نعتقد أن امريكا عندما أطلقت مشرع الشرق الأوسط الكبير لم تكن تريد دولة بعينها او تريد تغييرا لقطاع سياسي او إجتماعي فقط ، بل هي ، والحق يقال ، كانت واضحة في رؤيتها لرخص المنطقة فيما يراد أن يغير فيها ، فقد رصدت ميزانية متواضعة ، بل تافهة جدا ، تلك التي لا تتجاوز ملكية شخصية
من الشخصيات التي تجلس على كرسي وزارة من وزارات بعض الدول ، وملكية هذا الرجل يراها فوق ما يمكن ان يوصف بان الشعب العربي في بلده او في اي بلد آخر ربما يحتاج نصف ما رصدته امريكا لمشروع التغيير ، وهي تقصد ان تقلب الطاولة على رؤس الجالســـين وبدون أدنى شك فالجمــيع يصبح تحت قعقعة الصحون والأواني والملاعق الأمريكية .
إذن المشروع الأمريكي شامل في المنطقة ، وهو ليس أمر مخفي على احد بل يعرف الحكام قبل غيرهم انه موجه لهم قبل ان ينال الشعب منه سوى شره لا خيره . والكل يعلم ان هناك في هذا المشروع شركاء على عدد اصابع اليد ، إسرائيل في المقدمة فكرا وتخطيطا وربما تنفيذا ، وإيران تخطيطا بالسر لا بالعلن ، وامريكا الوجه القبيح الذي يقبله الجميع بلا تردد ،، هذه الشراكة سوف تمتد الى التربية والتعلـــــيم قبل ان تصل القطاع الإقتـــصادي ، لأن الإقتصاد كان ولا زال وسيـــــستمر بيد القوى الكبرى وهـــــذا لا نريد مناقشته ، لكن يبــقى امران يأتــيان في مقدمة المــــشروع الأمريكــــي فــــي المــــنطقة .
الأول : هو تقليل الشعور بالمواطنة وإحتقار الإنتماء القومي عـــند الفرد العربي قبل أن يصبح هناك قانون يـــحرم هذا الإنتماء وهو امر قادم لا مــحالة وتطبيقه في العراق حقيةقة واقعة .
الثاني : تحطيم القواعد الأساسية في التربية والتعليم وهنا المقصود هو ايقاف العلاقة بين التربية الوطنية وبين الإسلام ، وهنا سيصبح الإسلام عدو الشعوب بدلا من ان تكون امريكا هي عدوة الشعوب ، وهذا سوف يسحبنا الى النظر للإسلام انه الإرهاب بعينه وعلى الجميع محاربته ، وهذا ايضا يستلزم توظيف كل الطاقة الوطنية والقومية لمحاربة الإرهاب أي محاربة الإسلام .
كيف تعمل امريكا بمشروعها الجديد وما هي النتائج الحاضرة لهذا المشروع ؟
كانت امريكا حتى مطلع السبعينات تحلم ان تصل بوجهها الحقيقي الى المنطقة وتحلم ان تسيطر على كل شيء إلا من خلال عدد محدود من العملاء والجواسيس وبضمنهم بعض الحكام إن لم نقل أغلبهم ، وهنا بات من الواضح ان المخطط الأمريكي للأستراتيجية في السبعينات تركز على مشاريع عدة من مشروع روجرز الى مشروع بريجينسكي وكارتر والذي كان يريد ان يوظف جزء مهم من الجهد الإقتصادي والعـــسكري لكي يواجه الإتحاد السوفيتي وكان وجود السوفيت بمثابة سد في مواجهة الـــتدخل الأمـــريكي في أي منــــطقة بالعـــالم .
ولأن قضية الوجود السوفيتي ومخاطره في أفريقيا وآسيا كان مثار جدل داخل السياسة الأمريكية ، فقد ظلت دول المنطقة العربية يتجاذبها كل من التيار القومي والتيار الإشتراكي الأممي ، وهذا ما جعل المخطط الأمريكي لا يلجأ الى أدواته التقليدية المكشوفة كما هو الحال الان ، بل كان يريد مخطط دولي كبير ليهز العالم ويتفرد بالقرار وهذا جاء من خلال ضعف البنية الأيديولوجية للفكر الإشتراكي الأممي ، لكن كان بيد امريكا أداة واحدة وهي ان تجعل من الفكر القومي ميدان للإنحراف عن الخط الذي تبنته الأفكار القومية الى جانــــب الدور الذي يمكن ان تتبناه الأحزاب الدينية ، ولا سيما الأحزاب الإسلامـــــية ومنها احزاب ظلــــت الى سنوات قريــــبة تشكل سكـــين الخاصرة لأي مــــشروع امريكي في المــــنطقة .
