هيئة علماء المسلمين في العراق

أمريكا والغرب - مصر والعراق - كشكول غريب في معترك السياسة
أمريكا والغرب - مصر والعراق - كشكول غريب في معترك السياسة أمريكا والغرب - مصر والعراق - كشكول غريب في معترك السياسة

أمريكا والغرب - مصر والعراق - كشكول غريب في معترك السياسة

اخيراً انتفض الشعب المصري على نظام حكم الرئيس حسني مبارك، ورغم ان ظاهر الامر ان سبب الاحتجاجات والمظاهرات كان الواقع المعيشي والبطالة الا اننا نعتقد وراء الاكمة ما وراءها وان الاسباب الحقيقية غير ذلك ولعل الايام القادمة ستكشف المستور، واذا كان ثمة من يقول ان الشعب المصري قد سئم من التسلط والدكتاتورية واستئثار حاشية النظام بالمنافع والمكاسب فإن هذا النمط من الحياة في مصر استمر اكثر من ثلاثين عاماً، فلماذا تحرك الشعب فجأة بعد ما حصل في تونس، وهل كان ما جرى في تونس كافياً لتحريك الشعب المصري مع علمنا ان الشعب المصري كان فيما مضى هو السبّاق الى المبادرة والثورة من بين الشعوب العربية.
لقد مرت على مصر ظروف اقسى من ظروف اليوم ولقد تصرف النظام المصري وعمل خلال مراحل حكمه منسجماً بشكل كامل مع الرؤية الصهيونية واستراتيجية اتباع الصهيونية من امريكيين وبريطانيين وغيرهم من قوى الاستكبار والاستعباد في العالم ولم يتحرك الشعب المصري وان كان قد تحرك فلم يكن تحركه ليغير في الامر شيئاً، واذا كانت الروح الوطنية هي محرك الشعب المصري فلماذا لم يتحرك الشعب المصري ضد علاقة الشراكة المصرية الاسرائيلية التي دمرت الموقف العربي ولماذا لم يتحرك الشعب المصري عندما تآمر حسني مبارك واعطى الشرعية للعدوان على العراق بعد احداث الكويت وسمح بتدويل القضية وعدم حلها عربياً؟!
ولماذا لم يتحرك الشعب المصري ضد الحصار المفروض على العراق طيلة اثني عشر عاماً ولماذا لم يتحرك الشعب المصري وهو يرى حاكمه ضالعاً في مؤامرة تدمير العراق ولماذا لم ينتفض الشعب المصري على مشاركة نظامه ودوره الاساسي في شرعنة العدوان على العراق واحتلاله عام 2003؟!
واين كان الشعب المصري من الحصار الذي يفرضه نظامه على الفلسطينيين في غزة؟!
اما فيما يتعلق بالموقف الخارجي مما يحدث في مصر، فنحن نعلم ان السياسة لا اخلاق فيها.
الولايات المتحدة ومعها دول الغرب، وهم جميعاً اعتى قوى العدوان والاستعمار والعدوان على الشعوب وانتهاك حقوق الانسان كانت تعد النظام المصري ورئيسه حسني مبارك افضل الانظمة في العالم طيلة ثلاثين سنة وطالما وصف رؤساء الولايات المتحدة وآخرهم (اوباما) الرئيس المصري بانه شجاع وداعية سلام وقائد محنك وصديق حميم الى درجة ان اوباما افتتح باكورة اعماله عندما تولى الرئاسة بزيارة مصر والقاء خطابه الشهير في جامعة القاهرة والذي خاطب من خلاله العالم الاسلامي والعربي والى فترة قريبة كان اوباما يصف حسني مبارك بالاعتدال والحكمة والمقدرة على قيادة دفة الحكم في مصر نحو مستقبل واعد للشعب المصري فهل كان اوباما لا يعلم ان حسني مبارك يحكم مصر منذ ثلاثين عاماً وانه يتفرد في السلطة وان الشعب يعاني صعوبة العيش وان المعتقلات تزخر بأبناء الشعب، ام ان انسجام الحكم في مصر مع المصالح الصهيونية وأمن اسرائيل والمصالح الامريكية في المنطقة وضلوعه في موجة ما يسمى بالحرب على الارهاب الى جانب الولايات المتحدة وحلفائها قد انسى (اوباما) سلبيات هذا النظام؟!.
فما الذي حدث بين ليلة وضحاها ليغير الموقف الامريكي الى الدرجة التي يطالب فيها اوباما وغيره من المسؤولين الامريكيين وقيادات الاتحاد الاوربي، يطالبون حسني مبارك بنقل السلطة والتنحي فوراً عن الحكم؟! وهل ان هذه المطالبة تأتي فعلاً لصالح الشعب المصري وتصب في مصلحة اهدافه في الحرية والديمقراطية والعدالة وهل يمكن للولايات المتحدة ومن ورائها الصهيونية العالمية ان تسمح لقيام نظام حكم وطني في مصر يكون خيار الشعب المصري هو الغالب فيه؟! وهل يمكن ان تجتمع رؤية ما يجري في مصر من قبل نظام ايران وانظمة الغرب والولايات المتحدة التي تظهر دائماً نوعاً من العداء فيما بينها؟!
