أفادت دراسة أجراها البروفيسور الأمريكي جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، أن حرب العراق ستكلف الولايات المتحدة نحو ألفي مليار دولار أمريكي. ويقول ستيجليتز، إن ثمن الحرب يصل إلى هذا القدر العالي بسبب اعتبار
30-01-2006
عدد من النفقات لا يريد المسؤولون السياسيون حسابها، مثل ثمن المعالجة الطبية مدى الحياة لأكثر من 16 ألف مصاب أمريكي في العراق. كما أن عدد الذين سيتأثرون جسدياً ومعنوياً بمضاعفات الحرب سيزداد حتماً. وتقدر الإدارة الأمريكية تكاليف الحرب حتى الآن بنحو مائتي مليار دولار، وهذا الرقم أقل بكثير من الرقم الذي وضعه البروفيسور ستيجليتز. ولا شك أن الإدارة الأمريكية تخفي الحقائق خوفاً من أن تظهر أمام الشعب الأمريكي وأمام العالم أجمع بالضعف والهوان، وهو أمر سيلحق أضراراً كبيرة بمستقبل الرئيس بوش وإدارته، كما أنه سوف يسيء إلى مستقبل الهيمنة الأمريكية على العالم. وقد ظن الذين خططوا ونفذوا الحرب على العراق أن هذه الحرب ستكون مجرد نزهة نظراً لما كان عليه العراق من ضعف بسبب سنوات الحصار الأمريكي الدولي الطويلة، وأنها ستعود بالفائدة العميمة على الولايات المتحدة، إذ إن إمكانيات العراق النفطية وغير النفطية ستوضع في متناول اليد الأمريكية التي يمكن أن تستخدمها في ضمان تفوقها على دول العالم. لكن ما غاب عن بال هؤلاء المخططين هو موضوع المقاومة، فلم يكن يتخيل أحد في الولايات المتحدة أن الشعب العراقي سيصمد وسيقاتل بهذا الشكل، بل كانت هناك قناعة بأن حلفاء الولايات المتحدة في العراق سيتمكنون بمساعدة الجيش الأمريكي من بسط نفوذهم على العراق، ومن تحقيق الاستقرار فيه بسرعة. لكن المقاومة العراقية بددت هذه الأحلام وبدأت تلحق أضراراً فادحة بجيوش الاحتلال. فلا يكاد يمرّ يوم منذ سقوط بغداد في عام ،2003 دون أن يسقط العديد من الجنود الأمريكيين بين قتيل وجريح بالإضافة إلى تدمير الآليات وإسقاط الطائرات.
وإزاء تصاعد الخسائر وانعدام الأمل في القضاء على المقاومة وانهيار المشروع السياسي في العراق بسبب قيامه على أسس طائفية وعرقية، بدأت الولايات المتحدة تبحث عن حلول لخلاصها من المستنقع العراقي. وتمثل لها أن أفضل الحلول هو سحب الجزء الأكبر من جيشها من هناك مع الإبقاء على قواعد دائمة يرابط فيها نحو 30 ألف جندي ومجموعة كبيرة من الطائرات، والاعتماد على الجيش العراقي الجديد وعلى الشرطة العراقية في تثبيت الأمن في المدن، وإذا حدثت مقاومة عنيفة في مدينة معينة عند ذلك تتدخل القوات والطائرات الأمريكية وتساعد القوات العراقية في القضاء على تلك المقاومة.
ومن هنا قررت الولايات المتحدة البدء بتخفيض عدد قواتها في العراق البالغة نحو 150 ألف جندي هذا العام وسحب معظمها مع حلول عام ،2007 لكن هذا الحل لا يخدم مستقبل الهيمنة الأمريكية على المنطقة، لأن الانسحاب الأمريكي من العراق قبل إنجاز المهمة وتحقيق الاستقرار والقضاء على المقاومة العراقية سوف يعتبر انتصاراً لهذه المقاومة التي ستجد الفرصة مناسبة لشغل الفراغ الذي سيتركه الجيش الأمريكي لأن الجيش العراقي الجديد أثبت أنه عاجز عن تحقيق الاستقرار لأنه غير مجهز بالأسلحة الكافية ولاسيما الثقيلة منها.
ويبقى السبب الأهم هو ضعف الولاء وإحساس معظم هؤلاء الجنود أنهم يخدمون المخطط الأمريكي الرامي إلى استعمار العراق. وهكذا، فإن الدولة العراقية الجديدة ستنهار من تلقاء ذاتها، بمجرد بدء الانسحاب الأمريكي لغياب القوة التي يمكن أن تحمي وجودها واستمرارها. ولن ينفع الولايات المتحدة إقامة قواعد عسكرية في العراق وإبقاء جنود فيها لأن هؤلاء الجنود سيجدون أنفسهم مضطرين من جديد لخوض قتال شوارع وحرب عصابات مع المقاومة العراقية. وهذا ما تسعى الولايات المتحدة إلى تفاديه لما يسبب لها من خسائر فادحة. والواقع أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق ألحق أضراراً بالغة بالولايات المتحدة وبالغرب كله، فقد انكشفت القوة الأمريكية والغربية أمام العالم، وتبيّن أن هذه القوة هي مجرد وهم، خاصة أن القوة الأمريكية هي القوة الأساسية في الغرب كله. فالدول الغربية الأخرى لا تملك قوات عسكرية تقليدية على شاكلة القوات الأمريكية، لأن هذه الدول ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام ،1945 خضعت للهيمنة الأمريكية وأصبحت خلال سنوات الحرب الباردة محمية بالمظلة العسكرية الأمريكية، وحتى لو فكرت هذه الدول في بناء جيوش جديدة، فإنها لن تفلح في ذلك، لأن التخمة التي تعيشها شعوبها جعلتها تبتعد عن الانخراط بالجيش. كما أن هذه التخمة أدّت إلى الإقلال من المواليد، حتى أن دولة مثل فرنسا ظل عدد سكانها 50 مليون نسمة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو الآن يتجه إلى الانخفاض. وبالتالي، فإن دول أوروبا لن يكون لديها القدرة على إعداد الجيوش كما كانت عليه الحال في بدايات القرن الماضي. ولن تستطيع هذه الدول إثبات وجودها في الميدان العسكري العالمي.
ويبدو العجز الغربي في التعامل مع إيران أكبر دليل على أن شمس القوة الغربية آيلة إلى الأفول، وكأن الحرب على العراق كانت رصاصة الرحمة على تفوّق الولايات المتحدة والغرب والشمس التي تحرق وقودها ومخزونها الحضاري والاقتصادي والإنساني. وهنا يتأكد قول الفلاسفة إن الحضارات ككل كائن حي تولد وتشب وتهرم وتشيخ وتموت وتمرّ بمراحل وحقب منها الحقبة المثالية، والتشاؤمية الشرسة، حينما تبدأ في رحم الأم وتنتهي إلى رحم الأرض. وحين نتوقف عند حضارة الغرب ونقارن بينها وبين إمبراطوريات عظمى توفرت لها العوامل الاقتصادية والبشرية، ثم عادت إلى المرحلة التشاؤمية لتلفظ أنفاسها ويدبّ فيها الانحلال والدمار لتفسح الطريق نحو إمبراطورية جديدة، ونرى أن تلك هي سُنّة الحياة وإرادة الله في خلقه ولن تجد لسُنّة الله تبديلاً
الدار العراقية
30/1/2006
الحرب على العراق وزوال قوة شمس الغرب -- محمد خليفة
