أجرى الحوار مراسل الهيئة في عمان
من تحبه أمريكا لا يحبه الله!!!
الحل الوحيد للخروج من الأزمة العراقية هو الجهاد
الأمريكان هم اليد الضاربة لليهود في العالم!!!
وأقول لهيئة علماء المسلمين في العراق: يعجبنا فيكم ثباتكم على الحق وبعد النظر والفراسة الإيمانية !!!
الدكتور (عبد الفتاح الخالدي) ينتهي نسبه إلى سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهو من العوائل المعروفة والمنتشرة في الأردن وفي البلاد العربية، كانت ولادته في جنين في الضفة الغربية سنة 1947م، وأكمل البكالوريوس في الأزهر الشريف، وعمل في وزارة الأوقاف الأردنية بوظيفة واعظ ثم مديراً للأوقاف، ابتعث لنيل درجة الماجستير في التفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، فحصل عليها سنة 1980م، وكان عنوان رسالة الماجستير (سيد قطب والتصوير الفني للقرآن)، وحصل على الدكتوراه في التفسير سنة 1984م، وكانت بعنوان (في ظلال القرآن دراسة وتقويم تفسير سيد قطب)، أحيل على التقاعد من الأوقاف سنة 1999م، وعين في هيئة أصول الدين في عمان مدرساً لمادة التفسير وعلوم القرآن في الكلية وما زال فيها منذ 1999م، الكتب المطبوعة له حتى الآن بلغت 45 كتاباً، وعنده سلسلة من "كنوز القرآن" أخرج منها 12 حلقة حتى الآن، وفي كل كتاب يتناول موضوعاً قرآنياً.
البصائر التقته فكان هذا اللقاء:
* لماذا كان – برأيكم - الاستهداف الأمريكي للعراق؟
-- أمريكا تستهدف العراق من باب تصفية الحسابات وتدفيعه الثمن.
* أية حسابات؟
-- نحن نعرف أن أمريكا هي الذراع الضاربة لليهودية العالمية وأن الأمريكان هم خدم لليهود ينفذون مخططات اليهود وأهدافهم. واليهود يحقدون على الإخوة العراقيين حقداً خاصاً - في البعد الإسلامي طبعاً - في العصر الحديث بسبب أن الجيش العراقي حارب في فلسطين عام 1948م (وأنا من مواليد جنين سنة 1948م)، وكانت معركة جنين معركة مشرفة خاضها الإخوان العراقيون بطريقة عظيمة والحمد لله فحرروا جنين بعدما احتلتها اليهود، ووصلوا إلى مشارف حيفا، ولو صدرت لهم أوامر بالتقدم لكانوا قد وصلوا إلى البحر المتوسط، وقد لقنوا اليهود درساً بليغاً جداً، واستشهد بعض الإخوة العراقيين لا أعرف كم عددهم، وتوجد قبورهم في جنين في منطقة مثل الحديقة تسمى منطقة الشهداء (شهداء الجيش العراقي) على مثلث جنين نابلس.
وأقول إن مواقف العراق الإسلامية والعروبية مواقف ثابتة في العصر الحديث، ولذلك فاليهود يريدون تدفيع العراق ثمن هذه المواقف، كما أن الشعب العراقي الخامة (المعدن) التي فيه خامة عظيمة، والجماعة لا يقبلون الظلم والذل والاستعباد كباقي الشعوب الأخرى، وأمريكا تعرف ذلك، ولهذا تريد أن يدفع العراق ثمن تصفية حسابات سابقة علاوة على موضوع الموادّ البترولية والخامات وغير ذلك.
إذاً فهدف أمريكا من غزو العراق هو محاربة الإسلام والصحوة الإسلامية والعمل الإسلامي؛ لأن العراق له رصيد كبير جداً عندما يُقبل على الإسلام، يعني أنه يخدم الإسلام خدمة عظيمة جداً، ويكون المسلمون العراقيون جنود دين الله سبحانه وتعالى، وأمريكا تريد أن تمنع هذا الأمر، لكنّ الله يريد شيئاً آخر غير ما تريده أمريكا. ونعتقد أن الله سيجعل تحطيم أمريكا في العراق بإذنه سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن المستقبل هو للإسلام وللمسلمين بعون الله تعالى.