اسئلة كثيرة تحتاج الى اجابة للتعرف على حقيقة الموقف الخارجي مما يجري في مصر.
ومع قناعتنا بحق الشعب المصري في الانتفاض لتحقيق اهدافه وتحقيق التغيير السياسي في نظام الحكم بما يخدم مصالح الشعب والامة، الا اننا نميل الى تفسير الموقف الامريكي بالقياس الى المواقف التاريخية للادارات الامريكية من عملائها في العالم الذين اتى عليهم يوم فقدوا فيه الصلاحية للاستمرار في الحكم وكان عليهم ان يحالوا على التقاعد المذل مثل موقفها من (شان كاي شيك) وموقفها من خادمها (شاه ايران) وموقفها اليوم من صديقها الحميم وعميلها المطيع والمهم حسني مبارك، فالولايات المتحدة وحتى يوم بدء التجمعات الاحتجاجية في مصر لم تكن تعلم بما يجري ولا يمكن ان تدعي انها كانت على علم بما يجري وانما فوجئت بالاحداث المتلاحقة والمتسارعة الى الدرجة التي بدا موقفها مرتبكاً من خلال تصريحات مسؤوليها، والمتابع لهذه التصريحات يلاحظ انها كانت عامة وغير محددة الهدف واقتصرت على تصورات الوضع تحت السيطرة وان النظام المصري ورئيسه قادر على معالجة الموقف وعبور الازمة، لكن هذه التصريحات ما لبثت خلال ساعات ان اتخذت منحى اخر بدا متشدداً وقلقاً مما يجري، وبعد ان تأكد من خلال تطورات الموقف ان النظام المصري ابتدأ يترنح تجاه ضغط الاحداث لم يكن بمقدورها الاستمرار في دعم هذا النظام ورئيسه خشية الموقف المستقبلي منها من نظام جديد تهيمن عليه قوى مصرية لا تدين بالولاء للولايات المتحدة ولا تتعاون مع ستراتيجيتها في المنطقة.
وبصدد هذا الموضوع إننا لا يمكن ان نغفل ان الولايات المتحدة واسرائيل يمكن ان تستثمر اية فرصة سانحة واي حدث كبير في اي بلد عربي في انجاح مخططها بإعادة رسم الشرق الاوسط الجديد الذي جمد ووقتيا في العراق لحين توفر البيئة المنسجمة معه.
وبالقاء نظرة على الموقف التركي المستغرب من احداث مصر والمنسجم مع الموقف القطري المبطن الذي يعمل على الاطاحة بنظام حسني مبارك نجد ان آثار التدخل الايراني القطري في ما يجري في مصر هي الاكثر وضوحاً. اما فيما يتعلق بموقف الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة التي رفعت خلال هذا الاسبوع شعارات حقوق الانسان وعدم التعرض للمتظاهرين والمحتجين فإنه يشكل فضيحة اضافية الى فضائح هذه الانظمة الباغية في العالم، أليس من الغريب ان تدافع الولايات المتحدة وبريطانيا التي اغتالت الشعب العراقي بأكمله وعرَّضت مستقبله للمجهول ان تدافع عن حقوق الانسان في مصر فهل يختلف الانسان في مصر عن الانسان في العراق؟! وكيف يمكن فهم معادلة تحليل قتل الانسان في العراق واعتقاله تحت حجج مكافحة الارهاب مع ان الانسان العراقي يملك الحق في الدفاع عن بلده مقاتلة الاحتلال واعوانه في ظل الاعراف السماوية والارضية والقوانين الدولية من قبل نفس الاطراف والقوى التي تدافع عن حقوق الانسان المصري، لقد بدا الموقف الايراني اكثر وضوحاً من خلال تصريحات خامنئي التي اعلن فيها فرح النظام الايراني بما يجري مصر وان ما يجري هو امتداد للثورة الاسلامية في ايران ومن وحيها، ولقد انسجم الموقف الامريكي والاوربي مع الموقف الايراني والتركي فكيف حصل هذا الاجماع؟! وكيف رضيت الولايات المتحدة بذلك؟! درس لباقي الحكام العرب وخاصة خدم امريكا واسرائيل من دول الخليج العربي اسماً الفارسي حقيقة وواقعاً والامريكي مصلحة.
