هيئة علماء المسلمين في العراق

من لأئمة المساجد وخطبائها في العراق! ...د. عمران الكبيسي
من لأئمة المساجد وخطبائها في العراق! ...د. عمران الكبيسي من لأئمة المساجد وخطبائها في العراق! ...د. عمران الكبيسي

من لأئمة المساجد وخطبائها في العراق! ...د. عمران الكبيسي

يحار المرء ويصيبه الذهول عمن يكتب وماذا يقول في بلد كالعراق كان أمنا مستقرا، وحياته رغم الضيق والحصار كانت مقبولة إلى حد ما، وأفضل من غيره، وكان للحكومة فضيلة الوصول إلى أي اختراق أمني والكشف عنه بوقت قصير، إذا لم تكتشفه قبل وقوعه، وكانت الدول المجاورة تحسب لكلمتها ألف حساب، واستطاعت الحكومة السابقة قطع دابر التجسس وقص أصابع الإسرائيليين وعملائهم، وكبح جماح القيادات الكردية الطامعة بتجزئة العراق وتفتيته ولجمها، وكانت شوكة في عيون الطامعين، ومع ذلك كنا غير راضين طموحا منا نحو الأفضل، حتى إذا دخل الغزاة علينا بحفنة من العملاء والدخلاء من أبنائنا الذين ضلوا الطريق، فصح علينا المثل: “جرب حكم غيري حتى تعرف خيري”.
لقد أتاح الاحتلال الفرصة لجواسيس الصهاينة حرية العمل على رسلهم في الشمال والجنوب، وفتحت الحدود أمام الحرس الثوري الإيراني ليعبث كما شاء بمقدرات العراقيين، ومكن الانفصاليين الأكراد من استعراض عضلاتهم والاعتراض بحق الفيتو على أي قرار لا ينسجم مع رغباتهم، ودخلت القاعدة بفصائل إرهابية مخترقة تلوح بالقتل لكل من يعارضها، وحصيلة كل ذلك تآمر وقتل على الهوية، واغتيال واختطاف وتفجيرات ودهم ليلي واعتقالات ورشاوى وسرقات، فصرنا البلد الأول في العالم بالفساد المالي والإداري وانعدام الأمن وعدم الاستقرار.
وكان أول من تصدى للاحتلال هم علماء الدين من اهل السنة والجماعة، وتصدر أئمة المساجد وخطباؤها المظاهرات واستنكروا الاحتلال والمظاهر التي رافقته، ودعوا لرص الصفوف، والمحافظة على الوحدة الوطنية، ومقاومة الغزو بكل الوسائل المتاحة، وأصروا على عدم التعامل فضلا عن التعاون مع الغريب والأجنبي، في الوقت الذي بارك فيه غيرهم العدوان، وحبذوا الاستسلام، بذرائع الخلاص من حكومة الحزب الواحد وحجج عدم القدرة، وتأجيل المقاومة حتى تكتمل الوسائل، فبدأت التصفيات تطال من يرفع صوته، وصارت تطالهم واحدا بعد الآخر، لإسكات أصواتهم.
لقد بدأت التصفيات بالاستيلاء على المساجد في المناطق المشتركة، وقتل من يقاوم ويرفض التخلي عن مسجده لتأجيج الفتنة، ورغم أن الفقهين السني والشيعي يؤكدان أن الوقف لما وقف له وحرما اغتصاب بيوت الله، استمر مسلسل التصفيات الجسدية، الذي بدأ بقتل حراس المساجد والمؤذنين والمنظفين، وتصاعد ليطول الأئمة والخطباء فلا يكاد يمر أسبوع إلا وفيه حادث أو حادثان من القتل والاغتيال، من دون نظر للمكانة ولا للأعمار، ولم نر من يحتج ولا من يدعو لحماية بيوت الله والقائمين عليها، ولم تتحرك الدولة، بل دائما ما تنتهي التحقيقات كما يزعمون بالفشل وتسجل الجرائم ضد مجهول أو يغلق التحقيق وينسى، حتى فقدنا أجل العلماء وأفاضلهم، وضاعت دماؤهم بلا ثمن ولا من يسأل.
