤس الاجتماعي، حيث وفي غيبة المرجعية الوطنية وتَغَوُّل الاستبداد الشخصي والمذهبي المـُتُخلف، قامت هذه الحكومات بالعبث بكرامة الناس وحياتهم وحرمتهم من حقوقهم، واضحت وظيفة المؤسساتِ الامنية والقانونية المرتبطة مذهبيا برجال الدين الفاسدين، هي ملاحقةَ معارضي الاستبداد والطغيان من الوطنيين ومعارضي الاحتلال، بدلا من العمل على جمع العراقيين وبناء الوطن وتحقيقِ مصالح الامة، ومن ثم ملاحقة الفاسدين ومتابعة عصابات الاجرام والقتل والفساد. اذن هي بداية ثورة تنطلق من مبدأ الاحساس بالمسؤولية تمدُّ يدها لكل القوى المخلصة، علمانية او دينية من دون استثناء، وان هدفها هو توحيد الرؤى وتكامل الجهود حتى تـُنهض الوطن من كبوته، ويتبوأ المكانة التي يستحقها بين بقية امم الارض.
ونظرا لاتساع قاعدة هذه الثورة الشعبية، فقد تحاول بعض التيارات الدينية المذهبية والعلمانية الانتهازية المعروفة بمواقفها تاريخيا من التسلل وركوب الموجة، بعد ان كشفت احداث العراق الاخيرة عن كل اوراقها، وازالت تملقاتهم ومباركاتهم لحكومة المالكي وجوقته الطائفية اخر وريقات التوت التي حاولوا التستر بها. ولا غريب في ان نشاهدهم في وقت بدء انطلاق الثورة الشعبية جنبا الى جنب مع باقي المنافقين الذين تلطخت ايديهم بالدم العراقي ليركبوا موجة المطالبة الشعبية معا.
فهم نفسهم من بارك الاحتلال ورضي بتدمير البلاد، وبوجودهم غـُيبت المرجعية الوطنية وازداد الظلم والاعتقال لمن يطالب بحقه، وامتلأت زنزانات السجون بذوي الكفاءاتِ والكادحين من الوطنيين لمجرد انهم يرفعون اصواتَهم ضد العبودية والفساد والاستبداد والتزوير، وهم نفسهم من اخلى الساحة السياسية لضعاف العقول والنفوس والسراق، الذين يفضلون مصالحهم الخاصة على مصالح الوطن والامة، لتنفرد من خلال ذلك الانانيات الفردية، ويتمزق نسيج المجتمع وتهتزُ قيمة العدلِفي نفوس المواطنين. وبوجود هؤلاء الفاسدين والعملاء من اصحاب العمائم، الذين ساندوا المُحتل الامريكي وجعلوا من ايران مركزا مكملا في وادي الحس الوطني المُستقل، اضطر العديد من رجال الدين الشرفاء في مدن العراق المقدسة من ترك العراق واللجوء في دول الجوار، جراء المضايقات بل والتهديدات التي مارستها عليهم قوى المذهبية والخنوع العميلة من طلاب المال ولذات الدنيا الحرام، التي رعاها النظام السياسي الذي اتى به الاحتلال في 2003.
ولم تكن حالة هذه العمائم الفاسدة وسياسيي العراق الجدد بافضل من امثالهم من بعض الانتهازيين والمشعوذين المتلونين ممن يدعون العلمانية في الخارج، حيث وجد البعض في ظهور الطائفية واهمية وجودها في المشهد العراقي الحالي مناسبة لانتهاز الفرص، وبالتالي التلون بلونها والتأقلم معها بالتطاول على العراق وتاريخه التحرري الوطني المشرف، متناسين ما كتب ونشر في هذا الموضوع في مراجع كبار مؤرخي الحركة الوطنية العراقية ككتاب (الثورة العراقية الكبرى) لمؤلفه عبد الرزاق الحسني ومجموعة (تاريخ العراق الحديث) للدكتور علي الوردي. فلا غرابة في ان نقرأ بين الحين والاخر في ارائهم في ما يتعلق بالانتفاضة الشعبية القادمة هذه المهزلة الكبيرة الناتجة عن التباين في تأييدهم تارة للوضع السياسي في العراق المُحتل ومقابلة المالكي ومدحه، وتارة شجبهم للنظام العراقي وللمالكي نفسه واصطفافهم الانتهازي خلف الشعب في انتفاضته القادمة. ففي الوقت الذي يُهجر المناضل الحقيقي وتـُُمنع نقاط التقائه في العراق، ينتهز هؤلاء الفرص في التقرب من النظام الفاسد، عن طريق ازدواجية اللعب على الحبلين بممارسة لعبة المؤيد والمعارض في نفس الوقت، ولا يتورعون لحظة واحدة عن ركوب الموجة الوطنية، بعد تهميش هذا والكذب على ذاك، والبيع من هنا والمساومة من هناك.
ولا يخفى على احد ان النفاق الديني المذهبي والعلماني، هما وجهان لعملة واحدة تتمثل بالانتهازية. فالانتهازي يضمر وراء تظاهره بمصلحة الوطن، تفضيل مصلحته الذاتية غير المشروعة، والابقاء عليها باتباعه اساليب تتلون بألوانها وتفصل على مقاساتها، ليتغلغل في النهاية بين صفوف المؤمنين والثوار مظهرا ولاءه وايمانه، متحينا الفرص، وركوب الموجة القادمة. فهم اقوياء ومؤيدون لحكومة المالكي بجبروت قوتها وزهد مؤسساتها، ثائرون ضدها ومعارضون لها في حالة فشلها واقتراب نهايتها، وكأنهم قادة يمثلون حركة الشعب الوطنية. حيث انهم يرون في وضع البلد الطائفي وغياب السيادة الوطنية فرصة العمر في التلون والازدواجية، طالما سُمح لهم بان يكونوا في الموقع الآمن والأمين، الذي اختارته القوى النافذة والمستفيدة منهم، في الوقت الذي تتعرض النخبة الشريفة من الوطنيين ورجال الدين المناهضين للاحتلال والطائفية لشتى انواع المحاربة والتهميش، بل حتى الاعتداء عليهم شخصيا وقتلهم او اجبارهم على ترك العراق.
لقد ساهمت فترة الثماني سنوات من عمر الاحتلال وتعاقب حكوماته الخمس في رسم بصمات خارطة الاحداث العراقية ومشهدها السياسي المثير للجدل. انها فترة مظلمة من تاريخ العراق المحتل سجلت فيها هذه الاحداث الكثير من الوثائق المهمة المتعلقة بجرائم الطائفية والفساد والسرقة التي يتحمل مسؤوليتها النظام القائم في العراق. فشتَّان بين عراق اليوم، عراق تضيعُ فيه الحقوق، ويشيعُ فيه الاحساس بالظلم والتفرقة، وعراق الغد عراق الدولة الوطنية التي تحكمُ بشعبها ونخبتها. فلم تعد تنفع انتهازية عمائم الاحتلال ووطنيي العراق المزيفين في هذا الوقت المتأخر، فحين تندلع الثورة، سيكون من الفائت لاوانه اللحاق بها.
صحيفة القدس العربي
الانتهازية وانتفاضة العراق الكبرى ....امير المفرجي
