هيئة علماء المسلمين في العراق

خزان الثورة في العراق.... رموز ومفاتيح معادلة الثورة العراقية..د . خالد المعيني
خزان الثورة في العراق.... رموز ومفاتيح معادلة الثورة العراقية..د . خالد المعيني خزان الثورة في العراق.... رموز  ومفاتيح  معادلة  الثورة  العراقية..د . خالد المعيني

خزان الثورة في العراق.... رموز ومفاتيح معادلة الثورة العراقية..د . خالد المعيني

عجوز :يشبه الوضع في العراق جدار منخور و متهرئ آيل للسقوط لكن لا يوجد من يدفعه ؟؟ يتلخص أهم هدف من أهداف الحركة الوطنية العراقية في هذه المرحلة بالقدرة على حرمان الاحتلال من تحقيق أهدافه السياسية ، وراهنت الكثير من تجارب الشعوب المقهورة في مقاومة الاحتلال على المطاولة والصبر حيث تنضج ظروف داخلية وخارجية تساهم في ترجيح كفة الشعوب في معادلة الصراع لتتحقق المعادلة التاريخية في حتمية النصر .
في العراق تم على مستوى الشق العسكري إنزال هزيمة مذلة وقاسية بقوات الاحتلال الأمريكي وطي صفحته من خلال اعتراف إدارة الاحتلال بالهزيمة وإعلانه إستراتيجية الهروب من العراق وجدولة انسحابه وبتوقيتات محددة وما ضعف وتأرجح حكوماته المتعاقبة إلا انعكاسا حقيقيا لهزيمة واندحار المشروع الأصلي للاحتلال ، الأمر الذي يرتب على الحركة الوطنية العراقية الشروع دون إبطاء في آليات تصفية آثار الاحتلال السياسية وكنس قمامته المعششة في مفاصل العراق.
بعد ثمانية سنين ما هي المؤشرات الايجابية في القضية العراقية عدا النصر العسكري ، المؤشر الخطير الأول والذي يمثل نصرا لا يقل عن النصر العسكري يكمن في المستوى الاجتماعي وهو عودة الوعي العميقة للشعب العراق واستعادته لهويته الوطنية بعد تساقط الادعاءات المزيفة وانتهاء مفعول المورفين الطائفي والعنصري ، ساعد في ذلك زيف إدعاءات التحرير التي حاول تسويقها عرابي الاحتلال وهم طبقة سياسية من شذاذ الآفاق ليست لديهم قضية في العراق يدافعون من أجلها سوى مصالحهم ، هذه الطبقة تتراوح ما بين عملاء رسميين للاحتلال جاءوا مع الدبابة الأمريكية وما بين إنتهازيين وطفيليين التحقوا فيما بعد بعملية الاحتلال السياسية بدليل عن الأرض بعد لم تهتز تحت أقدامهم في المنطقة الخضراء فشرعوا بتهريب أموالهم خارج العراق . كما إن تدهور أوضاع الشعب المعيشية وتفاقم البطالة وحجم السرقات والنهب المنظم لثروات العراق الهائلة الذي تمارسه عصابات السلطة والتي تطلق على نفسها صفة أحزاب فالفقر والجوع كما يقول غاندي يشكل أعلى درجات العنف فالشباب اليائس والمحبط خزان متقد للثورة لأنه لم يعد لديه شيء يخسره. وربما كان من حسن حظ الحركة الوطنية العراقية إن يتسابق جميع أفراخ وأيتام الاحتلال دون هوادة للاشتراك بغنيمة السلطة والحكومة ، مما ترك الشارع فارغا لأي نشاط أو قوى وطنية صادقة لقيادة الشارع الذي يغلي بل ويبكي على قيادات وطنية ميدانية ومستقلة .
على المستوى الدولي والإقليمي يأتي اضمحلال الدور الأمريكي في العراق وانحساره سياسيا على ضوء انهياره عسكريا ليشكل أهم ملمح في المشهد السياسي العراقي القادم وتأتي رياح الثورة العربية من تونس ومصر لتعيد من جديد الأمل في النفوس وتعيد بعض من توازن القوة في المنطقة  مقابل اندفاع  الضغوط الأجنبية والإقليمية إلى العمق العربي نتيجة الفراغ الذي تركه العراق ومن قبله مصر لصالح إسرائيل وإيران وتركيا .
  للشعب العراقي خصوصية لمن يريد استعارة نموذجي الثورة التونسية والمصرية فعدا عن الاحتلال فإن التجانس سمة واضحة في نواة الثورتين ، فكل شيء في العراق يخضع لحساسية مفرطة ومن يريد للحراك الشعبي العراقي والشعور العميق بالظلم أو الخداع الذي يوحد العراقيين هذه الأيام عليه أن ينتقي أهدافه بدقة عالية ومدروسة وأن لا يرمي بها مرة واحدة ، لان الناس سوف تسمعك ببطونها وليس بعقولها لذا فإن الأهداف المرحلية يجب أن لا تتعدى ما يشعر به المواطن مباشرة على هذه الأهداف أن تنسجم مع معاناة الناس وحرمانهم وأن تتنفس هوائهم ، إن جدولة محسوبة للأهداف تنطلق من ( نقص الخدمات وتفشي البطالة  في وسط الشباب وملفات الفساد والفاسدين وتحسين مفردات البطاقة التموينية ، إطلاق سراح المعتقلين ، سن قانون فوري لرعاية ملايين الأرامل والأيتام ، زيادة رواتب المتقاعدين )  هي الحزمة الأولى التي يجب التركيز عليها أما الأهداف على المدى المتوسط والأكثر عمقا فهي تلك الأهداف التي يتحسس خطورتها وتتفاعل معها شريحة المثقفين والشباب المتنورين الذين يدركون مدى خطورة هذه الأهداف وتأثيرها الفعلي والمحرك للتغيير الحقيقي بعض هذه الأهداف ( إلغاء الاتفاقية وطرد الاحتلال  ، تعديل الدستور وإسقاط النظام السياسي للمحاصصة وتجريم كل من يتبناها ويروج لها ، رفض الفيدرالية والحفاظ على هوية كركوك العراقية ، وقف التعامل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، سن قانون للأحزاب والانتخابات ، المطالبة بتعويضات مادية ومعنوية جراء الغزو الأمريكي البريطاني ..) 

