شهد الشهر المنصرم من العام الجاري حراكا شعبيا في تونس ومصر ولم يكن الفارق بينهما سوى أسبوعين ففي تونس
أصر المتظاهرون على تنحية (بن علي) وهو الذي تدرع بالغرب ونذر نفسه كخط دفاع أول للدفاع عن مصالحه ومع هذا لم يفده أمام إرادة الشعوب بالحياة الحرة الكريمة، شاب يشعل النار في نفسه احتجاجا على ظلم الطغاة فتشتعل الأرض التونسية من أقصاها إلى أقصاها ويكون شعبها على قلب رجل واحد على الرغم من تغذية نظام بن علي الحساسيات السياسية والحزبية فيها لعقود ولكن ما نسجه الظالمون تلاشى ولم يعد له وزن يذكر أمام ثقل التحرك الحقيقي الذي قادته منظمات المجتمع المدني تلك المنظمات والاتحادات التي تنتمي للشعب ولفئات الشعب لا إلى مركز السلطة والسيادة فتنتظر الموقف الحكومي لتنسج على منواله كما يحدث في عراقنا الجريح ، والثاني : تحرك شعب مصر، ارض الكنانة، شيبا وشبابا ، نساء وأطفالا رجالا ونساء مسلمين ومسيحين مطالبين بمطلب واحد ألا وهو التغيير وتنفس هواء الحرية الصافي ، هذا الحراك الذي بدأ بالفيس بوك وانتهى ثورة عارمة هزت عرش مصر.
ما نريد الإشارة إليه هو ذات الأمر الذي كان موضوع الافتتاحية السابقة (تونس ... درس التخلي عن العملاء) فالدرس واحد فهل الشعوب تفهم درس تونس كما فهمه الحكام والمتسلطون الذين ينتمون للاحتلال ويرتبطون به وجودا وعدما فراحوا يحصنون أنفسهم من ثورة الجماهير.
هذا الدرس لا يمكن تطبيقه من دون الأسباب التي تقود إليه وهي منظمات المجتمع المدني والتثقيف الصحيح والوعي بإمكانية تطبيق المطالب الشعبية في الحياة الحرة الكريمة والصبر والمطاولة عليها .
أما آن الأوان أن نفهم إن من جاء مع المحتل لن يبني بلدا، أما آن الأوان أن نعي أن ادعاء التمثيل والحماية من عدو وهمي تارة بتهويل عدو وهمي وأخرى بالتخويف الأجوف من العودة إلى الوراء محض خيال وهمي.
الفرق بين ما يحدث اليوم عند الشعوب العربية التي كان يلوك أصحاب التغيير تحت العباءة الاحتلالية وبين ما حدث في العراق ويحدث منذ 2003 شاسع لا يمكن القياس بينهما فاليوم تحرك شعبي وقوة حقيقية وهناك كان احتلال وقوة إرهاب استقدمهم المحتل ليكونوا بيادق عمليته الشوهاء المسماة جزافا سياسية ، اليوم الشعوب تقرر وتحكم نفسها وتتنفس بصدق حرية التعبير وحرية التفكير وانتقاء القيادة وفي العرق منذ مما يقرب من الثمان سنوات قتل وتشريد وبطالة وسرقة ونهب وقائمة الفوارق تطول وتطول .
ففي العراق يذبحون باسم الحرية ويستكبرون باسم الديمقراطية ويستفردون باسم الانتخابات المزورة ويعتقلون باسم مكافحة (الإرهاب) ويكممون الأفواه باسم التحريض وغير ذلك من الممارسات وفوق هذا وذاك يستقون بدعم المحتل لهم.
بقي أن نقول أما آن لهذا الليل السكوتي أن ينجلي فالعراقيون الأصلاء وفي مقدمتهم القوى الرافضة للاحتلال لا يعترفون بالعملية السياسية الجارية تحت الاحتلال ولا يرضون بالحلول النصفية او الترقيعية لاسيما وقد أثبتت الأيام صدق رؤيتهم وحصافة تفكيرهم وحلولهم.
الحراك الاحتلالي اليوم يتجه الى اتجاهين يمكن قراءتهما بأنهما الملخص الحتمي للحراك الاحتلالي في العراق منذ 2003 والى اليوم وهما الاستحواذ على السلطة باسم المحكمة الدستورية بـ ((ربط الهيئات (المستقلة) بمجلس الوزراء مباشرة)) ، وجمع السلطات كلها بيد من كتب الدستور الملغم ، والثاني الدعوات الفارغة الجوفاء التي يطلقها الفاشلون في محاولة خرقاء لتقاسم الكعكة العراقية على الطريقة الإقليمية بإقامة إقليم لمكون معين .
وكلا الاتجاهين يصبان في مصلحة المحتل وليس أي مكون آخر فالأول الذي يريد استجماع السلطة بيد من حديد بعد الادعاء بالديمقراطية وتداول السلطة يصب في مصلحة الاحتلال بعدم تعدد الأطراف وهو الذي تعهد ببقائهم ووقع على اتفاقياتهم المذلة ، والثاني يصب في المشروع الاحتلالي الذي جاء به المحتل بتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ وتحويل العراق إلى كانتونات طائفية تحكمها إقطاعيات سياسية ولا فرق عند المحتل أن يمثل هذه الإقطاعيات بيوتات معروفة بالعمالة او مؤسسات منخرطة بمشروع المحتل أو أحزاب فاشلة تريد أن يكون لها قطعة من فلاة تمارس فيها ساديتها وأفكارها الهرئة.
تحرر الشعوب... والاستئثار بالسلطة ...كلمة البصائر