* بعد إعلان النتائج أول أمس يعني برأيك كيف ترى المستقبل في العراق؟
-- المشكلة في العراق هي خلط الأوراق والألوان مع بعضها، المشكلة تكمن في أمرين هما: الاحتلال الأجنبي الأمريكي والقتال الطائفي أو التحكم الطائفي - سمّه ما تشاء - والحقيقة أن الأوراق في العراق مختلطة اختلاطاً كبيراً جداً ونتائج الانتخابات كرست البعد الطائفي، وهذه هي المشكلة تكريس عجيب للطائفية، فلذلك ما تزال هناك أمور غير واضحة، وأنا أضع يدي على قلبي حقيقة من المستقبل في العراق؛ لأن أمريكا تغذي الفتنة الطائفية، وفي هذا الوقت يوجد قتال واختلاف بين الناس حتى تبقى هي متفرجة على الأمر ولكي تتفرغ لنهب البترول دون أن يحاسبها أحد، يعني أن أمريكا لا تريد أن تكون في العراق حكومة قوية، بل تريد أن يكون لها أناس عملاء وأتباع لها فقط حتى ينفذوا مخططاتها.
* ما هو السبيل للخروج من الأزمة العراقية؟
-- لعل قرآننا وديننا يعلمنا أن السبيل هو مواجهة الاحتلال وجهاد الاحتلال وقتال الاحتلال، والتأريخ الحديث يعلمنا أيضاً أنه لم يُحتل بلد من البلدان إلا وكان التحرير عن طريق المواجهة والجهاد بمعناه الواسع.
ويجب حشد الجهود كلها لمواجهة المحتلين، وأقول لإخواننا في العراق إن عدوكم الأول هم الأمريكان أو اليهود في ثياب الأمريكان، فلذلك يجب عدم الدخول في اشتباكات جانبية وعدم الانشغال بأشياء تافهة أو ثانوية تعوق الهدف العام، فلا بد أن يُحسن إخواننا في العراق تصنيف الأولويات وتصنيف الأعداء.
البلاد الآن يحتلها الأمريكان واليهود، ولا بدّ من إخراج المحتل، وهذا لا يكون إلا عن طريق الجهاد والمواجهة طبعاً. ولا أقصد بالمقاومة حمل السلاح فقط - وهذا ليس تقليلاً من أهمية السلاح - فالجهاد نتعلمه من خلال الإسلام، ومفهومه في الإسلام واسع وتعريفه (هو بذل أقصى الجهد في خدمة دين الله سبحانه وتعالى وهي مواجهة أعدائه عزّ وجل).
والإخوة المقاومون المسلحون في العراق يقومون بعمليات جهادية رائعة ضد الجنود الأمريكان، وهذا الشيء يرفع الرأس حقيقة وهو طيب وجيد، وهناك بعض الإخوة يجاهدون بأساليب أخرى كالجهاد السياسي والجهاد الإعلامي والجهاد التعليمي وجهاد الثبات والموقف. والحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو الجهاد بمفهومه الواسع الشامل وعدم تحويل البنادق عن هدفها الأساس، بمعنى عدم تغيير البوصلة الجهادية، فلا بد من أن تكون البنادق والجهود كلها موجهة نحو العدو الأول، وما سوى هذا يكون انشغالاً بأمور ثانوية، وحرام على المجاهدين أن ينصرفوا عن واجبهم إلى أمور ثانوية ليست لها قيمة في هذا الموضوع.
* يقول البعض إن الجهاد في العراق غير واجب لعدم وجود بيعة ولعدم وجود إمام. فكيف تردّ على ذلك؟.
-- إن هذه بدعة معاصرة تلبس لباس السلف - إذا جاز أن تكون بدعة سلفية!!-، وهذه حقيقة كلام باطل؛ لأننا سندور في حلقة مفرغة إذا قلنا (لا جهاد إلا بإذن الإمام)!!. فالإمام لا يأتي إلا بالجهاد، اللهم إلا إذا كانت أمريكا هي التي تنصبه وتلبسه عمامة وتقول له أنت إمام المسلمين فاسمح لهم بالجهاد!!. وهذا لن يكون أبداً، لذلك فهذا باطل ومردود.
