هيئة علماء المسلمين في العراق

ارهاب السلطة في العراق.. ديالى نموذجا / جاسم الشمري : كاتب وصحفي عراقي
ارهاب السلطة في العراق.. ديالى نموذجا / جاسم الشمري : كاتب وصحفي عراقي ارهاب السلطة في العراق.. ديالى نموذجا / جاسم الشمري : كاتب وصحفي عراقي

ارهاب السلطة في العراق.. ديالى نموذجا / جاسم الشمري : كاتب وصحفي عراقي

تعد محافظة ديالى واحدة من أهم المحافظات العراقية من حيث موقعها الاستراتيجي القريب جداً من العاصمة بغداد، حيث لا تبعد عنها إلا (58) كم من جهة الشرق، وكذلك تمتاز ديالى بخط حدودي كبير مع إيران، حيث لديها حدود مشتركة معها طولها (240) كيلومتراً، وتشكل المسافة بين ديالى وبغداد أقصر المسافات بين حدود إيران والعاصمة بغداد، وكذلك تقع فيها بعض مناطق ما يسميه الساسة الأكراد 'المتنازع عليها'، وهي مناطق خانقين وكفري وغيرهما، التي يدعي الساسة الأكراد عائديتها للإقليم.
واليوم، وبعد أكثر من سبع سنوات على الاحتلال الأمريكي للعراق، نلاحظ زيادة وتيرة الاعتقالات في عموم بلاد الرافدين، وللحديث عن حقيقة هذه الاعتقالات التعسفية، سأورد نموذجا لذلك، وهو محافظة ديالى، ومركزها مدينة بعقوبة، والتي هي صمام الأمان للحبيبة بغداد، وتعد ديالى كأغلب المحافظات العراقية نموذجا للتعايش بين العراقيين، حيث يسكنها العرب والأكراد والتركمان، ومن كل المذاهب الدينية، ولم تقع بين أهلها في يوم من الأيام فتنة طائفية، وحينما قَدِمَ الاحتلال وأعوانه بظلمهم وظلماتهم وقعت حوادث التهجير، والقتل، والاعتقال على الهوية في محاولة لإثارة الفتنة الطائفية.
وقبل أيام التقيت مسؤولاً محليا في ديالى، وتحدثنا عن ادعاءات الحكومة وأجهزتها الأمنية بتحسن الأوضاع الأمنية في البلاد، وقال هذا الأمر لا يمت للواقع بصلة، حيث إن محافظة ديالى - على سبيل المثال - تعاني من جملة من المشاكل 'الكيدية' التي نراها في الاعتقالات المستمرة، حيث أكد أن هنالك اليوم في المحافظة أكثر من عشرة أجهزة أمنية لها حق الاعتقال، ومنها (المخابرات، والجرائم الكبرى، واستخبارات الداخلية، والشرطة المحلية، وأفواج وسرايا الجيش، والأمن الوطني، وأفواج الشرطة الوطنية، ووحدات مكافحة الإرهاب، والقوى الخاصة لواء (36)، وغيرها).
وحينما سألته عن الأوامر القضائية التي يمتلكها رجال الأجهزة الأمنية قال: (ما أسهل الحصول على الأوامر القضائية بتهمة، أو بدونها) والبعض يُعتقل، ثم يصدر الأمر القضائي بحقه 'آنياً'، وأن بعض الأجهزة الأمنية تحمل معها مجموعة من الأوامر القضائية الجاهزة، وبدون أسماء، تملأ بحسب الحاجة، وهذا يعني - مع الأسف الشديد - أن الأجهزة القضائية صارت تبعا للأجهزة الأمنية، وليس العكس، وهذا يمثل مهزلة حقيقية في تاريخ العراق القضائي مع احترامنا للأخيار من رجال القضاء الذين رفضوا مثل هذه الأساليب البوليسية، سواء منهم من بقي في الخدمة، أو هجرها.
الاعتقالات الكيدية تتم عادة عبر ما يسمى 'المخبر السري'، وهم ثلة من الناس عملوا ضد أبناء جلدتهم، ولهم تنسيق أمني مع الشرطة والجيش، وللأسف الشديد - وكما اخبرني المسؤول في المحافظة - لهم تنسيقات مع المحاكم أيضا؟ وهذا الأمر يثير الدهشة والتعجب.
أما عن عدد المعتقلات في محافظة ديالى، فانه يوجد في كل قضاء من أقضية المحافظة الخمس سجن مركزي، وكذلك في نواحي المحافظة الـ(13)، هنالك في كل واحدة منها معتقل، بالإضافة إلى المعتقلات المركزية في مقرات الأجهزة الأمنية البوليسية القمعية، التي سبق ذكرها، وهذا يعني أن هناك في ديالى أكثر من (30) معتقلا تعاني، بحسب ما ذكر لي المسؤول في ديالى من الاكتظاظ، والإهمال، وانتشار الإمراض الجلدية وغيرها.
الأجهزة الأمنية القمعية تمارس أبشع صور التعذيب النفسي والجسدي بحق هؤلاء المعتقلين، ومن هذه الممارسات الحرمان من النوم، والاغتصاب، والتهديد باعتقال النساء في حال عدم الاعتراف، وغيرها من السبل اللا أخلاقية، واللا إنسانية التي يضيق المجال لذكرها، وهي بعبارة مختصرة بسيطة كل 'ما يخطر على بال الإنسان من سبل وحشية وهمجية يمكن أن تقع في المعتقلات العراقية اليوم'.
