لا تكف الإدارة الأمريكية عن التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية منذ خروج القوات السورية من البلد، قبل تسعة أشهر، بل منذ استصدار القرار 1559 في صيف العام 2004! يتحرك سفيرها فيلتمان على كافة المحاور والجبهات: من رئاسة الحكومة، الى الوزارات، الى الكتل النيابية، الى
الاحزاب السياسية، الى الانتخابات، الى تأليف الحكومة، الى التعيينات في الاجهزة الامنية، الى التحقيقات عبر ال FBI في جرائم الاغتيالات ..إلخ، وفي الاثناء، لا يتوقف عن اطلاق التصريحات في هذا الاتجاه وذاك، داعيا اللبنانيين الى فعل هذا وناهياً إياهم عن فعل ذلك، ومؤلّباً فريقاً منهم ضد آخر، ومحدداً ما على لبنان ان يسلكه في سياسته الخارجية، وما عليه ان يلتزم به ضد مقاومته الوطنية وسلاحها وتجاه مطالبه في أراضيه المحتلة في الجنوب.
تسمعه يتحدث، ويوصي، ويأمر، فتخاله المندوب السامي او القائمقام وقد عادا الى واجهة الاحداث في “الامارة” او في لبنان الانتداب! والأدهى والأمض ما يقوله الأعلى رتبة منه في دولته: آمرته وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وآمرها رئيس البيت الابيض. لا يفوتان فرصة للتعبير عما يخالجهما من مشاعر “عطف” و”ود” تجاه لبنان، ورغبة في “الحدب عليه” و”حمايته” من اشقائه! ولكن لا تنقصهما الصرَاحة الصرّاحة كي يذكرا اللبنانيين والعالم بأن بلدهم بات في عهدة سياسة امريكا وأن اهله في فلكها يسبحون. ولا يلتفتان، قليلا او كثيرا، الى اصوات محتجة على السلوك الأمريكي المستهتر بسيادة لبنان، ذلك بأن لبنان لا يكون بلدا سيدا مستقلا إلا متى وكل أمره الى امريكا “تذود” عنه و”تدافع”.
مع كل ذلك التدخل السافر في شؤون لبنان الداخلية، لا تتردد الإدارة الأمريكية في الاحتجاج على أي موقف سياسي عربي أو عالمي يتعاطى مع أزمة لبنان الراهنة من منطلق الحرص على توفير مقدمات حل لها يحفظ للبلد استقراره الداخلي، او علاقات صحية له مع محيطه العربي. فإذ ابدت قبل فترة، انزعاجها من سعي فرنسا في تنفيذ فقرات القرار 1559 على نحو مرن يجنب لبنان خضات داخلية (على خلفية المنازعة اللبنانية حول سلاح المقاومة)، ذهبت اليوم الى الاعتراض على أية رعاية عربية لحوار لبناني داخلي، يعيد تعريف العلاقة اللبنانية السورية من مدخل التصويب والتصحيح والتطبيع، على مثال الرعاية السعودية للحوار الاخير بين بعض اقطاب السياسة في البلد من الفريقين المتنازعين على الموقف من سوريا.
وإذا كان مما رامه ذلك الحوار ان يكون لسوريا دور في مساعدة لبنان على استتباب الامن فيه وتعزيز استقراره، فإن تصريحات مساعد الخارجية الأمريكية ذهبت الى الايحاء حتى لا نقول الى التصريح بأن مثل ذلك الحوار الذي ترعاه دولة عربية لا يشكل سوى “صفقة” سياسية مع سوريا يدفع لبنان ثمنها من سيادته واستقلاله. سريعا يكتشف المتحدث ان للبنان سيادة يجب ان تحفظ وتصان من أي تدخل خارجي. لكنه كغيره من رجال العهد الجديد في البيت الابيض والخارجية لا يحسب تدخل دولته في شؤون لبنان تدخلا، بل “فعل خير وإحسان” من اجل مصلحة لبنان! وكثيراً ما اطلق على فرمانات امريكا وأوامرها في لبنان اسم “النصائح” تخففاً من ثقل الاسم الحقيقي.
هذه المفارقة الأمريكية في لبنان (التدخل في سيادة البلد واستقلاله والاعتراض على أية مبادرة عربية حيال لبنان) تبدو مجسما صغيرا لتلك المفارقة (الأمريكية) الفاضحة في العراق: احتلال البلد واسقاط دولته وإلغاء استقلاله وسيادته والاحتجاج في الوقت نفسه على “التدخل السوري” في شؤونه! والمفارقة في الحالين تفضح الاخلاقية السياسية الأمريكية والمعايير المزدوجة الحاكمة لها: حق أمريكا الحصري في انتهاك القانون الدولي وتجاوزه والاستهتار به، وإصرارها في الوقت نفسه على وجوب التزام دول العالم كافة بذلك القانون والامتثال لأحكامه! وهي عينها الاخلاقية التي تسوغ لأمريكا الدفاع عن “حقها” (الحصري) في استثناء مواطنيها وجنودها من المثول امام المحكمة الجنائية الدولية، من دون سائر الخليقة، وابتزازها دولا من العالم لانتزاع موافقتها على “حق” الاستثناء القضائي للأمريكيين.
ليس من حق سوريا ان تقيم صلات بالقوى العراقية الوطنية المناهضة للاحتلال، حتى السياسية منها (مثل “هيئة العلماء المسلمين” و”المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي” و”مؤتمر أهل العراق” وزعماء العشائر في الغرب والشمال الغربي..)، لأن العراق “جائزة” أمريكية. وليس من حق مصر او السعودية ان ترعيا حوارا وطنيا بين اللبنانيين من اجل حماية وحدتهم الداخلية، او بين بعض اللبنانيين وسوريا من اجل تخفيف التوتر في العلاقات بين البلدين وحفظ الامن والاستقرار في لبنان، لأن الاخير “جائزة” امريكية. وأمريكا لا تقبل ان يتقاسم معها احد ما هو في حكم “غنيمتها” السياسية والمادية، والتعريب (تعريب المسألتين العراقية واللبنانية) شكل اعلى لمنازعة أمريكا في “غنائمها” لأنه يعيد معضلتي الكيانين الى محيطهما الطبيعي وينتشلهما من مخالب الاستعمال الاجنبي.
الدار العراقية
22/1/2006
حين يكون التعريب تدخلاً في الشؤون الداخلية العربية...د. عبدالإله بلقزيز