يجب أن نعلم أن احتلال بلاد المسلمين يوجب الجهاد لطرد المحتل سواء وجد الإمام أم لم يوجد.
* تعرفون التحديات التي تواجه العالم الإسلامي ولا سيما العالم العربي وهي تحديات كبيرة ولا تتوقف عند حد. فكيف يتم مواجهة هذه التحديات؟.
-- إن مواجهة التحديات هي بأن نكون أصحاب رسالة، فلا بدّ لكل مسلم من أن يكون صاحب مهمة وينبغي علينا نحن العلماء وغيرنا أن نوجد هذه القناعة في نفوس الناس وفي قلوبهم حتى نبصرهم بواقعهم وبرسالتهم. نعم إن التحديات كبيرة وميدانها واسع يشمل جميع الجوانب، والإسلام الآن يخوض حرباً عالمية شرسة تحاربه فيها كل القوى في الداخل والخارج، فلا بدّ من أنصار للإسلام.
ويجب أن يعرف المسلمون وظيفتهم وواجبهم، من هم؟ وما هو المطلوب منهم؟ وما هو المدد في هذه المواجهة؟. والقرآن هو عنوان كتاب الجهاد، فلا بدّ من أن نوثّق صلة الناس بالقرآن لكي يكونوا قرآنيين، ولا بدّ من أن ننشئ المحاضن القرآنية المربية في المدارس والمساجد والمراكز وغيرها، ولا بدّ من إعداد الجيل القرآني الجديد المجاهد، وعندما يتخرج الشاب منها سيكون قرآنياً وسيكون عنصر جهاد فعال، وهذا سيطرد المحتل وسينصر دين الله سبحانه وتعالى.
* يرى البعض أن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر فتحت الباب على مصراعيه للصراع العربي - الغربي؟.
-- أحداث 11 أيلول/ سبتمبر يوجد عليها كلام كثير وإشكالات كثيرة، لكننا وحسب الظاهر نقول كما يقول المثل هي القشة التي قصمت ظهر البعير، أمريكا أساساً قائمة على حرب الإسلام والمسلمين، وحاربتنا من فترة كبيرة ليس من أحداث سبتمبر ولكن كان الحدث المدوي الإعلامي الكبير والصاخب هو أحداث 11 سبتمبر، وعلى أساسها دخلوا في حرب، وترتيبها في 11 سبتمبر سنة 2001 وفي مطلع القرن الحادي والعشرين بالذات، والتأريخ هذا له إشارة وله مغزى وله دلالة ولا سيما بعد أن صفّت أمريكا الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن العشرين وأنهت وجوده، والآن تفرغت لحرب الإسلام والمسلمين، فعدوها الأول هو الإسلام في القرن الحادي والعشرين عدو الأمريكان واليهود وأمريكا موجهة من اليهود، ولذلك هم حريصون على أن يكون هذا القرن قرن الحرب على الإسلام في حربهم العالمية الرابعة.
إن كل من حارب الإسلام هو الخاسر في النهاية، وكل من حارب القرآن هو الخاسر في النهاية، وهذه سنة ربانية، لهذا فالنصر هو للإسلام والقرآن، وأمريكا سوف تتحطم بعون الله سبحانه وتعالى.
* يدّعي الغربيون أن هناك تطرفاً من الإسلاميين الأصوليين؟.
-- مصطلح التطرف هذا مصطلح فضفاض كمصطلح الإرهاب، وهذه المصطلحات هم أنفسهم لم يعرّفوها ولم يضبطوها، وهي عندهم لإثارة الشبهات والإشكالات فقط، ثم إذا أردنا أن نحارب التطرف فنقول إن التطرف هو عبارة عن بضاعة أوربية أمريكية يهودية، وإنهم هم المتطرفون وهم الإرهابيون في الحقيقة. والفكر الغربي الأمريكي هو أساساً فكر صهيوني نشأ على خلفية توراتية يهودية، ولهذا فإن الإرهاب والتطرف هو ما موجود في العهد القديم في الفكر الديني اليهودي، فهناك جذور إرهاب عجيبة في ذلك الفكر، ولهذا نسألهم:
من وراء الجرائم في الحروب الصليبية؟!.
