وجهت الامانة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق رسالة مفتوحة للشعب العراقي والأمة بشأن مخاطر تقسيم العراق.


رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي والأمة
بشأن مخاطر تقسيم العراق
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد:
فلا يخفى على كل متابع للشأن العراقي بعد احتلال أمريكا وحلفاؤها له عام (2003)؛ أن من أهداف الاحتلال الرئيسة هو إنهاء دور العراق كدولة واحدة مستقلة، لها من الإمكانات المادية والبشرية والتاريخية ما يؤهلها للمساهمة في استقرار المنطقة والمحافظة على التوازن فيها؛ وذلك بالسعي إلى تدميره: بشريا وثقافيا وحضاريا واجتماعيا، والهيمنة عليه سياسيا، والاستيلاء على مقدراته ومصادر ثرواته إلى آماد بعيدة، ولا يتحقق ذلك إلا بتقسيمه: طائفيا وعرقيا ومناطقياً. وشاركت أمريكا في مسعاها التقسيمي هذا أطراف أخرى دولية وإقليمية: كبريطانيا والكيان الصهيوني وإيران.. وغيرها من أعداء العراق والأمة؛ لأهداف مختلفة.
ومع وضوح رغبة الاحتلال وحلفائه في ذلك، وإعلانهم عنه في كثير من المناسبات؛ فإننا نجد بعض من يتظاهرون بالغيرة على (أهل السنة) على الرغم من أنهم هم الذين أساءوا إليهم، بوقوفهم إلى جانب الاحتلال وحلفائه بعلم أو بجهل وسوء تقدير، ومشاركتهم في كثير من مشاريعه الضارة بهم وبغيرهم من أبناء الشعب العراقي كالصحوات، والتحالف الأمني مع المالكي جلاد الشعب العراقي ومعتمد الاحتلال فيه؛ نجدهم يروجون اليوم لمشروع تقسيم العراق تحت عنوان (الفدرالية والأقاليم) وغيرهما من المسميات؛ بحجة حماية (أهل السنة) من أذى الآخرين!! وكأن الحدود المتوهمة وغير المستقرة للأقاليم هي التي ستحميهم من أذى الآخرين، وليس صمودهم وصبرهم وبسالتهم وتضحياتهم مع غيرهم من أبناء الشعب العراقي الأصلاء. وهي تضحيات أذهلت المحتلين وألحقت بهم خسائر فادحة ما كانوا يتوقعونها، ولم يصابوا بمثلها منذ الحرب العالمية الثانية، واثبتوا للقاصي والداني حرصهم على العراق وتمسكهم بوحدته، وأنهم رقم صعب يحسب له حسابه ولا يمكن تجاهله أو التعتيم عليه في أي حال من الأحوال.
ومن المؤسف أن يأتي هذا الترويج للتقسيم في الوقت الذي تراجعت فيه أصوات المنادين بفدرالية الجنوب، كالحكيم وغيره من حلفاء الاحتلال بعد أن رفض أبناء شعبنا الأبي في الجنوب هذه المحاولات المشبوهة وتمسكوا بوحدة العراق، وفي تجاهل ظاهر من أصحاب هذا المشروع للمخاطر والمصائب الجمة التي ستحل بالعراق وشعبه وبالمنطقة كلها جراء الترويج لهذا المشروع الاستعماري الخطير إذا تحقق لا قدر الله تعالى ذلك.
ومن مخاطر مشروع التقسيم هذا _ على سبيل المثال لا الحصر _ ما يأتي:
1_ العراق كما هو معلوم جزء من الأمة، قوته قوة لها، وضعفه ضعف لها، وتقسيمه طائفيا أو عرقيا أو مناطقيا؛ ضعف لها، وإنهاء لدوره التاريخي الفاعل في الأمة.
2_ التمكين للقوى الدولية والإقليمية المعادية للعراق والطامعة فيه من استمرار الهيمنة عليه، وتغييب هويته وانتمائه وثقافته وقطع صلته بأمته.
3_ إخراج العراق من ميدان مواجهة الأمة لمشاريع أعدائها العدوانية.
4_ التأسيس لمشاكل وفتن طائفية وعرقية وفئوية لا تحمد عقباها، وقد تستمر لأجيال قادمة.
