هيئة علماء المسلمين في العراق

لا (تسانومي) ولا (زلزال)... إنها إرادة الفلسطينيين فإحترموها -- د.أكــــرم المشهداني
لا (تسانومي) ولا (زلزال)... إنها إرادة الفلسطينيين فإحترموها -- د.أكــــرم المشهداني لا (تسانومي) ولا (زلزال)... إنها إرادة الفلسطينيين فإحترموها -- د.أكــــرم المشهداني

لا (تسانومي) ولا (زلزال)... إنها إرادة الفلسطينيين فإحترموها -- د.أكــــرم المشهداني

حققت حركة (حماس) فوزا كاسحا في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية يوم 25 يناير الجاري وصفه البعض من وجهة نظرهم بالمفاجأة وآخرون أطلقوا عليه تسمية (زلزال) وآخرون إبتدعوا للنصر الحماسي تسمية (تسانومي فلسطيني)، ومع عدم الإتفاق مع إختيار هذه التسميات 29-01-2006



التي ربما تعبر عن الغيض والإمتعاض من فوز الحركة الإسلامية في إنتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية لم يعرف لها الوطن العربي مثيلا، ذلك لأن (الزلزال) و(الهزة الأرضية) و (التسانومي) كلها كوارث تسبب مصائب وفواجع وآلام.. فهل يجوز إعتبار فوز (حماس) بأنه كارثة... كارثة لمن؟ بلا شك إن أول من أغاضته النتيجة وهزت كيانه هو الكيان الصهيوني، والذي وصل الأمر به إلى حد التهديد بمقاطعة التفاوض مع أي حكومة ترأسها حماس وعدم الإعتراف بها (ترى متى كانت إسرائيل تضفي المشروعبة على الأنظمة وتسحبها؟).. ووصل الأمر إلى أن نائبا في الكنيست الصهيوني دعا إلى (تصفية جسدية عاجلة) لجميع أعضاء التشريعي من حماس وفي مقدمتهم هنية والزهار!.. ووصف رئيس تحرير (معاريف) الإسرائيلية آمنون دانكنر فوز حماس بأنه (زلزال) ليس في إسرائيل وفلسطين فحسب بل في منطقة الشرق الأوسط برمتها. وقال نتنياهو (لقد قامت دولة حماستان!) في إشارة لطالبان!...
  وفي الوقت الذي تراوحت ردود الفعل مابين مرحب ومترقب ومابين متشكك وخائف وغاضب، وأول الغاضبين هو الكيان الصهيوني، الذي أعلن رئيس حكومته بالنيابة أن حكومة فلسطينية ترأسها حماس لن تكون شريكا في المفاوضات معنا!!، وكانت الإدارة الأمريكية قد تعاملت مع الحدث بنفاقية إزدواجية واضحة، ففي البدء صرحوا أنهم لايمانعون من فوز حماس شريطة تخليها عن العنف والإرهاب وأن تعترف بوجود إسرائيل!! وكان التصريح الفرنسي هو الآخر ممالئا لتل أبيب، ولكن الألمان كانوا أكثر واقعية وحذرا بالقول أنهم سوف يراقبون ويحكمون!.. ولكن الموقف الأمريكي تغيرّ نوعا ما إذ أعلنت الإدارة الأمريكية عزمها إعادة النظر في كل جوانب مساعداتها للفلسطينيين، وفي هذا بلاشك إهانة للشعب الفلسطيني الذي إختار بإرادته الحرة الديمقراطية من يراهم الأصلح لحكمه وتمثيله، ولاشك أن (التلويح الأمريكي بقطع المساعدات) يؤكد الشكوك المعززة في العالم العربي من مدى مصداقية وحرص الإدارة الأمريكية على عملية الإصلاح الديمقراطي في الوطن العربي التي ماإنفكت تدعي بها. وهي تريد كعهدها أن تستخدم (المساعدات الإقتصادية) وسيلة ضغط لفرض إرادتها النابعة من الحرص على مصالح الكيان الصهيوني.
  ترى هل أن الإدارة ألأمريكية حريصة فعلا على نشر الديمقراطية الحقيقية في الشرق الأوسط والوطن العربي؟ وهل أن أمريكا مستعدة لتقبل نتائج الديمقراطية الشعبية إذا ماأتت بقوى لاتحبها أمريكا وإسرائيل؟ وأتذكر أنه في مؤتمر صحفي عقده السفير الأمريكي بالقاهرة قبل عامين سأله أحد الصحافيين: (هل إنكم مستعدون لتحمل نتائج ديمقراطية حقيقية في الشرق الأوسط وماذا إذا أفضت الإنتخابات إلى قيام نظم منتخبة غير مذعنة للولايات المتحدة؟).. فأجاب السفير بجواب فيه إلتفاف قائلا: (لكن هذه الحالة موجودة أمامنا في كل أنحاء العالم، فهناك حكومات ديمقراطية ومنتخبة تختلف معنا في كل شيء، بدءاً من الأغذية المعدّلة وراثياً وتجارة الموز ووصولاً إلى مسألة المحتجزين في غوانتينامو لكننا لا نفعل حيال ذلك أي شيء سوى الانخراط معهم في النقاش!!). قد يكون هناك منهجاً أميركياً آخر ربما يقول:سوف نعمل ونتعاون مع أي نظام حكم يتولد عن انتخابات ديمقراطية مهما كانت ماهيته· غير أن التجربة التي حصلت في أماكن محددة ومنها تجربتا الجزائر وتركيا في العقد الأخير من القرن 20 توحي بخلاف ذلك، وتنبئ برفض الأمر من جهة الكونغرس والدوائر السياسية في واشنطن وكذلك من جهة قطاع كبير من الجمهور الأميركي الخاضع للتأثير اليهودي، أياً تكن ماهية الإدارة التي تتولى زمام الحكم في واشنطن، وسبب ذلك أن تلك الجهات كلها لن تتحمل وجود سياسات لدى البلدان الأخرى من شأنها أن تكوّن بوضوح تهديداً للمصالح الأميركية الأساسية ومصالح حلفائها الإستراتيجيين وبخاصة الكيان الصهيوني.·
  ربما كان فوز حماس مفاجئا للبعض في داخل السلطة الفلسطينية المتخمة بشبهات الفساد وتقصيرها في ضبط الأمن الداخلي وإستشراء المظاهر المسلحة وغيرها من السلبيات التي عانت منها الاراضي الفلسطينية طوال العامين الماضيين، لكن العارفين قرأوا من خلال إكتساح حماس للأنتخابات البلدية قبل عام مؤشرا واقعيا على أن (حماس قادمة بقوة).
  أما (بعض) العرب المتوجسين خيفة من فوز حماس فعليهم أن يدركوا حق اليقين أن الإنتخابات الفلسطينية الأخيرة هي أكثر الإنتخابات العربية نزاهة وشفافية وحرية، وتصلح لأن تكون نموذجا يقتدى به في سائر أقطار الوطن العربي المحرومة من الديمقراطية الحقة وكما قيل فإن إنتخابات فلسطين لو أجريت في أي بلد عربي آخر لقلبت الأمور رأسا على عقب وجاءت بما لاتشتهيه سفن الحاكمين والقوى المتسلطة!!.
  الحقيقة أنه مورست ضغوط كثيرة خارجية وداخلية على شخص الرئيس محمود عباس لتأجيل الإنتخابات لكن الرجل سجل موقفا متميزا برفضه أية محاولة للتأجيل أو الإلغاء، لقد فاجأ الفلسيطنيون العالم بإنضباطهم وحسهم الوطني، في إنتخابات نزيهة نظيفة، تحسدهم عليها حتى السويد وسويسرة، ولاشك أن مثل هذا الإنضباط يبشر بتأسيس عملية ديمقراطية فاعلة وبناءة.. ومثل هذا الإنضباط الفريد بالتأكيد سوف يؤسس لمؤسسات مستقلة، وحياة سياسية فلسطينية تقوم على المشروعية والتعددية وإحترام إرادة الناخبين أصحاب الشرعية والقرار.
  ليعرف الجميع إن زمن التغيير قادم وسيشمل المنطقة كلها شاء البعض أم أبى، والعرب الذين شبعوا إذلالا من الإدارة الأمريكية ومن إسرائيل ومن إدارات خانعة... آن لهم أن يقولوا (لا) للغطرسة الأمريكية و (لا) للموالاة البائسة الذليلة لها، ويبدو أن الساحة الفلسطينية، معلمة النضال والمواقف لكل العرب أبت إلا أن تكون البداية نيابة عن الأمة كلها.
  ولئن كان فوز حماس هو (زلزال) أو (تسانومي) او (كارثة) ... فإنه في الحقيقة كارثة على من يخافون الديمقراطية والحرية.. إن فوز حماس ماهو إلا نتيجة طبيعية لحركة مجاهدة قدمت الألآف من الشهداء وآمنت بعدالة قضيتها وضحت في سبيلها.. فإتركوها تنطلق في فضاء الديمقراطية والمسؤولية، وسترون ماتفعله حماس وقيّموها على أساس الأفعال لا الخطابات... ونتمنى على (حماس) أن لايأخذها (حماس الفوز) وأن تكون كما هي مثال في الحكمة والتروي والحرص على مصالح الشعب الفلسطيني وقراءة الأمور بشكل صحيح ووضع مصلحة الشعب الفلسطيني ووحدته وأمنه فوق كل إعتبار... ونحن واثقون أن (حماس) سوف تسير بالإتجاه الصحيح وأنها ستكون عند حسن ظن كل من صوّتوا لها بإرادتهم ودمائهم. حيوّا حماس الفائزة بشرف.. وبحق دون تزييف ولا تزوير ولاشراء ذمم!! ولاتستعجلوها فالقادم بإذن الله يبشر بكل الخير للشعب الفلسطيني المجاهد
 
  كاتب من العراق
 

الدار العراقية
29/1/2006

أضف تعليق