ومن وراء جرائم أبو غريب وكوانتنامو؟!.
وماذا فعلتم بالمسلمين في الأندلس في محاكم التفتيش؟!.
ليس هناك أي قانون حتى إنساني في مواجهة هؤلاء؛ لأن هذا هو تطرف أمريكي في المقام الأول.
* بوصفك متخصصاً في فكر (سيد قطب) رحمه الله ما هي زبدة الأفكار التي دعا إليها سيد رحمه الله كما استخلصتها من دراستك له؟.
-- الأستاذ (سيد قطب) رحمه الله لم يأتِ بشيء من عنده إنما كانت أفكاره قرآنية وسلفية، وأعني بكلمة سلفية أنها تنطلق من الكتاب والسنة، فسيد قطب منَّ الله عليه بأن جعله يعيش مع القرآن في آخر حياته فاستمدّ منه قيم حياته في الربع الأخير الذي قضّاه منها في السجن، وقبل السجن أيضاً. وأراد سيد أن يربط الناس بالقرآن، ولعلّ المحن التي مرّ بها (وربّ ضارّة نافعة) كما يقال قد ساعدته على ذلك حيث هيئ الله سبحانه له الأجواء الصعبة من سجن وزنازين لكي يعيش مع القرآن ويتربى عليه، ولهذا كان يقول: (حتى تفهم أنت القرآن لا بدّ لك من أمرين: الأول هو أن تبدأ أنت مع القرآن بداية جادّة بمعنى أن تأخذ من القرآن أفكارك وتتخلى عن ماضيك كله - وهذا كان كله عند سيد - وأن تدعَ القرآن يشكل لك فكرك من جديد).
وسيد طبّق على نفسه هذه الفكرة تطبيقاً عملياً، وكان ناقداً وأديباً وشاعراً وغير ذلك، وكان مطلعاً على الفكر والثقافة الغربية بشكل واسع جداً فألغى كل هذا الماضي ودخل على القرآن برصيد صفر، وقال تعال يا قرآن شكّل لي عقلي وتصوّري، والقرآن (جاهز) فشكل عقله بصورة متكاملة. والأمر الآخر كان سيد يركز على الخطوات العملية للقرآن في التربية والحركة.
وفي تفسيره للظلال لم يكرر ما كان يقوله الآخرون إنما قال ما لم يقله المفسرون الآخرون مع اعترافنا بفضلهم ومنزلتهم، فقد أراد للظلال ألا يكون كتاب ثقافة ولا كتاب تعليم، وقال للذين يريدون أن يتعلموا معاني القرآن الكريم: اذهبوا إلى التفاسير الأخرى. فهو أراد للظلال أن يكون برنامجاً عملياً مكتوباً لصياغة الشخصية الإسلامية من خلال القرآن الكريم. فالظلال وسيلة توصلك إلى القرآن وتربطك به. وسيد كان متواضعاً إلى درجة أنه كان يقول في الظلال (إنني أهيب بقراء هذه الظلال أن يعلموا أن الظلال جسر لربطك بالقرآن الكريم، وحينما ترتبط بالقرآن فقد حقق الظلال أهدافه، حينها ألقِ الظلال عنك جانباً وتمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى).
فكان تفسير الظلال بحق برنامجاً عملياً مكتوباً في صياغة الشخصية الإسلامية ركز على موضوع التربية والحركة كيف يربيك القرآن، وكيف تتحرك في ضوء القرآن. ومن نظرياته الحركية المعروفة كان يقول: (إن هذا القرآن لا يفتح كنوزه إلا لمن يتحرك به في عالم الواقع ويطبقه، ومن يجلس في بيته يقرأ القرآن فلن يستفيد من القرآن، ولا بدّ له من أن يذهب إلى حياة الصحابة كأنه هناك يعيش غزوة أحد وغيرها، وهناك يتعلم من كتاب الله).
