لا تزال الإساءات الموجهة الى الإسلام ونبي الإسلام تتواصل في وسائل إعلام غربية، وعلى لسان الكثير من السياسيين والأكاديميين. فالغرب لم يعد ينظر إلى العرب والمسلمين تلك النظرة المنصفة والعادلة في أغلب المواقف،
بل على العكس نجده يغذي عوامل الاختلاف والتقاطع على الصعد الفكرية والإعلامية والسياسية أكثر مما يبحث عن مجالات التقارب والتواصل والتفاهم وهي كثيرة
وهذا يحدث حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ،2001 وهي مواقف لم تتغير للأسف في واقعنا المعاصر، وآخرها ما نشرته صحيفة نرويجية من رسوم كاريكاتيرية مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن الحملات لا تزال مستمرة على الإسلام بصور متعددة، بزعم أنه دين يدعو إلى العنف والتطرف والاستبداد، وأنه ضد المرأة وغير ديمقراطي.. إلخ. قد يقول البعض إن التراكمات النفسية التي أوجدها بعض المستشرقين واليهود أسهمت في ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ. لكن القضية ليست بهذا التبسيط بل إن هناك مؤشرات قديمة لا تكف عن الادعاء بالخطر الحضاري الإسلامي منذ منتصف هذا القرن وحتى الآن.
في عام 1952 قال دبلوماسي فرنسي “ليست الشيوعية خطراً فيما يبدو لي، فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة، وإذا كان هناك خطر فهو خطر سياسي وعسكري فقط، ولكنه ليس خطراً حضارياً تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء. إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً وعنيفاً هو الخطر الإسلامي. فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي. فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة. فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم جديد من دون حاجة إلى الاستغراب، أي من دون حاجة الى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية العربية”.
(لماذا هذا الرعب كله من الإسلام / جودت سعيد). هذا الطرح القديم الجديد واضح الأهداف والمقاصد تجاه الفكر الآخر المستقل الذي يرغب في صياغة أهدافه وفق تميزه الحضاري، على الرغم من أن أغلب دول العالم الإسلامي ترتبط بعلاقات قوية مع الغرب، ولا يوجد ما يبرر مثل هذا الرأي المزعوم، لأن العالم العربي والإسلامي في صراع مع التخلف، وافتعال الصراع وفق تقديرات ليست واقعية ووهمية يعني تكريس هذا التخلف وتمديده. ولعل أصدق تعبير عن ذلك هو ما قاله المفكر المغربي محمد عابد الجابري في إحدى الندوات: “إن صورة الإنسان العربي في الإعلام الغربي صورة مصنوعة (وسأل الحضور سؤالاً مباشراً: هل يستطيع أحد منكم أن يحدد بدقة ماذا تعني كلمة إسلام أو عرب في أذهانكم؟) عندما يفكر الغربيون في الإسلام فإنهم لا يفكرون في إندونيسيا التي يزيد سكانها على معظم تعداد الدول العربية، أو نيجيريا التي يزيد عدد سكانها عن المائة مليون، لكنهم يفكرون في إيران والعرب”!
وأشار الجابري إلى “أن العرب عندما كانوا تحت الاستعمار الغربي لم يحرقوا الأوروبيين في بيوتهم مثلما حدث منذ سنوات للأتراك في ألمانيا، ومع ذلك فصفة الإرهاب ما زالت ملازمة للعرب والمسلمين”.
وبرزت بعد ذلك أصوات بارزة ومؤثرة في الغرب، لعل صوت صموئيل هنتنجتون الأبرز بين هذه الآراء التي تحذر من خطر الإسلام على حضارة الغرب ومما قاله: إن الصراع في المستقبل سيكون صراع حضارات، وينبغي للغرب أن يستعد للنزال مع الحضارة الإسلامية، إذ إنها حضارة معادية، ومن الاستعداد للصدام الدموي: تجريد المسلمين من عناصر القوة والنهضة منذ الآن حتى إذا وقع الصدام تكون قدرات العدو ضعيفة وتكون تكاليف المواجهة من ثم قليلة خفيفة”.
بهذه النظرة التحريضية والاستعلائية تتبلور ملامح التفكير الغربي تجاه الآخر وتنسف تماماً “أوراق” اللعبة المزدوجة: الديمقراطية وحرية الاعتقاد، حرية التفكير وحقوق الإنسان.
يروي خالد شلدريك المستشرق البريطاني المسلم كيف أن الخصومة للإسلام هي التي أهدته إليه وكشفت أمامه الطريق إلى الحق فيقول: “لم أتلق هذا الدين في أول الأمر من كتبه ولكنني تلقيته من كتابات الطاعنين فيه. لقد حملني البحث والتأمل إلى درس الديانات الأخرى، فدرست البوذية والبرهمية وسائر الأديان. وفي دور الكتب العامة في بريطانيا دراسات عن كل الأديان ما عدا الإسلام، إذ إن الكتب التي ألفت عنه مملوءة بالتحامل والمطاعن والعرض الظالم والزعم أن الإسلام ليس ديناً مستقلاً ولكنه أقوال محرفة عن كتب المسيحيين ! وقد تساءلت في نفسي: إذا كان لا أهمية للإسلام إلى هذا الحد فلماذا يبذلون كل هذه الجهود للتحامل عليه ومقاومته وتوجيه المطاعن إليه؟
وقد وقع في نفسي كما يقول إنه لولا أن الإسلام دين يخشاه هؤلاء ويحسبون حساباً كبيراً لما فيه من القوة والحيوية، لما بذلوا كل هذه الجهود لمقاومته والطعن فيه وتشويهه. لذلك عزمت على قراءة هذه الكتب التي كتبت عنه. فالإسلام لا يخيفه انتقاد منتقديه، لكن هناك فرقاً بين النقد وبين الشتائم والازدراء والكراهية.
مراد هوفمان، سفير ألمانيا السابق في المغرب، عندما أسلم وأصدر كتابه “الإسلام كبديل” قامت قيامة الصحافة الغربية والألمانية على وجه الخصوص بحملة تشهير على هوفمان وطالبت بمحاسبته على آرائه في هذا الكتاب، وهي آراء تجافي شعار الحرية الشخصية وحرية التعبير التي يرددونها عندما تجد صدى نفسياً لها.
الغرب دائماً هو البادئ بالهجوم، منذ قرون، ليس بغزو واحتلال فحسب، بل أيضاً بتوجيه الاتهامات التي ما أنزل الله بها من سلطان. فهذا الدين في نظره دين عنف وإرهاب، واحتقار للمرأة، وضد الحرية والتعددية، محاربة العقل والإبداع. ولا يعترف بحقوق الإنسان، ويناهض الديمقراطية والرأي الآخر، ويخلط بين الدين والدنيا.
وهذه القائمة الطويلة من الاتهامات نجدها منتشرة في الكتابات الصحافية، وفي أقلام الباحثين، وعلى ألسنة السياسيين، ثم يرددها رجل الشارع في الغرب، مما يدل على أنها أيديولوجيا موجهة قوامها تحقير الإسلام. وهذه الممارسات لا تساعد على الحوار ولا تسهم في نزع التوتر القائم الذي يدفعه البعض إلى المواجهة دفعا، وهذه قضية تحتاج إلى عقلية المنصفين والساعين إلى لغة الحوار والتفاهم بعيداً عن الأحكام المسبقة، والنظرة غير العادلة تجاهه وفكره،والإساءات المستمرة للعقائد والرموز.
الدار العراقية
1/2/2006
لماذا هذه الإساءات إلى الإسلام؟ -- عبد الله علي العليان