لقد تحرك القاصي والداني من دول العالم ليعلن موقفه مما يجري في مصر وسط سكوت غريب ومريب من الانظمة العربية، قيادات الانظمة العربية صامتة وخانسة كالخراف التي تُجر الى المجزرة، مستسلمين لمصيرهم الذي ينتظرهم الواحد بعد الآخر، تراهم غير مبالين بل غير قادرين على تحديد مستقبل دولهم، عالمين ومقتنعين ان الذي يقرر مصيرهم ومصير دولهم ومشيخاتهم هم الاجانب سواء كان بالاسلوب المباشر كما حدث في العراق او بالاسلوب غير المباشر كما يحدث الآن في دول عربية اخرى.
المضحك المبكي ان يستثمر الكثير من الادعياء والمتاجرين بالوطنية والديمقراطية حركة الشباب المصري ليظهر على الساحة متزعماً حركة التغيير حاجزاً لنفسه بطاقة التأهل منذ الآن لاشغال مناصب القيادة في مصر. يتقدمهم حامل لواء المؤامرة على تدمير العراق ومانح الشرعية والمبررات للولايات المتحدة ومن تحالف معها على العراق (محمد البرادعي) وذيل حسني مبارك في مخطط تدمير العراق زعيم موظفي الجامعة العربية عراب المهادنة وخلط الاوراق (عمرو موسى) وغيرهما من خونة الامة والمرتزقين على مصائبها وتفرقها.
أما موقف الكيان الصهيوني الذي يحتفظ بالعلاقات الحميمة والستراتيجية مع نظام حسني مبارك فمن المنطقي ان لا يقبل بأي نظام وطني في مصر يمكن ان يشكل خطراً على امنه مستقبلاً ولا يمكن ان يسمح بالتغيير لولا تطمينات امريكية واوربية بأن مصر بعد حسني مبارك لن تكون دولة واحدة وان مخطط الشرق الاوسط الجديد سيجد طريقة اليها من خلال عملية تفكيك الدولة المصرية وشرذمتها الى دويلات صغيرة وضعيفة ربما كانت اضعفها دويلة تنشأ على ارض سيناء مجاورة لاسرائيل تخضع بالتأكيد لهيمنتها ونفوذها وتعمل وفق رؤيتها وتكون وصية عليها باجماع دولي.
وهنا لابد للعودة الى الوضع في العراق السائر في طريق التقسيم بفضل الاحتلال واعوانه ونلقي نظرة على بعض التظاهرات والاحتجاجات التي ظهرت في بغداد وبعض مدن العراق والتي توقع بعض المتابعين ان تتعاظم وتنتشر أسوة بما حدث في مصر وتونس فنقول: ان الوضع في العراق مختلف تماماً فإن ثمة إجماعا على قمع اي احتجاج او تذمر قد يبدر هنا او هناك ورغم اختلاف وجهات نظر مراكز القوى الدولية والاقليمية من الوضع في العراق واختلاف مصالحها فيه الا انها تتفق جميعاً على اسناد نظام الحكم الديكتاتوري الطائفي فيه الى ابعد الحدود حتى لو ادى ذلك الى قتل واعتقال جميع العراقيين؛ لأن المطلوب في نظر هذه القوى هو القضاء على العراق كدولة موحدة وتقاسم المغانم وتقاسم الارض بعد ان يشبع عملاء الاحتلال من الاموال والمكاسب، وان كل ذلك يجري بفعل إسفين التفرقة الطائفية والقومية والشرذمة الاجتماعية التي اسس لها الاحتلال واعوانه في العراق بحيث لا يكون للشعب العراقي موقف جمعي موحد يمكن ان ينجم عنه حركة مؤثرة.
فلماذ يثور العراقيون؟! اذا كان كل شيء مستتباً وساكناً ومحافظاًعلى معدلاته في العراق، فالأمن مستتب والوضع تحت السيطرة!! والقتل والاغتيال مستتب ومتواصل والنهب والسرقة مستتبة وثابتة على معدلاتها بل إنها تتصاعد!! والتدمير مستتب والاعتقالات وانتهاك الاعراض والحرمات مستمرة، وتمزيق العراق هو الهدف الاسمى، وكل ذلك يندرج تحت بنود الحرية والديمقراطية والفدرالية وحقوق الانسان، ولاشك ان حق تقرير المصير امر مكفول في الدستور العراقي لكل دين ولكل مذهب ولكل طائفة بل لكل عشيرة او فخذ من عشيرة وربما لكل نقابة او منظمة او عصابة تريد ان يكون لها اقليم وربما دولة؟!
تساؤل اخير: لا ندري لماذا لم يطالب اوباما او الاتحاد الاوربي ويجبر المالكي على تسليم السلطة وتداولها بشكل سلمي وسريع عندما فازت القائمة العراقية بالمرتبة الاولى في الانتخابات؟! ام ان الديمقراطية في العراق لا تشبه الديمقراطية في باقي دول العالم؟!
كشكول غريب وعجيب لكنه امر واقع!!

أضف تعليق