ويقول أيضاً: (القرآن لن يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، وإذا لم تعطِه بعضك لم يعطِك شيئاً) يعني هو لأنك تتحرك بكتاب الله عز وجل. إن سيد قطب كان مؤسس مدرسة جديدة في التفسير أنا أسميها مدرسة التفسير الحركي، هو أراد أن نتحرك بكتاب الله عز وجل ثم هو تحرك بتجربة السجن والمواجهة عملياً، ولكن الظلال لم يكتبه بقاعدة باردة ولم يكتبه في الفراغ إنما دفع ثمنه عملياً، قال ذلك الأستاذ (محمد قطب) هذا الظلال الذي عاش صاحبه لحظة بلحظة ولفظة بلفظة ودفع دمه، اليوم الذي يعيش به هذا الظلال.
* كان سيد في بدايته لبرالياً ومتشدداً ويدعو إلى الكثير من المسائل المخالفة للشرع، كيف صار هذا التحول؟ ومتى؟.
-- الحقيقة أنا كتبت كتابين عن حياه الأستاذ سيد قطب الكتاب الأول سميته (سيد قطب من الميلاد حتى الاستشهاد) وهذا المجلد حوالي 600 صفحة وضعت فيه كل ما أعرف عن حياة سيد قطب، والكتاب الثاني اسمه (سيد قطب رائد الفكر الإسلامي المعاصر) الأديب المفكر المفسر الشهيد.
سيد قطب في نشأته هو رجل صعيدي، وكان يعيش في الصعيد مع والده، وكان يصلي معه في المسجد، وحفظ القرآن وهو صغير، فقد كانت عنده جذور إيمانية موجودة لما ذهب إلى القاهرة وأقبل على العالم. وكان على علم بالشعر والأدب والنقد وغير ذلك. وضعفت خلفيته الإسلامية ولا أقول ذهبت لما قدّم عليها اهتماماته الأدبية وغير ذلك، وإنما كانت كامنة في داخله حتى الأربعينات تقريباً، ولذلك لم يكن ليبرالياً إذا جاز التعبير ولم يكن يسارياً ولا شيوعياً، ولم يكن ملحداً وإنما كان أديباً ناقداً، وكان الإيمان كامناً فيه يعني أنه لم يظهر تلك الفترة، ولم يظهر عكس ذلك، ولم تكن له توجهات سيئة فكرية أو سلوكية.
* يقال إنه كان ينشر مقالات تدعو إلى الخلاعة وغيرها من الأمور التي لا يقرها الشرع؟.
-- أنا أذكر الأستاذ (محمود عبد الحليم) أحد مؤلفي الإخوان في مصر، وهذا القول لم أسمعه إلا من الأستاذ عبد الحليم فقد ذهب إلى البنا رحمه الله وقال له إن سيد يكتب كلاماً إباحياً فأجابه البنا لعل الله يجعل فيه خيراً. وأنا أشك في هذا الكلام، وأخشى أن يكون الأستاذ عبد الحليم قد خانته الذاكرة والتبست الأسماء عليه، فمن خلال اطلاعي على تراث سيد رحمه الله الثقافي والأدبي فقد كان الرجل أديباً، لكنه لم يكن فاسداً ولا مفسداً، وقد قرأت أدبياته قبل توجهه الإسلامي وبعده ولم أقرأ له مثل هذه الدعوات الغريبة، فقد كان حسن الخلق وعنده قيم إيمانية معروفة، وكان التعري في الأربعينيات بدعة أوربية معروفة، ولم يكن أي أحد عنده مسحة خلق يقبل بذلك، ولهذا فإن مقالاته كانت أخلاقية بشكل عام، وحينما توجه الاتجاه الإسلامي صار مفكراً معروفاً ورائداً، وإن الذي أعاده نحو الإسلام هو القرآن نفسه فقد ألف كتاب (التصوير الفني في القرآن الكريم) عام 1945 وهو أول كتاب قرآني له، وبعد ذلك أقبل على القرآن إقبالاً فنياً أدبياً ثم إقبالاً فكرياً ثم صار مفسراً رائداً.
وقد رتبوا له بعثة دراسية إلى أمريكا حتى يعود بوقاً لهم كما يفعلون مع الآخرين؛ لأنهم يعرفون من هو سيد قطب، ولما ذهب إلى أمريكا حاولت أمريكا أن تجنده لخدمتها، وهناك في أمريكا تعرف سيد على الإسلام تعرفاً عملياً ومباشراً، وعاد من هناك وهو داعية إسلامي وليس بوقاً لأمريكا!!. وقد ذكرت هذا في كتابي (أمريكا من الداخل بمنظار سيد)، وجمعت مقالاته من الداخل في المجلات والصحف المصرية بعد عودته من أمريكا.