وهنا لا بد من العودة الى إستخدام التنسيق المتعدد الأطراف لكي يتم حرف الفكر القومي عن منهاجه السياسي ، وهذا لا يأتي إلا من خلال وجود هذا الفكر بالسلطة، وهذا مثله حزب البعث العربي الإشتراكي والفكر الناصري ، ولو ان الفكر الناصري لم يكن قوميا بقدر ماكان وطنيا ، لكنه أستخدم العواطف القومــــية بسبب الفراغ في الساحة الوطــــنية والقومــــية .
ماذا ستفعل امريكا لكي تخرج نظم جاهزة للتخلي عن منهاجها السياسي فيما يتعلق بامريكا ؟؟
تم طرح مفاهيم متعددة اهمها مفهوم المظلومية القومية والطائفية في آن واحد وبشكل متوازي ، وهذا تطلب تحالف متين بين المظلوميتين ، واحدهما يمكن أن يكمل الاخر من خلال طرح المشروع الأمريكي في المنطقة ، وهذا كان في نهاية السبعينات ، وهو ان تتم حماية منابع النفط ، بتدخل امريكي سريع لحماية هذه المـــنابع في حالة تعرض أي دولة منتجة للنفط الى غزو سوفيتي .
كانت إيران تعارض في الظاهر السياسة الأمريكية في المنطقة ولا سيما في الخليج ورغم تعرضها الى أقوى حرب يمكن لها ان تدمر آلتها العسكرية (( الحرب العراقية الإيرانية )) إلا ان أمركا ظلت على إتصال وتواصل مع كل من امريكا وإسرائيل وهما عدوين تقليديين لإيران ، وبخاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية وطرح شعار : (( تصدير الثورة )) وكان يقصد به العراق لأن سياسة بغداد كانت برغم قربها من السياسة الإيرانية من ناحية العداء لأمريكا إلا انها كانت لا يمكن ان تحقق اي هدف لصالح عداء إيران للعروبة والإسلام وكلا السياستين تنصبان على قضية المظلومية الطائفية من وجهة نظر إيران والمظلومية القومية من وجهة نظر السياسة العراقية .
هنا سنعود الى نقطة مهمة وهي ان امريكا كانت تريد سلطة قابلة ان تلعب دورا في التفتيت القومي اكثر مما تلعب كقائد للوحدة القومية ، فوجدت في طموح صدام وغلواءه في القضية القومية خير من يحقق لها غاية مهمة وهي تنفيذ المشروع الأمريكي في المنطقة ونقصد به سياسة بريجينسكي .
كيف يمكن ان نجيب عن ذلك ؟؟
في نظرية التدخل السريع لحماية منابع النفط كان العراق وإيران مرشحين لجلب القوات الأمريكية الى المنطقة ، في حين ان فرضية النظرية الأمريكية كانت تعتمد ظاهريا على سياسة الإتحاد السوفياتي باتجاه مياه الخليج لتكون مبررا للتدخل ، لكن كانت إيران والعراق اكثر قوة في تحقيق المشروع . فنهاية الدولتين القومية والطائفية كان ينظر لها من خلال الحرب الطويلة الأمد واستنزاف القدرات وإمكانية ان تتطور لكي تدخل القوات الأمريكية وهذا لم يحدث ،، فكانت نهاية حرب ثماني سنوات إعتقد فيها كلا الطرفين بالنصر ، مما منح صدام وغروره فرصة التفكير بأكبر من حجمه ، ليس العسكري بل السياسي لأنه غير قادر على إدارة الصراع والخروج منه منتصرا .
