يقال ان الحاجة ام الاختراع، ومن هذا المنطلق وعلى هذا الاساس نجد ان الكثير من المخترعات والانجازات
بل حتى المصطلحات والكلمات المستحدثة سواء كانت علمية او اقتصادية او سياسية او اجتماعية قد ولدت نتيجة وجود الحاجة اليها لضمان استمرار الحياة البشرية وتقدمها وتطورها وضمان امكانية التفاهم واستيعاب الافكار والمعلومات، وهكذا وعلى مر التاريخ قديمه واوسطه وحديثه نلمس التطور التاريخي للتشكل الحضاري للامم والبلدان يرافقه تطور العديد من المصطلحات والنظم، وبهذا الاسلوب تشكلت البلدان وظهر مصطلح الدولة تبعه للحاجة الادارية والتنظيمية مصطلح (الحكومة)، ولغرض تنظيم العلاقة بين المجتمعات وحكوماتها سنت القوانين والشرائع التي تحكم الجميع وفق خطوط عامة وهو ما عرف (بالدستور)، ومع استمرار التطور واستمرار المخاطر والتهديدات العسكرية او السياسية او الاقتصادية التي قد تتعرض لها الدول والشعوب والكيانات الصغيرة ظهرت الحاجة الى التكتلات والتجمعات التي تجمع عدداً من الدول او التجمعات السكانية للمحافظة على امكانية استمرارها وتفاعلها مع هذا الكم المتلاطم من الدول الكبرى والاحلاف الساعية الى تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية مستخدمة قوتها العسكرية تارة والاقتصادية تارة اخرى وربما تأثيرها السياسي على حساب الدول والشعوب والكيانات الاضعف وهذا ما نشأ عنه الاستعمار القديم والحديث بمختلف صيغه وآلياته، ومع وعي الشعوب وحيوتها نجحت في استخلاص حقوقها ونيل استقلالها لكن حاجتها بقيت قائمة الى عناصر قوة قد لا تكون متوفرة في بلدانها الصغيرة فراحت تبحث عن فكرة للتكامل او التواصل مع غيرها من الكيانات لتوفير المزيد من عناصر القوة الاقتصادية او العسكرية او السياسية وهكذا نشأت التكتلات الاقتصادية المشتركة ونشات التكتلات السياسية المشتركة فظهر مصطلح (السوق المشتركة) وظهر مصطلح (الفدرالية)، وعلى العكس من ذلك فان دولاً كبيرة مترامية الاطراف متعددة الاعراق والاجناس يصعب ادارتها واستمرار خطط التنمية فيها من خلال حكومات مركزية لوحدها وجدت في الفدرالية آلية ناجحة للادارة تضمن التنمية والحفاظ على وحدة الاقاليم مع بعضها في آن واحد.
وهكذا نشأت الفدراليات الكبيرة وتحولت الى قوى كبرى في هذا العالم، ولقد سعت الكثير من الكيانات الصغيرة وفق هذا المنظور لتحقيق نوع من انواع الوحدة فيما بينها دون ان تلغي خصوصياتها من خلال الفدرالية والامثلة على ذلك كثيرة. غير ان قوى التسلط والاستعمار في العالم ومن ورائها قوى التأثير الصهيوني التي وجدت في الانسجام مع المطامع الاستعمارية والتسلط على شعوب الارض والهيمنة على مقدراتها اهدافاً مشتركة تخدم اطماعها وايديولوجيتها لم نستسلم لما انتزعته الشعوب بكفاحها المسلح من حقوق فغيرت من تكتيكاتها وخططها واساليب عملها في استعادة نفوذها وهيمنتها على هذه الشعوب مستغلة كل الفرص السانحة واختلال التوازن في العالم والقوة العسكرية والاقتصادية القاهرة للعمل على فرض واقع من التفتيت والشرذمة يمنع قيام كيانات كبيرة ومنافسة لها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً او مانعاً لهيمنتها وسرقتها لثروات الشعوب واحتكارها لاسواقها، ومثلما استخدمت قوى الظلم في العالم شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان ذرائع للاطاحة بالانظمة الوطنية وكل الانظمة المناهضة للاستعمار والتسلط لجأت الى استخدام الدستور وما يثبت فيه من مواد مبطنة واستخدام الفدرالية والتفسيرات المغرضة لها في خططها لتدمير الدول وتجزئتها وتقسيم شعوبها، ولسوء حظ العراقيين كان العراق البلد الاول الذي خطط الغرب بزعامة الولايات المتحدة ووفق الرؤية الصهيونية لتقسيمه وانهاء دولته تحت شعار الفدرالية، كما تم احكام هذا المخطط عن طريق تثبيت مواد في الدستور المشبوه تيسر ان لم تحتم العمل وفق هذا المنهج وباسلوب لا يمكن تصحيحه او تعديله او الغاؤه، وقد انسجم هذا كله مع الاحلام المريضة لخونة العراق الذين تربوا في احضان الاحتلال الامريكي والايراني ومن سانده في غزو العراق واستباحته، فوجدوا فيه الفرصة التي لا يمكن تفويتها للانتقام من البلد والشعب والحصول على الغنائم والمكاسب ونهب الثروات، وكانت قيادات الاحزاب الكردية قد سبقت الجميع قبل الاحتلال رغم اتفاقها مع اتباع ايران على السير بموازاتهم في هذا المنهج سبقتهم قبل الاحتلال الى تكريس وضع الانفصال شمال العراق واثقة ان ذلك الامر سيكون واقعاً ضمن التشريع الدستوري الذي سوف يثبت بعد الاحتلال، وتم بمساعدة الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة فرض واقع قسري لانفصال شمال العراق خلال فترة الحصار وحتى الغزو الامريكي للعراق، ولقد تمكنت الاحزاب الكردية بمساعدة اسيادها الامريكان والصهاينة من تعزيز قوتهم على الارض وتسليح (البيش مركه) حتى اذا ما دخل الاحتلال قاموا بمد نفوذهم بالقوة الى مناطق خارج المحافظات الكردية يطمعون في ضمها الى ما سمي اقليم كردستان ثم ما لبثوا ان رفعوا شعارات تقرير المصير وحقهم في انشاء دولتهم اذا ما سنحت لهم الفرصة، واذا كان موضوع الفدرالية الكردية يخدم مطامح القيادات الكردية الا انها لا تكفي لانجاز المخطط الامريكي الصهيوني الايراني في تدمير العراق وتفكيك المنطقة واعادة رسم خريطتها ما لم تدخل اطراف اخرى في جنوب ووسط العراق في قافلة الفدرالية لاستكمال عملية شرذمة العراق.