* هناك من يتهم سيد بأنه مؤسس الفكر الأصولي المتشدد؟.
-- هذا الكلام ليس صحيحاً فالفكر المتشدد إذا جاز التعبير أو الفكر المغالي قبل ذلك حرم سيد الغلو في كل شيء سواء في السلب أو في الإيجاب ولذلك فإن هؤلاء الذين يدعون إلى التكفير ظهروا بعد استشهاد سيد قطب رحمه الله، وأذكر أن الحاجة (زينب الغزالي) رحمها الله قالت في كتابها (أيام من حياتي) - في آخر حياة سيد وبعد كتابة (معالم في الطريق) وبداية بذور التكفير قبل اعتقاله واستشهاده سنة 1965 - قلت لسيد: (يا سيد هناك ناس يكفرون المسلمين ويقولون إنهم يقتدون بك، ويقولون إنك تكفر المسلمين) فغضب سيد غضباً شديداً وقال كلمة عجيبة (لقد وضعت رحلي على حمار أعرج) يعني الناس لم يفهموا كلامه، وقال أنا لا أقول بذلك، ووعد بتوضيح الأمر، وقال إذا أصدرت الحلقة الثانية من (معالم في الطريق) فسوف أوضح ذلك إلا أنه أعدم ولم يوضح ذلك ولم يصدر الجزء الثاني من المعالم. وكما قلت لك سابقاً فإن فكر سيد كان فكراً قرآنياً من خلال كتاب الله سبحانه وتعالى، وكان سيد يحارب الغلو والمبالغة، والرجل كان إنساناً كبيراً جداً.
*هناك من يقول إن الكتب التي ألفها سيد في السجن (الظلال ومعالم على الطريق وهذا الدين) وغيرها كان يدعو فيها إلى تكفير المجتمعات الإسلامية؟.
*أبداً أبداً. وعندي كتاب (الظلال في الميزان) وفي أحد فصوله الذي كان عنوانه (سيد قطب وتهمة التكفير) ناقشت هذه المسألة بالتفصيل، وهو باختصار ملتزم بأصول الكتاب والسنة في هذا الأمر، وكان يقول (من كفّره الله فهو كافر)، وهو الذي أطلق عبارته المعروفة الواضحة (نحن دعاة ولسنا قضاة) وهي تنسب إلى الإمام الهضيبي رحمه الله المرشد العام للإخوان المسلمين في حينه، ولكن أول من قالها هو سيد وليس الهضيبي، قالها قبل استشهاده، وقال (لا نحكم على الناس بما في قلوبهم)، وقال أيضاً (دع ما في قلوب الناس لله رب العالمين، وأنت قدم الدعوة لهم).
فما كان يتكلم عن التكفير أساساً، وإنما كان يتكلم عن موضوع الجاهلية، فمن أسس فكر سيد أنه كان يقول نحن نعيش في مجتمع جاهلي. والمشكلة أن الناس لا يفهمون معنى الجاهلية، فهم يظنون أن كلمة الجاهلي تعني الكفر بينما الجاهلية كما يقول محمد قطب في كتابه (جاهلية القرن العشرين) هي عبارة عن حالة نفسية تعني الابتعاد عن حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا الابتعاد له درجتان قد يكون ابتعاد مسلم عاصي، وقد يكون ابتعاد كافر. فهناك جاهلية كفر وهناك جاهلية معصية بدليل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري لما شتم سيدنا بلال وقال له: يا ابن السوداء. فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم، فماذا قال؟ قال: (يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية). وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم، فهل يعني هذا أن أبا ذر كافر، من هنا فلم يكن سيد يكفر المسلمين.
* أنا أذكر مبدأ كان الألباني رحمه الله يدندن حوله دائماً ألا وهو التصفية والتربية. وسيد يقول بمبدأ التربية والحركة. وأنا أرى تشابهاً في الدعوة بينهما في هذه المسألة؟.