لقد بلغ عدد الأئمة والخطباء خلال خمس سنوات ما يزيد على ثلاثمئة شهيد، ولدي أسماء وشهادات لمئتين وثلاثين خطيبا وإماما نعرفهم بأسمائهم وألقابهم وأسماء مساجدهم، وكلهم من أهل السنة والجماعة، سقطوا مضرجين بدمائهم، إما فوق المنابر، أو سجدا، أو على أبواب المساجد وفي الطريق إليها، أو بتفجير مساجدهم، وأغلب الظن ان لم يكن يقينا أنهم لقوا الشهادة على يد العملاء والمغرر بهم والمدفوعين من دول الجوار الشرقي، مستغلين النعرة الطائفية وجهل العامة وقلة معرفتهم، ولم نسمع من دعا إلى حماية الشيوخ أو إنصافهم، مع أنهم أولى الناس بالحماية لأنهم من يعمر بيوت الله، ومشاعل الهدى والتقى والإيمان، ودعاة الفضيلة وقادة الرأي، ولم نسمع من حمل منهم السلاح، أو فجر أو دعا للقتل والتطرف ليبرر ما يلقون، بل كانوا دعاة تسامح وتآخ وإخماد الفتن، وجلهم ممن دعا للوقوف بحزم بوجه الإرهاب وبالخصوص ما يسمى دولة العراق الإسلامية، وعصابات الطرق الإيرانية، ولم نسمع محكمة حكمت على مجرم لقتله عالما من علماء الدين، حتى المرجعيات لم تنبس بشفة واتحدى من يعطيني فتوى رسمية صدرت بهذا الشأن.
ولا ندعي أن الخطباء والأئمة وعلماء السنة هم وحدهم الذين استهدفوا ولكن التركيز عليهم كان واضحا لاضعاف قواعدهم، وإخماد صوتهم، وقائمة المستهدفين طويلة من الأساتذة الجامعيين والأطباء والطيارين والصحافيين والمهندسين والمحامين وحتى العسكريين المتقاعدين وشرائح أخرى ومع ذلك كانت كل الأبواق الزاعقة صامتة عن قصد وليس عفوا.
واليوم تقوم القائمة ولا تقعد لتفجير كنيسة وقتل قس أو عدد من إخواننا المسيحيين، كأنهم ليسوا عراقيين يصيبهم ما يصيب العراقيين، ولكنها دعوة حق أريد بها باطل، يستغلها أعداء الوطن ورواد الفتن، ويخفون خلفها دعوة سياسية خبيثة لعزل الأقليات، ومن ثم المطالبة بقطعة ارض لهم وحكم ذاتي لتفكيك العراق، إلى مجموعة عناصر وطوائف بقصد إضعافه وإضعاف العرب، وهو ما تدعو إليه إسرائيل، وتفرح به إيران لتصبح الشرطي في المنطقة لها اليد الطولى في المنطقة، وأوعز المحتل للأكراد المتنفذين والمستفيدين من ذلك ماديا بتنفيذ هذا المخطط الخبيث بالتعاون مع بقايا القاعدة ومن ذكرنا.
ليس الأقلية فحسب هم المستهدفون، بل العراق بشعبه ووحدة أراضيه ومكوناته مستهدف، واستهداف المسيحيين اليوم يخفي ما وراء الكواليس، ولغاية في نفس يعقوب، فلتصمت كل الأصوات التي تتظاهر بالتباكي على العراق وتخفي في نفوسها لهم الحقد والعزلة والتفرقة ولن يكون لهم ما يريدون بإذن الله، ألا خاب ما يضمرون.

أضف تعليق