في العهد المكي للدعوة الإسلامية صدرت الأوامر والتعاليم الإلهية إلى صاحب الدعوة،
محمد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الى ممارسة الجهاد الكبير، وهو جهاد الكلمة والموقف، المتخذ من الإسلام وقرآنه خطة عمل، ومنهج حياة، وقد وردت هذه الاوامر والتعاليم في قول الله تعالى –عن الاسلام وقرآنه - : {... وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان : 52] .
واهم فوائد هذه الآية ثلاث:
1. تشريع جهاد الكلمة والموقف.
2. صفة جهاد الكلمة والموقف انه جهاد بلا قتال؛ لان السورة التي تضمنت هذا التوجيه مكية، والامر بالقتال نزل في المدينة بعد الهجرة.
3. ان جهاد الكلمة والموقف هو الجهاد الكبير.
والجهاد الكبير هو نفسه (أفضل الجهاد) في الحديث النبوي الشريف، فقد سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أي الجهاد أفضل ؟ فقال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وفي لفظ: " كلمة عدل" .
واذا كان هذا الضرب من الجهاد هو الجهاد الكبير، بالإضافة إلى غيره، واذا كان هو (أفضل الجهاد) فليس بمستغرب إذن ان يكون شهداؤه خير الشهداء، وهو ما صرح به النبي صلى الله عليه و سلم عندما قال : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله" .
وصور جهاد الكلمة والموقف تتعدد، ومنها هذه الصورة من صور مختلفة في عهد الصحابة، فقد وقع احد الولاة في مخالفة غير مقصودة للسنة في يوم عيد، في المصلى، حيث يجتمع المسلمون، فقام إليه رجلٌ من عامة الناس، وسجل اعتراضا عليه، مؤكدا أنه خالف الدستور والقانون (الكتاب والسنة) وكان الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه – حاضرا فعلق على اعتراض ذلك الرجل والمخالفة قائلا: أمَّا هذا فقد قَضى ما عليه ، سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "من رأى منكُم منكرًا فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" معلنا مباركته لقول وعمل واحد من الأمة، منكرا على رأس الأمة، وسط تجمعها المتمثل يومئذ بشعائر العيد.
إن جهاد الكلمة والموقف يشكل نقطة الارتكاز والمنطلق الأساس للثورات الشعبية على الظلم والاستبداد والفساد والتبعية، ولا سيما اذا صدر ذلك من حكام ارتضوا لأنفسهم ان يكونوا واجهات لقوى دولية واقليمية، او صدر من تلك القوى انفسها، كما جرى ويجري في العراق وبلاد اخرى في مقدمتها فلسطين الحبيبة، وهو يقتضي ان يلجأ اهلنا في العراق وتلك البلدان المغتصبة الى أسلوب الثورات الشعبية بوصفه جهادا آخرا، يؤازر الجهاد القتالي المشروع، وليس بديلا عنه؛ لأن حكم الجهاد في حالة العراق ونظائره هو النفير العام المذكور في مثل هذه الآية: { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [التوبة : 41 ، 42] وغيرها من الادلة الشرعية، ولا يجوز تعطيل فريضة الوقت (الجهاد) بأي دعوى كانت كدعوى ترك الجهاد بسبب تبني جماعات العنف، او ( الجماعات الارهابية) –كما يسمونها- له. قال ابن حزم –رحمه الله- في كتابه: المحلى (7 / 300) في معرض تعليقه على مثل ذلك ما نصه: "ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم؛ من أجل فسق رجل مسلم لا يحاسب غيره بفسقه" .
وعبارته (ولا إثم بعد الكفر) توحي اليك ان تعطيل الجهاد العيني اخطر من كافة الكبائر بعد الكفر، ونظير هذا ما ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (5 / 537) اذ عد الجهاد العيني بعد الايمان وقبل كل عمل صالح (الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج ...الخ) حيث قال: "... فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه" .
ونستخلص من قولته: ان المطلوب من اهل كل بلاد تعرضت للغزو هو : لا اله الا الله، ثم الجهاد، وبعدهما تأتي سائر الاعمال.
وان كان لنا ان نضيف معنى آخر -من زاوية دينية- فإننا نقول: ان الجهاد في حالة العراق، وحالات مماثلة يساوي الدين كله (عقيدته، وشريعته، وأخلاقه، ولغته العربية، وحضارته، وثقافته، وأرضه ومياهه، وثرواته) لأنه –أي الجهاد- عملية تصد لغزو فكري، يستهدف كل هذه الأشياء، ويسير جنبا إلى جنب مع الغزو العسكري.
ومن هذا المنطلق فإننا نحث في حالة العراق وحالات أخرى مشابهة إلى استمرار الجهاد القتالي المشروع، فإنه الأصل، والى تعزيزه بجهاد لا قتال فيه، وهو ما يعرف بـ الثورات الشعبية، فإنها فرع منه، ومكمل له، ويستطيع الشعب المقاتل نفسه ان يفجر ثورته الشعبية في تاريخ واحد، وجغرافية واحدة، فليخرج الشعب العراقي في مظاهرات عامة للمطالبة برحيل الاحتلالين الامريكي والايراني، وواجهة الاحتلالين، المتمثلة بالحكومة والبرلمان الحاليين فورا.
ورحيل الاحتلالين وواجهتهما ونفوذهما السياسي هو وحده:
1. عرس الكرامة للوطن،
2. وعودة اللحمة العراقية،
3. وقبر الطائفية المستوردة،
4. وتأسيس نظام وطني مستقر،
5. وقيام دولة العدالة الاجتماعية،
6. وتحقق حلم الامن المفقود،
7. وتوفير الخدمات الأساسية،
8. ومكافحة البطالة المستشرية،
9. وانتهاء الفساد، وهدر المال العام.
10. وانجاز عملية التنمية المستدامة.
وحينئذ فقط نقول عمليا لا نظريا ، وبالأفعال لا الأقوال:
بَلَغْنا السماءَ مَجْدُنا وسَناؤنا وإِنّا لَنَرْجُو فوق ذلك مَظْهَرا
الثورة الشعبية جهاد آخر... د. ثامر براك