-- للعلم فإن الشيخ الألباني رحمه الله له عبارات في الثناء على سيد ومدحه من أبدع ما يمكن. ويحاول بعض تلاميذه إخفاء هذه المقولات. وهناك كاتب اسمه (وائل البتيري) طبع كتاباً عنوانه (كلمة حق في ثناء الألباني على سيد قطب) جمع كلمات الألباني من أشرطته التي يثني فيها على سيد وطبعها في كتاب، وقد قدمت لهذا الكتاب وطبع في عمان. وقد جُنّ البعض حينما سمع ذلك!! فقال لهم هذه أشرطة الشيخ وهذه أقواله، وما طالب به الألباني رحمه الله هو مبدأ إسلامي معروف والكل يدعو إليه.
* هل غيّر سيد منهج الحركة الإسلامية فعلاً أو إنه يرى وجوب تغيير المنهج؟
-- هو لم يغير المنهج إنما كان يريد توضيحه، وهو لم يتعرف على الإمام البنا تعرفاً مباشراً، وانضم سيد إلى الإخوان بعد استشهاد البنا، ودخل إلى الإخوان وهو مفكر وملتزم بالإسلام والقرآن بشكل عملي، وحاول أن يوضح ويفسر منهج الإخوان المسلمين. ولقد قاد التنظيم الإخواني الجديد بإذن من الإمام الهضيبي رحمه الله الذي كان يقول (إن أملي الوحيد هو سيد قطب)، وذلك لأن الكثيرين تراجعوا بسبب القمع والقتل والتعذيب، وحينما عرض كتاب (معالم على الطريق) على الأستاذ الهضيبي بطلب من سيد أمر بطباعته، وقال (أنا أتبنى كل ما يتبناه سيد).
* هل ترى في فكر سيد انفصالاً وتمرداً على جماعة الإخوان المسلمين؟.
-- أبداً إنما أرى تركيزاً على مسائل، وهذه المسائل موجودة ركز عليها حتى لا تنسى، وهي موجودة عند الإخوان وعند الأستاذ البنا، وكان السيد شارحاً لفكر البنا، وكل أقواله كان قد ذكرها من قبله البنا في كتبه ورسائله، وأؤكد على أن دور سيد هو التركيز على بعض المعاني التي قد ينساها بعض الناس فركز عليها حتى لا تنسى.
* هل تأثرت الحركات الثورية التغييرية الإسلامية بخطاب سيد وبأفكاره عن حاكمية الله وجاهلية العالم؟.
-- نعم تأثرت والحقيقة أن سيد قطب هو المؤثر المباشر في الفكر الجهادي المعاصر سواء كان للإخوان المسلمين أم لغيرهم.
وأحب أن أبين أن أمريكا منزعجة من انتشار فكر سيد بين المسلمين ولا سيما الشباب منهم، وهي اليوم تشنّ حرباً شعواء على فكره وتستخدم أحياناً بعض السذج من المشايخ، لكن الشباب مُقدِم على فكر سيد إقداماً كبيراً بحمد الله.
* هل حاولت تفسير القرآن الكريم؟.
-- أرى نفسي حتى الآن متهيباً من القدوم على خطوة التفسير؛ لأن القرآن يحتاج إلى تأنٍّ خاص، والإنسان يمكن أن يظن نفسه دون المستوى، هذا في عصر ظهر فيه مفسرون مثل السيد قطب والشيخ (سعيد حوّى) قاموا بواجبهم والحمد لله وتفاسيرهم موجودة.
* نريد أن نعرف شيئاً عن حياة سيد قطب الاجتماعية؟.
-- سيد رحمه الله لم يتزوج، وحاول أن يخطب مرتين الأولى حينما كان أديباً والثانية حينما خرج من السجن سنة 1965 بعد أن أفرج عنه لوضعه الصحي إلى أن اعتقل واستشهد ولم يتزوج.
* هل الأستاذ محمد قطب هو امتداد لسيد أم له مدرسة خاصة به؟.