5_ إنهاء النسيج الاجتماعي العراقي المتجانس، الذي يمثل الضمانة لوحدته الجغرافية والتاريخية، وقطع صلات المودة والقرابة والمصاهرة بين أبنائه إذا تحولت حدود الفدراليات والأقاليم إلى حدود لدويلات وكيانات منفصلة في النهاية، وهذا ما يرمي إليه مخطط الاحتلال وحلفائه.
6_ التمهيد لتقسيم ما يمكن تقسيمه من دول المنطقة ولاسيما الدول العربية، وفقا للمشروع الصهيوني الذي يقضي بتقسيم هذه الدول إلى دويلات وكيانات هزيلة وضعيفة تسهل الهيمنة عليها سياسيا واقتصاديا، ويمكن إثارة الفتن والصراعات فيما بينها متى ما شاء أصحاب هذا المشروع.
7_ إنحسار الوجود العربي الأصيل في العراق (سنيا كان أم شيعيا)، وكذلك انحسار اللغة العربية بانحسار هذا الوجود؛ أمام الغزو الفكري والثقافي الأجنبي المعادي للعراق وثقافته وتوجهاته.
8_ ضياع بغداد إحدى عواصم الخلافة الإسلامية، وأهم مراكز الإشعاع الروحي والثقافي والحضاري للأمة لعدة قرون مضت.
9- ضياع دماء الآباء والأجداد وتضحياتهم في الدفاع عن العراق ووحدته على مدى تاريخه، وكذلك تضحيات الأبناء والأحفاد ودمائهم الطاهرة التي سالت وتسيل على ثرى العراق الطاهر في الوقت الحاضر.
إن مشروع تقسيم العراق، مشروع أمريكي بريطاني صهيوني، وهو من أهم أهداف احتلال العراق كما أسلفنا؛ وفي هذا الصدد يقول أحد جنرالات الصهاينة: ((إن أي احتلال لا يؤدي إلى تقسيم العراق ليس احتلالا)).. ومن هنا فإن من يروج لهذا المشروع؛ فإنه يساعد الاحتلال وحلفاءه في تقسيم العراق، وتقطيع أوصاله؛ ومن يساعد الاحتلال في ذلك _ عالما به _ سيكون في حكم الموالي له.. ومعلوم حكم من يوالي الكافر المحتل شرعا وعرفا.
هذا مع العلم أن غالبية الشعب العراقي من كل انتماءاته الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية والفكرية متمسكة بوحدة العراق ورافضة لمشروع تقسيمه، وخير شاهد على ذلك رفض أبناء شعبنا في جنوب العراق ولاسيما أهل البصرة الأصلاء لما ُسميَّ بـ (اقليم البصرة) الذي دعا إليه بعض حلفاء الاحتلال _ كما ذكرنا فيما تقدم _ فأفشلوا بذلك محاولات من أرادوا عزلها عن العراق. أما الذين يروجون لمشروع الاحتلال في تقسيم العراق؛ فإنهم لا يمثلون إلا قلة قليلة من الشعب العراقي من المتعاونين مع الاحتلال وحلفائه والمستفيدين من وجوده في العراق، وهم قلة من السياسيين الفاشلين، والتجار الجشعين الذين لا يهمهم إلا المال، وبعض من يسمون بـ(شيوخ العشائر) أو شيوخ الصحوات سيئة الصيت، وغيرهم من البسطاء والمـُغرّر بهم الذين لا يعلمون سوء عاقبة ما يفعلون.
ولذا فإن هيئة علماء المسلمين في العراق تدعو أبناء الشعب العراقي وأبناء الأمة جمعاء شعوبا وقيادات إلى التنبه إلى خطورة هذا المشروع الخبيث وإلى العمل الجاد وبكل الوسائل العملية والاعلامية والسياسية الممكنة إلى افشاله وبيان مخاطره على العراق والأمة, والأخذ على يد الداعين إليه والمروجين له من عراقيين وغيرهم وعدم الانصات الى تبريراتهم الانهزامية الواهية, التي لاتستند إلى أصل شرعي أو حس وطني أو وعي سياسي.
والله الهادي الى سواء السبيل, وهو حسبنا ونعم الوكيل
الأمانة العامة
10 ربيع الأول /1432هـ
14/2/2011م
رسالة مفتوحة الى الشعب العراقي والأمة بشأن مخاطر تقسيم العراق