تكمن خصوصية مزاج الشخصية العراقية في عفويتها وفطرتها البسيطة ومصداقيتها والتي كثيرا ما يتمخض عنها سلوك عاطفي ومزاجي أحيانا تصاحبه تقلبات ، ولان الشخصية العراقية عبر التاريخ ليست سهلة القياد فإن النظام وشدة التنظيم فقط كفيلة بإنجاز أهدافهم وكفيلة بإدامة زخم المطاولة لديهم وهذا يقود الى المفتاح الثاني الذي يتعلق بوجود هيكلية ما من النخبة مسؤولة عن إدارة الأزمة وزخمها والمناورة بالإمكانات لحين تحقيق الأهداف  ( إطار سياسي وطني ) بعيد كل البعد عن الطروحات الإيديولوجية المعقدة  بسيط ولكنه قادر على الإجابة على كافة التساؤلات في عقول الناس ويضع حلول للتناقضات التي يعاني منها العراق ، فالمظاهرات العفوية بالعراق لوحدها لا تكفي وقد تقود إلى الفوضى المجردة وتجهض الهدف الحقيقي من ورائها .
    ومن خلال دراسة معمقة للمزاج الحالي للشعب العراقي ممزوجة ببعض الأهداف العقلانية يمكن صياغة الأهداف الرئيسية التالية :
أولا – إسقاط حكومة المحاصصة الطائفية في المنطقة الخضراء واستبدالها بحكومة كفاءات وطنية مستقلة .
ثانيا – محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين وملاحقة الهاربين منهم خارج العراق .
ثالثا – تقديم الخدمات الضرورية للشعب العراقي وتحسين مستواه المعيشي .
    لا يشكل كل الذي تقدم سوى نصف مقومات نجاح أي ثورة، نصف المعركة الثاني كما أثبتته التجربة التونسية والمصرية كان من نصيب الإعلام ، فعناصر مثل التحشيد والأهداف الاعتداءات على المتظاهرين ما كان لها لتأخذ كل هذا الحجم لولا ثورة الاتصالات والمعلومات فالشباب الذي يتباهى في الفضاءات الالكترونية الافتراضية ممزوجا بهذه الشبكة من القنوات الفضائية حشرت الأنظمة السياسية رغم كل جبروتها في زاوية الحلبة وأسقطتها بالضربة القاسية وحققت الشعوب من خلالها نصرا وفوزا نظيفا في أوقات قياسية خارج كل التوقعات والحسابات المنطقية .
إن مهارات الكترونية مثل التصوير الدقيق عالي المستوى للحدث لحظة بلحظة وضغط الأفلام المصورة  وإرسالها إلى الفضائيات عبر منظومات الانترنت المتنقلة  كفيل بأن يجعل ليل الأنظمة الديكتاتورية أطول من المعتاد واشد ظلاما وسوادا وأسوأ كوابيسا  .
خلاصة القول يمكن اعتماد المعادلة التالية التي تصلح إبتداءا لانطلاق شرارة الثورة العراقية : ( فكرة وأهداف واضحة + قيادات شابة ميدانية + شعارات مبسطة + إعلام = ثورة شعبية أكيدة ) ، من شان تكامل عناصر مفاتيح هذه المعادلة استكمال ما بدأته المقاومة العراقية في المرحلة الأولى من الصراع هذه المقاومة الباسلة التي أجهزت بدماء أبنائها البررة على مشروع الاحتلال في شقه العسكري وكبدته خسائر مادية وبشرية هائلة ، فإن اللحظة قد حانت والظروف قد نضجت للمباشرة بالمرحلة الثانية لكي يتم كنس ما تبقى من قمامة الاحتلال ورميها في مزبلة التاريخ وتصفية آثار الاحتلال السياسية والاقتصادية هذه المرحلة التي يجب أن تكون من أهم ملامحها أن تكون مرحلة تغيير حضارية لا تراق بها الدماء وتتحصن بالهوية العراقية الوطنية وتمتلك رؤيا وأهداف واضحة المعالم وتقبل القسمة على جميع أبناء الشعب العراقي ، فنكون عندئذ على عتبة تحقيق أهداف الشعب الإستراتيجية التحررية المتمثلة بتحقيق الاستقلال الناجز والحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا وصيانة هويته العربية والإسلامية .

أضف تعليق