واذا كانت الدساتير في العالم تعد ضمانة حقوق الشعوب ووحدتها وسلامة اراضيها وثرواتها فان الدستور تحت الاحتلال قد صمم لهدر حقوق العراقيين وتسهيل تقسيمهم وتبرير القتل والاعتقال واشاعة الفوضى كما ضُمّن مواد يستحيل معها التعديل او الالغاء، وهكذا كان دستور العراق تحت الاحتلال كلمة حق اريد بها باطل، فأنشأت دكتاتورية طائفية تحت شعار الديمقراطية والاغلبية ورفعت الشعارات الطائفية تحت دعوى الحرية الدينية، وقسم الشعب الى طوائف وملل ونحل طائفياً وعرقياً تحت دعوى التعدد وحقوق الاقليات وحقوق المكونات ولقد تزامن كل ذلك مع مخطط اجرامي نشطت فيه عصابات الجريمة السياسية التي تقودها المخابرات الامريكية والايرانية والصهيونية للفتك بشرائح مختلفة من الشعب الرافض للاحتلال واشاعة روح الطائفية والاقتتال بين ابناء الشعب لتمهد الساحة وتجعلها اكثر قبولاً لاحتمالات التقسيم تحت شعار الفدرالية. ومع ان الشعب العراقي قد اظهر من الوعي ما يرجح افشال مخطط التقسيم الا ان الاحتلال الامريكي والايراني لم ييأس ومازال مؤملاً في نجاح مخطط التقسيم كما ان عملاءه ما زالوا يحلمون بإمارات ودويلات يكونون على رأسها ويستحوذون على ثرواتها ولقد جرب احد عرابي الفدرالية حظه العاثر في مدينة البصرة اغنى مدن العراق حالماً بأن ينصب ملكاً عليها وينعم بثرواتها وتعكز على الدستور بعد ان هزم في الانتخابات ولم يحصل حتى على (100) صوت، فعمل وفق الدستور على جمع تواقيع السكان وكانت الضربة القاضية له ولاحلامه واحلام غيره من متسولي فدرالية الجنوب حيث لم يتمكن من الحصول على الحد الادنى المطلوب من التواقيع ولطم على انفه وعاد الى جحره لكنه مازال يُنظر لفكرته ويتحين الفرص للانقضاض على الفريسة.
ويبدو ان هذا المثال اعجب الكثير من المفلسين في الانتخابات فانتقلت العدوى الى الطرف الآخر، وبعد ان افلس احد ديناصوراته المنقرضة من كراسي مجلس النواب ومن اي موقع في الحكومة اعجبه ان يجرب حظه في خوض حملة فدرالية غرب العراق عله يحظى بامارة تليق بسدارة الرأس التي يلبسها على سياق ملوك العراق السابقين.
ودونما خجل راح يطرح فكرته ويتعكز هو الآخر على الدستور وتحت شعارات حماية الطائفة وان هذه الفدرالية التي يسعى لها ستكون حصن الطائفة الحصين ونسي هذا الدعي انه لم يستطع حماية نفسه واولاده من سطوة شركائه عملاء ايران، لقد استغل هذا الدعي الوضع المرتبك في الانبار وتعدد مراكز القوى والصراعات العشائرية ليطرح مشروعه، ومع علمنا ان هذا المشروع تقف وراءه القيادات الكردية والقيادات الموالية لايران للإيحاء بأن الفدراليات في العراق مطلب عام لكل مكونات الشعب العراقي متزامنة مع التهديدات التي يتعرض لها مسيحيو العراق تمهيداً لمطالبتهم بفدرالية خاصة بهم ربما نسمع بعدها بفدرالية لليزيدية والشبك والتركمان وغيرهم من نسيج الشعب العراقي.
وكما فوجئ عراب فدرالية البصرة بالفشل الذريع الذي لقيه مشروعه المشبوه لطم عراب فدرالية الانبار على فمه وانفه من خلال الرفض العام لاهل الانبار لهذه الفكرة الخسيسة. ويبقى الامل في شرفاء العراق من مختلف اطيافه وطوائفه وقومياته في حماية بلدهم حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً.
الدستور والفدرالية.. كلمة حق أريد بها باطل...كامل العبيدي