فتم تحريك المسألة الإقتصادية والتي كانت امريكا ، كما ذكرنا سابقا ، لا تحتاج الى توظيفها في الصراع مع الإتحاد السوفياتي ، فانطلق غرور صدام بثوب إقتصادي ضد الكويت وهو ما دعى امريكا الى تجاهل الخلاف وإيهام صدام بانه يمكن حل الخلاف الكويتي العراقي بالطرق العربية ،، أي الرجوع الى المنهج القومي في حسم الصراع العربي العربي ، دون الرجوع حتى الى الأمم المتحدة ، وهنا تنطلق خيوط المشروع الأمريكي الجديد آنذاك لتصل الى التنفيذ الحقيقي له الان في إحتلال الكويت عسكريا للوصول الى العراق وإحتلاله عسكريا دون مقاومة وطنية او إقليمية او عربية .
إن الكويت من الناحية السوقية دولة محتلة من قبل القوات الأمريكية مع وقف إطلاق النار ، والعراق محتلا من قبل امريكا ولكن ليس بنفس المنهج (( وقف وإطلاق نار )) ، ومن هذا المنطلق لا بد من إثارة قضية حقيقية وهي ان المشروع الأمريكي الان يشترك فيه كل من الفكر القومي أي السلطة القومــــية وكذلك الفكر الديـــني أي من خلال الأحزاب الديــــنية ، مع التوافق بمـــسألتي المظلومـــية القومـــية والمظلومـــية الدينية الطائفـــية .
لا يهم امريكا الآن في قضية تحقيق اهداف مشروعها والسبب يكمن في ان امريكا لولا تأخر نجاحها في العراق لكان مشروعها بالملايين الضئيلة التي تم رصدها لتم تنفيذ الجزء الأعظم منه ، وهنا لا بد من تنبيه دول جوار العراق وبخاصة دول المنطقة العربية ان المشروع الأمريكي قادم والتغيير المطلوب ليس بتغيير بعض من صفحات كتب التاريخ والتربية الإسلامية او إالغاء كتاب التربية الوطنية ، ولكن التغيير سوف يكون فعلا بقلب الطاولة على رؤس الضيوف ، واقرب مثل على ذلك هو إشتراك السنة في العملية السياسية بفعل تقاربهم من اجل جزء يسير من هذا المشروع مع امريكا ، وكذلك فهم قبلوا أيضا ان يتحــــركوا نحو المــــــــنطقة العربية تحت غطاء بناء دولة عراقية متعددة الإتجاهات الســياسية والفكرية ويشــــترك فيها التيارات الديـــــــنية مثل الحـــــــزب الإسلامـــي العراقي والأحزاب الشـــيعية مع الفكر القومي المعادي للعروبة والإسلام المـــتمثل في دور إيران وتحالفها مع الأكراد .
ما نريد الوصول إليه من وراء عرضنا لهذا المقال هو ان دول المنطقة ونخص منها العربية بالذكر ، ستكون في مهب الريح لأن المشروع الأمريكي لم يوجه لغرب أفريقيا ولا الى وسط وجنوب شرق آسيا رغم حسياسية هاتين المنطقين ، بقدر ما تم صياغته ليعني بالقضية العربية والإسلامية التي تعد المنطقة العربية مركز ثقل في الفكر الإنساني ويعد العراق حصرا مركز الثقل القومي وهذا ما جعل إيران تتحالف مع امريكا في مشروعها بالمنطقة لأن ذلك سوف يحقق لها حلم قومي قديم وحلم طائفي بالدرجة الأساس عليه لا بد من الإشارة الى ضرورة الوقوف مع الشعب العربي في العراق ومنحه دعما متميزا لكي يبقى العراق البوابة الشرقية ولكي يبقى العراق مركز العلم والحضارة العربية التي فيها يمكن للعرب ان يقفوا بوجه قوتين الولى امريكا والثانية إيران وهنا سوف يتحجم المشروع الإسرائيلي تماما في حال نجاح المقاومة العراقية .
إن ضرورة إنتباه دول منطقة الخليج الى هذا الخطر من وراء المشروع الأمريكي ، ياتي بالمقام الأول لأن امريكا إذا ما نجحت في العراق سوف تلجأ الى خلق حالة الإحتراب الداخلي تسندها في ذلك إيران للبدء اولا بالمشـــروع الطائفي الذي تـــــتواجد اولــــياته في العراق في ظل الإحتلال ، ومن ثم يتم التقسيم الداخلي على أسس عرقية وطائفية اكــيدة .
العراق للجميع
الاربعاء1/2/2006
المشروع الأمريكي ودول المنطقة .. التغيير قادم..عبدالله يوسف الجبوري
