هيئة علماء المسلمين في العراق

الهجرة النبوية الشريفة:إنطلاقة المؤمنين من القهر إلى الحرية -- د. أكرم المشهداني
الهجرة النبوية الشريفة:إنطلاقة المؤمنين من القهر إلى الحرية -- د. أكرم المشهداني الهجرة النبوية الشريفة:إنطلاقة المؤمنين من القهر إلى الحرية -- د. أكرم المشهداني

الهجرة النبوية الشريفة:إنطلاقة المؤمنين من القهر إلى الحرية -- د. أكرم المشهداني

من حق المؤمنين والمسلمين كلما تداعت عليهم الأعداء وأحاط الماكرون بهم كيدا، أن يتساءلوا: متى نصر الله؟... فيأتيهم الجواب حالا بلسان عربي مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( ألا أن نصر الله قريب). ولنا في حادثة (الهجرة النبوية) الغزير من المعاني والعبر والشواهد (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني أثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (التوبة 40).
  إن في هذه الآيات وفي واقعة الهجرة المشرفة، للرسول الكريم وصحبه من مكة حيث الأهل والدار والأقارب، الى المدينة المنورة حيث تباشير نصر الدعوة الإسلامية تلوح هناك، فيها من العبر ما يثبّت الأيمان ويزيد المرء بصيرة بنصر الله تعالى لجنده، ويزيده ثقة بأسرار الحق في الوجود، فالله تعالى يقرر فيها أنه نصر رسوله والمؤمنين في ظروف كانت مقاييس المادة ترجح كفة الكفار، الكثرة الهائلة، على المؤمنين، القلة الصابرة، فقد تجمعت للكفار كل أسباب المنعة والقوة والتفوق عددا وعدة وإمكانات ونفوذاً، لكن العبرة في النصر أن تغلب أرادةُ أرادةً، وقد أراد الرسول ومن معه تنفيذا لأمر الله تعالى، أن يهاجروا، وأراد الكفار منعهم من الخروج، وجمعوا لذلك وحشدوا السلاح والمال، والرجال، ولكن خابت مساعيهم وأندحر فألهم أمام عزيمة وإصرار المؤمنين بقيادة النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وهاجر الرسول وصحبه من مكة المكرمة الى المدينة المنورة صيف عام 622 للميلاد، الموافق للعام الثالث عشر من بعثة المصطفى عليه السلام، وكانت الهجرة ومازالت حدثا مهما وبارزا في تأريخ الأمة وفي أنطلاقة دعوة الحق والخير والمحبة من الكبت والقهر الى الحرية والأنعتاق.
  إن الهجرة النبوية التي نحتفل بذكراها كل عام هي قصة من أعظم قصص الحياة جميعها، إنها تروي للأجيال أحداث تأريخ لم يلفقه خيال ولم يبتكر أصحابها وأبطالها، أنها قصة رواها كتاب الله العزيز وهي هجرة لم تكن من أجل دنيا يصيبها المهاجر ولم تكن هجرة حسية مكانية تركا وأنتقالا من مكان الى مكان، ولم تكن مجرد ابتغاءً للأمن أو فراراً بالجلد والنفس من أذى الكفار والمشركين، ولم تكن سعيا لمغانم دنيوية، بل كانت تنفيذا لأمر رباني أولا، وتمكينا للرسالة من الصمود والانتشار وتمكينا للدعوة من أن تأخذ طريقها نحو التحقيق وإنقاذ الإنسانية من حالة العبث والفساد الى حالة الأيمان والصلاح والحرية والأنعتاق. لقد كانت الهجرة التماسا للأرض الخصبة حيث يثمر العمل الجهادي ويؤتي أكله، وحيث تنمو براعم الأيمان وتنمو شجرة الإسلام ويثمر الجهاد نصرا وعزا ودولة.
  ولقد أراد الكافرون أن يفرضوا أرادتهم على أرادة الرسول وصحبه، وأرادوا أن يقهروه وجمعوا لذلك الرجال والأموال والعدة، ولكن خابت مساعيهم، وأنتصرت أرادة الأيمان والحق، وقد أختار النبي الأمين رفيق دربه الصادق الصدوق أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنَّ الله معنا) ولقد لاقى الرسول الكريم من عنت قومه وأذاهم وفحش قولهم، وتعذيبهم له ولصحابته، والذي بلغ أوجه في الحصار الذي فرضته قريش على النبي وصحبه وآله في السنة السابعة من البعثة النبوية، وكان حصارا أقتصاديا وأجتماعيا وعسكريا قاسيا فرضته قريش وقوى الكفر والنفاق ونفذوه في شِعَبِ أبي طالب ووثقوه في صحيفة تتضمن هذه القطيعة الأقتصادية السياسية وعلقوها على جدار الكعبة، لتكون أكثر قيمة ونشرا وإعلاماً بين العرب الذين يقدمون لزيارة الكعبة، وحرصت قريش على تنفيذ الحصار الظالم بكل حقد ولؤم وصلف، وأستمرت وثيقة الحصار منفذة لثلاثة أعوام معلقة على جدار الكعبة حتى أكلتها دودة الأرض ولم تبق منها شيئا الا عبارة )بأسمك اللهم) وتفتت الحصار بفضل صمود وإصرار وعزيمة المؤمنين المجاهدين الصابرين بقيادة الرسول الكريم، حتى أذن الله لهم بالهجرة الى المدينة، وكان ذلك بداية الفتح.
  ونحن إذ نحتفل هذه الايام بذكرى الهجرة النبوية الشريفة، لابد أن نتلمس معاني هذه الذكرى، ففي الهجرة معان ودروس لابد أن يعيها العرب والمسلمون اليوم وهم يعيشون ظرفا عصيبا، وأوقاتا عصية، ويتعرضون لمؤامرات قوى الشر والضلال والكفر في العالم، بأن يعززوا إيمانهم وثقتهم بأن النصر حليف المؤمنين المجاهدين: وتلك هي سنة الله وآيته الباقية الخالدة (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) (المؤمن /51) والمطلوب من الأمة المزيد من الإعتصام بحبل الله المتين، والرجوع الى منبع العقيدة الصافية دون بدع ولا ظلالات ولا تعنت ولا تطرف ولا غلو.. فالظرف العصيب الذي تمر به الأمة يتطلب منها ومن أبنائها المزيد من الوعي والحكمة والتمسك بحبل الله (وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) صدق الله العظيم
 
  الدار العراقية
4/2/2006

أضف تعليق