تجسدت عندي بثبات وكررت قولها في نفسي ولمن تحدث معي مئات المرات، خلال الأيام القليلة التي مضت، تلك هي الحكمة التي تقول: \'ربَّ ضارة نافعة\'، والتي استذكرتها بسبب نشاط قلة من الشخوص المنتفعين والقابضين في ترويجهم لمشروع الإقليم الطائفي الخبيث،
وطريقة لفِّهم ودورانهم في الطرح والحديث مع شخوص ورجالات جاليتنا هنا أو هناك في الخارج والداخل، من دون كلل وبإلحاح مستميت، وتوسعهم السريع في تحولهم بالطرح من مستوى إقليم لمحافظة الانبار ليتعداها إلى إقليم طائفي للمحافظات الأخرى ذات الكثافة السنية الغالبة، أثارت هذه الحملة في النفس والفكر حالة من القلق والإحباط والأرق، يشهد الله أنها فريدة من نوعها لا ترقى إليها حالات الانزعاج والقلق التي نتعرض لها جميعا بشكل معتاد في مسيرة حياتنا الزاخرة بالهموم والأحداث والنكبات.
أسباب عديدة دعتني إلى القلق، منها أن جميع الأشخاص، الذين تبنوا الترويج للمشروع كانوا، إما شخصيات سياسية فاشلة أو هرمة تسعى للتشبث بشيء يلفت أنظار الناس إليها، بعد أن تهاوت، أو أنها شخصيات ساذجة، واضحٌ أنها مكلفة بدور أكبر من حجمها، لقاء ثمن وإغراء كبيرين يتناسبان مع ما بذلته من جهد ومحاولات واتصالات، وبإصرار على المفاتحة والترويج من دون خجل.
ومع أن طريقة طرحهم ولفهم وضبابيتهم وفقدانهم منطقية النقاش والإقناع كانت تكشف أنهم أناس مكلفون بدور مدفوع الثمن، لا عن قناعة في المشروع، ولا عن دراية وإدراك بحجم الخطيئة والجريمة والخيانة التي تتضمنها أبعاد مشروعهم الذي يروجون له، تحت طائلة الدراسة والمناقشة للوصول إلى قرار حوله.
ما يقلق أكثر كانت خلفية وطبيعة علاقة هؤلاء المروجين بأشخاص وتجمعات محدودة، وبتشجيع من كتل وأحزاب سياسية في الساحة السياسية العراقية بعد الغزو، التي تجتهد منذ سنوات للتسلق والتشبث بالسلطة والجاه والمناصب والمنافع بكل وسيلة وحيلة، والتي بان بشكل واضح مؤخراً طموحها اللامشروع هذا بمعايير الوطنية والقيم والنهج السليم.
بسبب كل هذه الملاحظات وأنا أدرك وأعرف عمق ردود فعلي وتشنجي وانفعالي وتألمي وبكائي وقلقي على أول وآخر وأعز ثوابت الوطنية تمسكا عندي وعند الغيارى، وهي وحدة التراب والكيان الوطني، كانت شكيمتي في الرد والمجابهة قوية بخطاب صريح ومعلن. ربما كان المألوف عني عقيدة ونهجا وكتابة في التحدي وجلد الذات نابع عن ثقة غير محدودة بردة فعل أهلنا وشعبنا، خصوصا في محافظة الأنبار وأهلها، الذين قدموا الكثير من التضحيات والمواقف لهذا التراب العراقي في مواضع الفعل والامتحان، حينما تتفاقم المحن والنوائب، على مرور الزمن الطويل بما لا ينكره عراقي واحد عليها وعليهم، مع أن التاريخ في مسيرته لا يخلو من هفوات وهنات في المواقف والنتائج، التي قد يختلف على تقييمها هذا وذاك، لكنها لا يمكن أن تصل إلى مستوى الانحدار والسقوط الذي ليس بعده سقوط حين تتحدث ثلة منتفعة انتهازية عن تنصل أو محاولة تقسيم أو انفصال لمحافظة الأنبار أو أهل السنة فيها، أو في محافظات أخرى عن هذا العراق الواحد الأشم، وعن عاصمة الخلافة الإسلامية فيه، والذي تشكل الأنبار، خاصرته وخزينه المائي وطاقته وبعده التعبوي وامتداده الجغرافي بهويته، وأمته العربية الممتدة بفضل الله ثم قوة عقيدتها وتماسكها وتسامحها وقيمها وشجاعتها.