وللتاريخ نذكر أن السادة في مديريات التحقيق في العراق يمارسون الديمقراطية حتى في توجيه التهم للمعتقلين، حيث يتم إعطاء المتهم، أو البريء، مجموعة من التهم مكتوبة على ورقة يختار منها 'المتهم البريء' بروح ديمقراطية أربع جرائم، وهذا نوع من الممارسات 'الديمقراطية' التي عمت بلادنا من أقصاها إلى أقصاها، واعتقد إننا سبقنا العالم بهذه الممارسة الديمقراطية.
وأنا لم أتكلم عن حالات القتل العمد التي وقعت في المعتقلات، واكتفيت بذكر صور التعذيب غير المميت؛ لان النتيجة الحتمية للتعذيب الوحشي هي الموت بلا شك.
وهنا سأذكر هذا المثال عن صور الانتهاك المخزي لكرامة الانسان في معتقلات ديالى، حيث ذكرت إحدى القنوات الفضائية العربية يوم 17/2/2008، أنها حصلت على ملف من ملفات لجنة تقصي الحقائق التي شكلها البرلمان، وفي تفاصيل الملف قصة اغتصاب جديدة، والضحية ليست امرأة، وإنما ضابط بارز.
هذا وقد تعرض كثير من رجال محافظة ديالى للاعتقال، ومنهم من اعتقل لأكثر من ثلاث مرات، ويكفي الإشارة انه في حملة ما يسمى بشائر الخير اعتقل أكثر من (1200) شخص حسب بيان قيادة عمليات ديالى، فإذا كانت بشائر الخير نتج عنها اعتقال أكثر من ألف شخص، فما هي اعداد المعتقلين في حملات ' مَسْك الأرض وزحف الأسود، وغيرها من الحملات'، أما بخصوص مذكرات الاعتقال فانها شملت عددا كبيرا جدا من رجال محافظة ديالى، ومنهم من صدرت بحقه أكثر من عشر مذكرات اعتقال.
والمهزلة أن قائد قوات ديالى البرية الحالي الفريق علي غيدان، كان من ضمن قوائم المطلوبين في المحافظة؛ لأنه كان بعثيا قبل الاحتلال؟
المعتقلون من أهالي ديالى يشغلون نسبة 80' من أعداد المعتقلين في سجن مكافحة الإرهاب في بغداد، حيث تعارف بين الأهالي قدوم قوات خاصة من بغداد تقوم بحملات اعتقال عشوائية، وتنقلهم إلى معتقلات العاصمة، من دون علم وتدخل الأجهزة الأمنية والإدارية في المحافظة؟
الأزمة الحقيقية التي يعاني منها هؤلاء المعتقلون هي عدم تقديمهم للمحاكم، وإبقاء قضاياهم معلقة، ولا يسمح بعرضهم على المحاكم في ديالى، ومنهم من استمر اعتقاله لأكثر من أربع سنوات بدون توجيه تهمة، ولا رفع أوراقه إلى المحاكم، أما النزلاء من أهالي المحافظة في سجن مكافحة الإرهاب في بغداد فان ما يعرف بـ'محكمة الساعة' تصدر أحكامها على ثلاث درجات بحقهم تتراوح بين الإعدام والمؤبد والسجن 15 عاما.
المعتقلون وسط هذه الصور من الظلم والظلمات، لا حول لهم ولا قوة، وليس أمامهم إلا الصبر، أو الإضراب، أو دفع الرشاوى التي قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات للحفاظ على حياتهم؟
احترام الإنسان وكرامته أمر في غاية الأهمية في كافة الأعراف والقوانين السماوية والأرضية، وتجاهل وامتهان كرامة الإنسان يعني إعدامه معنويا، وان كان يعيش ماديا بين الناس، والعراقيون اليوم تفهموا حقيقة المهزلة الديمقراطية التي تقودها أحزاب رضعت الطائفية، ولا تستطيع العمل في أجواء نقية وحدوية تكاتفية وطنية، وإنما هي أحزاب طائفية تفتيتية أهدافها زرع الفتنة، والاستمرار باختطاف العراق في مرحلة يعرف الجميع أنها لا يمكن أن تستمر على هذا الوضع الشاذ؛ لان العراق بلد الجميع، ولا يمكن لمجموعة معينة أن تتفرد بالسيطرة على مقدراته.
ما ذكرته من حقائق عن ديالى، هي صورة مصغرة لحقيقة المأساة اليومية المستمرة في عموم البلاد، على الرغم من عمل الإعلام الحكومي المأجور على قلب صورة المشهد العراقي، وإظهار أن من يتم اعتقالهم هم من الإرهابيين، والقتلة، والمجرمين، ونحن لا نقف مع منْ يريق قطرة دم عراقية واحدة، فكل من يستهدف الدم العراقي هو مجرم، فتان، يطمع في تحقيق غايات شخصية، وحزبية سقيمة، إلا أن الحقيقة الساطعة أن غالبية من يتم اعتقالهم هم من الأبرياء.
الإرهاب هو ما تقوم به الأجهزة الحكومية من سلب، ونهب، واعتقال على الهوية، بتهمة، أو بدونها، والنتيجة رجال في المعتقلات، وعوائل لا معيل لها، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية.
فإلى متى سيبقى الحال في العراق على ما هو عليه اليوم، بلاد مختطفة وأهلها يقتلون، والعالم العربي والإسلامي يتفرج، وهم يستمعون إلى أنشودة الحرية والديمقراطية المملة في الدولة العراقية الجديدة؟
jasem al-shamary

أضف تعليق