-- إن محمد قطب هو امتداد لسيد، وهو يعترف بذلك، ومحمد يحبّ سيداً كثيراً، وحينما ناقشني في رسالة الماجستير سنة 1980 قال محمد: يقول البعض لماذا لم تكتب كتاباً عن سيد؟!. وأقول لهم: إن سيد قطب جزء من نفسي، فكيف أكتب كتاباً عن نفسي، فبكى وأبكى الجمهور في تلك المناقشة.
* ماذا يعني سيد عند الأستاذ صلاح الخالدي؟.
-- سيد يعني عندي الكثير، وأنا مُريد له وتلميذ عنده تلمذة فكرية، لم ألتقِ به التقاء مباشراً، لكن تتلمذت على أفكاره، وزاد إعجابي به بعد أن وجدت أن كل أفكاره قرآنية، ولم أجد له شيئاً يخالف القرآن الكريم، ولا أقول إنه معصوم بل وجدت له أخطاء جانبية بسيطة لا تكاد تذكر، وهي في الظلال - على عظم حجمه وقدره - لا تتجاوز 15 خطأ، فلهذا سيد هو رائد الفكر المعاصر بدون منازع.
* هل تدعو إلى نشر أفكار سيد في المجتمع اليوم؟.
-- نعم. وينبغي على الشباب المسلم المعاصر أن يعود إلى الظلال. ولن يفهم القرآن من لم يقرأ الظلال. والظلال هو ليس كتاب ثقافة ولا كتاب تفسير بل كتاب ينفخ في روح الشباب المسلم حتى يعرف من هو؟ ومن هو عدوه؟ وهو الذي قاد المسلمين من مرحلة الدفاع على استحياء إلى مرحلة الهجوم المباشر.
*ماذا تقول للعراقيين وللمجاهدين ولهيئة علماء المسلمين في العراق؟.
-- 1 ـ أقول للعراقيين:
أنتم الآن في خط الدفاع الأول، نتمنى أن يفتح الجميع عيونهم على هذا الخطر المباشر. وإن الله أراد بكم الخير. وكنت أقول لإخوتي في جنين إن الله يحبكم؛ لأنه جاء لكم باليهود حتى تؤدّبوهم وتخلّصوا العالم من شرهم. وأقول للعراقيين إن الله يحبكم فجاء بأمريكا حتى تؤدّبوها وتهزموها بعون الله سبحانه وتعالى، واعرفوا أن عدوكم الأول هم الأمريكان وهؤلاء لا أمان لهم فهم كاذبون ومجرمون.
-- 2 ـ وأقول للمجاهدين:
أنتم سادة الأمة وقادتها، وأنتم حملتم الجهاد في وقت تخلى عنه الكثيرون، وأنتم واجهتم إمبراطورية الشر الكبرى، ومن يواجه أمريكا فله منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، وكلما زاد كره أمريكا لكم كلما زادت محبة الله سبحانه وتعالى لكم، واعلموا أن من أحبته أمريكا لا يحبه الله، ومن أحبه اليهود لا يحبه الله، ومن أبغضه الأمريكان واليهود يحبه الله، إنهما نقيضان لا يجتمعان، ونقول لهم (اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).
-- 3 ـ وأقول لهيئة علماء المسلمين في العراق:
سادتي في الهيئة أنتم روّاد وأنتم القادة، ويعجبنا فيكم ثباتكم على الحق وبعد النظر والفراسة الإيمانية، وأنتم تستشرفون المستقبل، ولا أحد يستطيع أن يضحك عليكم، هناك أناس يُخدعون، وأمريكا تظهر بثوب المسالم وتتحدث عن الديمقراطية وقد يُخدع بها بعض الناس، لكن أنتم قد أعطاكم ربنا فراسة المؤمن، ولهذا لم تُخدعوا وأنتم اليوم تقودون جميع المسلمين وليس العراقيين فقط. هنيئاً لكم هذه المنزلة الراقية، وكما يقول الشاعر في الثناء على الشيخ (عزّ الدين القسام) رحمه الله:
إن الزعامة والطريق خطيرة غير الزعامة والطريق أمان
وبارك الله فيكم. والنصر لكم إن شاء الله سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.
الهيئة نت
24/1/2006
د. صلاح الخالدي: الحل الوحيد للخروج من الأزمة العراقية هو الجهاد ..حوار مع الهيئة نت