بعد أن حلَّت الضارة وضاقت النفوس بفعل هذه الشخصيات الضالة جاءت النافعة على إثر ما نبهنا إليه مع أخوة ورفاق أفاضل متمثلة بوقفة رافضة مستنكرة وشجاعة وحازمة من أهلنا في الأنبار، من شيوخ عشائر وأعيان حكماء وساسة ثقاة ومراجع إفتاء مجمع عليها، وهيئة علماء المسلمين وقانون وإعلام ومسؤولين وإداريين ووزراء لاحقين وسابقين ونواب وقادة أحزاب وكتل وتجمعات ونقابات وأكاديميين وعلماء اختصاصيين ومتخصصين ومهنيين ومزارعين وخبراء وتجار ورجال أعمال وقادة وضباط وعمال وفلاحين، وأخوات وأمهات ماجدات، شباباً وشيوخاً، من عموم المحافظة على امتدادها الجغرافي الواسع، مركزاً وأقضية ونواحي وقرىً وأريافاً، مؤكدة على الرفض والتنديد والشجب والتنكيل والتهديد والوعيد والتبرؤ من دعاة هذه الفكرة الضالة المرتدة والخائنة والوقوف بحزم لثنيها ومحاسبتها، بل ومحاكمتها والقصاص من المعتدين والمتمسكين بها، حتى يتم استئصالها من جذرها وقمع الفتنة من أساسها واستئصال التفكير بها حاضرا ومستقبلاً.
هذه الوقفة الوطنية الجماهيرية الواسعة والبارزة والشامخة ضد دعوة الأقلمة والتقسيم بأي ذريعة كانت، كان لي ولإخوتي الأفاضل الذين جندوا أنفسهم للوقوف إعلاميا بالضد منها، منذ افتضاح أمرها، نتلمسها اليوم من خلال ما ينشر من مقالات ودراسات وردود فعل غاضبة واجتماعات، توَّجها اجتماع شيوخ عشائر الأنبار في المحافظة قبل يومين برد حازم وطني شجاع، ناهيك عن رغبة جامحة لجماعة كبيرة من أبناء المحافظة في التظاهر للتعبير عن رفضها الشامل، لولا إصرار وحكمة وحرص الشيوخ والأعيان على إيقافها والحفاظ على أرواح المواطنين في ظل الظروف الأمنية الحالية القاهرة السائدة .
نعم 'ربَّ ضارّة نافعة' ألمسها بانفتاح النفس وانبعاث الأمل وتبدد اليأس وانكفاء الإحباط ودموع الفرح وابتسامة الوعي، من خلال هذه الوقفة الحازمة لعموم أهلنا في الأنبار، ومشاركة أهلنا على اتساع أرض العراق الواحد من جميع المحافظات، ومن خارج العراق، بالإسناد ووحدة الرأي والتمسك بوحدة الوطن المنكوب اليوم بفعل المحتلين وخبث المتربصين الطامعين والحاقدين للنيل من شعبه ووحدته واستقلاله وسيادته وهويته، لكنهم بعون الله سيفشلون وسيبقى العراق موحداً قوياً كما عهدناه.
شكراً لأهلنا وشعبنا في الأنبار والعراق، شكراً لكل الذين شجعونا وساندونا، شكراً للذين اعتذروا وأبدوا أسفهم عما بدر عن جهل أو قناعة، وشكراً لمن سيعتذر، شكراً لشيوخ العشائر والأعيان، شكراً للعلماء والساسة، شكراً للأحزاب والكتل والتنظيمات والنواب والمسؤولين المحليين الرافضين للتقسيم، شكراً للإعلاميين وللمفكرين والمتخصصين، شكراً للصحف والفضائيات ومواقع النشر ووسائل الإعلام، شكراً للرسائل والهواتف واللقاءات والاجتماعات والبيانات، شكراً للمنظمات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان العراقية، شكراً لكتابنا ومفكرينا وإعلامييِنا العرب، شكراً لكل العرب شعوبا وحكومات الذين وقفوا الى جانب الدعوة والدفاع عن وحدة العراق وأسهموا في استضافة واحتواء ورعاية أبنائه ومهجريه لحين أن يكتب الله التحرير والأمان للعراق الشامخ والعودة إليه آمنين مطمئنين محررين.. آمين
* كاتب عراقي
الهيئة نت
مشروع الإقليم الطائفي وأهلنا في العراق والأنبار ...... د. عمر الكبيسي*
