اثارت اهتمامي دراسة في علم العقيدة الاسلامية، تضمنتها أبيات قصيدة هي من عذب القصيد الذي قيل في مدح رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم، ناظمها هو الشيخ عبد الرحيم البرعي اليماني.
والابيات المختارة فيها مقارنة بين معجزات الانبياء عليهم السلام ومزاياهم وبين معجزات خاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومزاياه، مطلع القصيدة :
سَمِعْتُ سُوَيْجَعَ الأَثلاَثِ غَنَى
عَلَى مَطْلُولَةِ العَذَبَاتِ رنا
- و(سويجع) : تصغير ساجع وهو الحمام، وسجعت الحمامة إذا ردّدت صوتها على وجه واحد، وكذلك سجعت الناقة في حنينها. وللسيف الحكمي:
أحمائم الأثلاث من وادي الحما ... انتن هيجتن صبا مغرما
ما للعداة و ما لكن و للبكا ... جزعا و لكن لا أرى دمعهما
إنّ الحمام إذا تنغم شاقني ... و يزيدني شوقا إلى ذلك اللما
- و (الأثلاث) : موضع.
- و (الطلّ) : أضعفُ المطرِ، والجمع الطِلالُ. تقول منه : طُلَّتِ الأرضُ وطَلَّها الندَى، فهي مَطْلولَةٌ .
- و (العَذَبَاتِ) : النوائح.
ومعنى البيت اجمالا: انه سمع هديل الحمام فحن الى من يحب ، فهو يذكره بحمام المدينة ، وبساكنها – عليه الصلاة والسلام -.
اسلوب تقديم المقارنة: تقوم المقارنة على ذكر الشاعر في بيت او اثنين او اكثر، ما اعطى الله لنبي معين من الانبياء يسميه من عطاء فضله به على البشر، ثم يعقب بذكر ما اعطى الله نبينا من عطاء مثله او اعظم منه، مؤكدا ان الانبياء مفضلون بتلك الخصائص على البشر، ونبينا مفضل بما هو اكبر منها عليهم، وتوصل الى النتيجة نفسها التي توصل اليها شرف الدين البوصيري عندما قال:
فاقَ النَّبِيِّينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ
وَلَمْ يُدانُوهُ في عِلْمٍ وَلا كَرَمِ
وَكلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ
غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ
ثم يقرر الآتي :
وَكلُّ آيٍ أتَى الرُّسْلُ الكِرامُ بها
فإنما اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بهِمِ
فإنَّه شّمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَواكِبُها
يُظْهِرْنَ أَنْوَارَها للناسِ في الظُّلَمِ
وآي : جمع آية وهي المعجزة ، والمعنى ان الله ايد نبينا بالمعجزات التي ايد بها من سبقه من الانبياء واكبر من ذلك ، لكنه لم يخض في التفاصيل ، ولم يضرب امثلة لذلك ، ليخوض فيها ، ويشبعها بالامثلة من بعده البرعي في ابداع واجادة ، وقد حان الوقت لعرض ابياته ..
مقدمة المقارنة:
يقول البرعي :
وَكَم لِلهَاشِمِيِّ مُحَمَّدٍ مِن
فَضائِلَ عَمَّتِ الأقْصَى وَالأَدْنَى
وَلَو وُزِنْتْ بِه عَرَبٌ وَعجْمٌ
جَعَلتَ فِداهُ مَا بَلَغُوهُ وَزنَا
وهذان البيتان مقدمة للمقارنة، يشير فيهما الى حقيقة هي ان معجزات الانبياء لا يؤمن بها الا من شاهدها، فهي محددة بزمان ومكان وقعت فيهما، اما معجزات نبينا واجلها القرآن فلا تعرف حدود الزمان والمكان، بل هي معجزة للبشر في كل زمان ومكان. والاقصى: البعيد زمانا ومكانا، والادنى: القريب زمانا ومكانا ايضا، ولكي يدفع توهم افضليته -عليه الصلاة والسلام -على آحاد الانبياء لا على مجموعهم، ناقش مسألة تفضيله على البشر، او على الناطق وغير الناطق من الكائنات الحية، مقتبسا ذلك من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، في مسند احمد، وفيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وضعت في كفة الميزان ، وأمتي في كفة، فرجحت بها...".
المقارنة الاولى - مع ابراهيم- عليه السلام –
قال :
مَتَى ذُكِرَ الخليلُ فَذَا حَبِيِبٌ
عَليهِ اللهُ فِي التَورَاةِ أَثنَى
وَبَشَّرَنَا المَسِيحُ بِه رَسُولاً
وَحَقَقَ وَصْفَهُ وَسَمَا وَكَنَّا
يبدأ بالمقارنة مع ابراهيم - عليه السلام – والمقرر عند جمهور علماء العقيدة ان ابراهيم في المرتبة الثانية، اما نبينا فهو في المرتبة الاولى بين الانبياء والرسل، وقد اعطى الله ابراهيم الخلة فهو خليل الرحمن ، واعطاها لنبينا ايضا ففي صحيح مسلم وغيره قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا " واعطي ما هو اكبر من ذلك – في نظر الناظم وجماعة من علماء الاسلام – وهو الحب، فهو حبيب الله، ومستندهم ما اخرجه الترمذي والدارمي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ. قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا، اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا. وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ. وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا، وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ " .
محل الشاهد: قوله: ( أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ) فكأنه يقول: اذا كان ابراهيم خليل الله فأنا حبيب الله .
والحب معروف، والخلة اعلى درجاته، وهي تخلل المحبة اللحم والدم، ولتوضيح العلاقة بين الخلة والْمَحَبَّة اقول: الحب والخلة كالمدرسة والاول على المدرسة، فإذا قلنا : فلان اول على مدرسته فقد اشدنا به، لكنا اذا قلنا هو المدرسة فالاشادة اكبر.
المقارنة الثانية- مع موسى- عليه السلام –
قال :
وانْ ذَكَرُوا نَجِيَّ الطُّورِ فَاذْكُرْ
نَجِيَّ العَرْشِ مُفْتَقِراً لِتَغنَى
فَإِنَّ اللهَ كَلَمَ ذَاكَ وَحياً
وَكَلَمَ ذَا مُشَافَهَةً وَأدْنَى
وَلَو قَابَلتَ لَفْظَةَ لَنْ تَرانِي
بِما كَذَبَ الفُؤَادُ فَهِمْتَ مَعنَى
فمُوسَى خَرَّ مَغْشِيَّاً عَليهِ
وَأَحمَدُ لَمْ يِكُنْ ليَزيغ ذِهنَا
المقرر عند جمهور علماء العقيدة ان موسى - عليه السلام - في المرتبة الثالثة ، يلي نبينا وإبراهيم، وقد اعطاه الله الكلام فهو كليم الله، واعطاها لنبينا ايضا ، وزيادة تشريف هي ان الله كلم موسى على جبل الطور في سيناء ، بينما كلم نبينا في السماء ليلة الاسراء ، وشتان بين نجي طور سيناء ونجي عرش الرحمن !! والنجي هو المكلَّم –بفتح اللام المشددة- ويذهب الشاعر مذهب القائلين برؤية نبينا ربه في تلك الليلة، بينما حجبت عن موسى ، ويطلب منا المقارنة بين لفظتين قرآنيتين احداهما عن موسى والاخرى عن نبينا هما (لَنْ تَرانِي) و (ما كَذَبَ الفُؤَادُ) لنعرف التميز، ففي حق موسى يقول القرآن : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [ الاعراف: 143] والمعنى: ولما جاء موسى في الموعد الّذي وقّته له ربه لمناجاته كلّمه ربه، لكن موسى قال: رب أرني ذاتك لأتمتع بها وأحصل على فضيلتَي الكلام والرؤية، وأزداد شرفا، فقال له ربّه: لن تطيق رؤيتي يا موسى، ثم اراد الله سبحانه ان يُقنع موسى بانه لا يطيق رؤية ما يطلب فقال : انظر الى الجبل الذي هو أقوى منك، فإن ثبت في مكانه عند التجلّي فسوف تراني اذا تجلّيت لك، فلما تجلى الله للجبل انهدّ الجبل وبات أرضا مستوية، عند ذاك سقط موسى مغمى عليه، وقال بعد افاقته: انزهك يا رب تنزيهاً عظيما عما لا ينبغي في شأنك مما سألت، إني تُبْت إليك من الإقدام على السؤال بغير إذن، وأنا أول المؤمنين من قومي بجلالك وعظمتك .. وفي حق نبينا يقول القرآن : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) } [ النجم: 5-11 ] قيل الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد القوى كما في قوله تعالى : { إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين } [الذاريات: 58]، يقوي ذلك قوله { فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } .
المقارنة الثالثة- مع عيسى- عليه السلام – قال :
وَانْ يَكُ خَاطَبَ الأَمْواتَ عَيسَى
فَإِنَّ الجِذْعَ حَنَّ لِذَا وأَنَا
وَسَلَّمَتِ الجَمَادُ عَليهِ نُطقاً
فَأَنَى يَسْتَوي الفَتَيَانُ أَنَى
عن عيسى قال الله : {وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} وبالنسبة لنبينا قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : " كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ وَكَانَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ ". وَقَدْ نَقَلَ اِبْنُ أَبِي حَاتِم فِي " مَنَاقِب الشَّافِعِيّ " عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرو بْن سَوَاد عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : مَا أَعْطَى اللَّه نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا، فَقُلْت: أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاء الْمَوْتَى، قَالَ : أَعْطَى مُحَمَّدًا حَنِين الْجِذْع حَتَّى سُمِعَ صَوْته، فَهَذَا أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ .
وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ " .
وقوله (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي) أي بالنبوة. قيل: هو الحجر الأسود، وقيل غيره (قبل أن أبعث) أي أرسل، وقيد به لأن الحجارة كلها كانت تسلم عليه بعد البعث، كما روي عن علي كرم الله وجهه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا مدر ولا شجر إلا سلم علي" .
المقارنة الرابعة- مع سُلَيمَانَ - عليه السلام – قال :
وَانْ وَصَفُوا سُلَيمَانَ بِمُلكٍ
فَذَا كَرِهَ الكُنُوزَ وَقَدْ عُرِضْنَا
وَبَطْحَا مَكَّةَ ذَهَباً أَبَاهَا
يَبِيدُ المُلْكَ وَاللَّذَاتُ تَفْنَى
سليمان طلب من ربه المُلْك فدعاؤه الذي نقله القرآن: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ص: 36] اما نبينا فالله تعالى عرض عليه الملك فأباه : عَنْ أَبِي أُمَامَة(رضي الها عنه) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لا، يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ ثَلاثًا، فإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ".
المقارنة الخامسة مع دَاودَ - عليه السلام –
وَكَانَ دِرُعُ دَاوودَ لِبُوساً
تَكُونُ مِنْ التِباسِ البَأَسِ حِصْنَا
وَدِرْعُ مُحَمَّدِ القُرآنُ لَمَّا
تَلاَ :{ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ} اطْمَأنَا
عن داوود قال الله :{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ } [الانبياء: 80] حيث امتن الله بصنعة علّمها داود فانتفع بها الناس وهي صنعة الدروع الحربية، اما نبينا فقال الله له : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [ المائدة: 67 ] روى الترمذي وابو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن عدد من الصحابة . « أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُحرَس في مكة قبل نزول هذه الآية ، وكان العبّاس ممن يحرسه ، فلمّا نزلت ترك رسول الله الحرس » وروي « أن أبا طالب كان يبعث مع رسول الله من يحرسه إذا خرج حتى نزل قوله تعالى { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } فذهب ليبعث معه ، فقال الرسول : يا عم ، ان الله حفظني ، لا حاجةَ بي الى من تبعث » .
المقارنة السادسة- مع نُوح - عليه السلام –
وَاهْلَكَ قَومَهُ فِي الأَرْضِ نُوحٌ
بِدَعوَةِ لا تَذَرْ أَحَداً فَأفنَى
وَدَعوَةُ أحَمَدٍ رَبِّ اِهْدِي قَومِي
فَهُمْ لا يَعلَمُونَ كَما عَلِمْنَا
اجاب الله دعاء نوح على قومه، كما اجاب دعاء نبينا لقومه، ومعلوم الفرق بين الدعاء على و الدعاء لـ ، (على) عقاب ، و( لـ )عفو ومغفرة ومسامحة تدل على صبر اكثر واكبر، الدعاء (على) تضمنته آية : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا } [نوح: 26-27] اما الدعاء ( لـ ) فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود(رضي الله عنه) : "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " يشير الى نفسه .
المقارنة الاخيرة- مع الانبياء في الجملة:
وَكُلُّ المُرْسَلِينَ يَقُولُ نَفسِي
وَأَحمَدُ أُمَتِي إِنْساً وَجِنَا
يشير الى حديث الشفاعة يوم القيامة، حين يجمع الله الاولين والآخرين، فيذهبون الى عدد من الانبياء، وكلهم يقول نفسي، فيذهبون الى خاتم النبيين فيقول: نا لها، ويتصدى لمهمة الشفاعة.
الخاتمة :
قال :
وَكُلُّ الأَنْبِيَّاءِ بِدُورُ هَدْيٍ
وَأَنْتَ الشَمسُ أَشْرَقَهُمْ وأَسنَا
وَهُمْ شَخْصُ الكَمَالِ وأَنْتَ رُوحٌ
وَهُمْ يُسرَى يَدَيكَ وَأَنْتَ يُمنَى
عَليْكَ صَلاةُ رَبِّكَ ما تَناغَتْ
حَمَامُ الأَيَّكِ أَو غُصْنٌ تَثَنَى
هي خلاصة لما سبق: الانبياء قمر وخاتمهم شمس، وهم جسم وهو روحه، ولو كانوا يدان لكان اليمين وكلهم يسراها!! والصلاة عليه من ربه ما بقي جنس الحمام بنغماته الشجية، وما بقي نبات اخضر زاه، أي انها دائمة مستمرة سرمدية .
الهيئة نت
في ذكرى المولد النبوي..مقارنة بين خصائص نبينا وخصائص غيره من الانبياء... د. ثامر براك
