كثيرة هي العبر المستخلصة من حراك الشعب التونسي الحر ضد الظلم والطغيان والاستفراد والاستقواء بالغرب وربما يكون درس التخلي عن العملاء من ابرز دروسها وأعمقها دلالة وأوفرها في الاحتذاء بما فعله التونسيون.
الطغيان والظلم والاستبداد كلمات باتت كالريشة في مهب الريح امام إرادة الجماهير فصار الطاغية صغيرا يستجدي عطف شعبه ولم يعد ينفعه تنزيل أسعار الخبز ولا مجانية الحليب ولا العفو الضريبي ولا أي شيء مما كان يستكثره على شعبه قبل الطوفان سوى انه يفكر جديا إلى أين يتجه وكيف سيكون مصيره ومصير جلاوزته، فعند انعدام الحرية يأتي الطوفان الشعبي.
الدرس الأول المستفاد من هذه الثورة هو تبدل المواقف من الدول الكبرى في إمكانية المساندة والدعم لهذا الحاكم أو ذاك فلم يعد الأمر كما كان سابقا، إسناد مطلق، وحكم استبدادي بالحديد والنار، فالشعوب اليوم امتلكت من الثقافة والوعي ما يؤهلها أن تكون صاحبة القرار الأول في البقاء والعدم لهذا الحاكم أو ذاك.
من بين النقاط المهمة التي أبرزتها تجربة تونس أن التقارير الدولية التي كان يتبجح بها النظام من قوة اقتصادية وممارسات ديمقراطية هي تقارير مدفوعة الثمن حالها حال التقارير والإعلانات التضليلية التي يسوقها الاحتلال الأمريكي وعملاؤه في العراق .
وتبين أيضا من الحراك التونسي الأخاذ والآسر الذي أغرى شعوب المنطقة وفي مقدمتها حركات التحرر والمناهضة أن الأمر ممكن وليس من المستحيلات كما كان يصوره عملاء الاحتلال الذين سوغوا استقدام المحتل لعدم إمكانية التغيير، لكن تونس قالتها بصوت عال وبصورة واضحة جلية أن التغيير ممكن وان التعامل الغربي مع الواقف والشاخص وليس مع الهاوي والمتداعي فالميزان الدولي بات اليوم مرهونا بإرادة الشعوب لا بما يريده الحكام.
وهنا تبرز نقطة مستفادة من الحراك التونسي التحرري وهي أن ما يفعله أدوات المنطقة الخضراء من تنفيذات مذلة ومهينة لمخططات المحتل التقسيمية لن يكون في صالحهم يوما ما فمن سبقهم بربع قرن في خدمة أسياده عبر التنحيش بين فئات المجتمع واستخدام الحساسيات السياسية والفكرية والتوجهات المختلفة لتفريق كلمة الشعب ومع ان نظامه وصف بالاكثر ولاء وتبعية للغرب وقد نصب نفسه منفذا لكل المخططات الغربية بنع الحجاب، وتجريم تعدد الزوجات قانونيا، وأباحة العلاقات غير المشروعة، وجعل الأحد يوم العطلة الرسمي، وابتكار نظام الصلاة بالبطاقة الإلكترونية الممغنطة للحد من التدين ومحاربة التوجه الإسلامي كل ذلك لم يشفع له لفتح الأجواء واستضافته بقية أيام حياته في البلد الذي ينتمي إليه ولاء. فكيف سيكون مآل عملاء الاحتلال في العراق ساعة انتفاضة شعب نُهبت ثرواته وقٌتل أبناؤه واعُتقل رجالُه ورُملت نساؤه ويُتم أطفالُه.
إن مقارنة بسيطة بين التسويق الاحتلالي للديمقراطية العرجاء والعوراء التي صدرتها أمريكا إلى العراق على ظهر الدبابة، يتبعها الانتهازيون ومدَعو التمثيل لمكونات الشعب العراقي، وبين الحرية والإباء والإرادة الحرة للشعب التونسي الذي رفع صوت المواطنة وأطاح بمن ظلمه بثلاثة أسابيع لا غير لتدل على الفرق الشاسع بين الحالين، ففي العراق حالة شوهاء استهلكت الحرث والنسل وهدر الأموال وفي تونس حالة حراك حقيقية تعبر عن هموم مجتمع يصبو إلى الإنصاف والعدل والمساواة بين فئات المجتمع كافة فلا وصاية من احد على احد .
لقد أعاد جيش تونس الاعتبار لمهنية وعقيدة الجيوش العربية بعدم تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين فلا يتساوى جيش مهني وجيش آخر جٌمع على أساس الولاءات الحزبية والمحاصصة الطائفية والعرقية .
ومن النقاط البارزة في الدرس التونسي أن قوى المعارضة والمناهضة والممانعة باستطاعتها تحقيق أهدافها إذا ما استطاعت تجميع أبناء الشعب حول أهدافها يساندها إعلامها الكاشف للمخططات التفتيتية والتقسيمية.
بقي أن نقول إن القوى الرافضة للاحتلال والمناهضة والممانعة له قادرة أن تقلب ميزان الحسابات الاحتلالية في العراق وان ما جرى في تونس يضع في رقبة الشعوب مسؤولية التحرك فلا يكون شيء من دون إرادة وفعل، فالحياة خلقها الباري أسبابا ومسببات ومن لا يطالب بحقه لن يحظى بشيء، وان مسؤولية التغيير الصحيح تقع على القوى المناهضة للاحتلال والشعب والإعلام ولا يسعنا أخيرا سوى التنبيه إلى أن الظلم لا يدوم وإذا دام دمر.
تونس... درس التخلي عن العملاء ....كلمة البصائر
