هيئة علماء المسلمين في العراق

وباء إنفلونزا الطيور هل يقضي على البشر؟.. د. أحمد الحقوي
وباء إنفلونزا الطيور هل يقضي على البشر؟.. د. أحمد الحقوي وباء إنفلونزا الطيور هل يقضي على البشر؟.. د. أحمد الحقوي

وباء إنفلونزا الطيور هل يقضي على البشر؟.. د. أحمد الحقوي

تلوح في الأفق صور وباء الإنفلونزا الذي فتك بملايين البشر أثناء العشرينيات من القرن لماضي، تلوح هذه الصور المؤسفة كلما ذُكرت أنباء انتشار أنفلونزا الطيور في أنحاء عدة من المعمورة هذه الأيام. فما هي أنفلونزا الطيور؟ أنفلونزا الطيور هي نوع من الأمراض المعدية والوبائية التي تسببها الفيروسات وتنتشر بين الطيور وإلى حد ما بين الخنازير. وفي الدواجن تسبب هذه الفيروسات نوعين من المرض: أحدهما يتميز بأعراض قليلة الخطورة تزول بعد فترة قصيرة، أما الآخر فيسبب أعراضاً بالغة الخطورة، وتكون نسبة الوفاة بسببه بين الدواجن عالية جداً بل تكون غالباً متحققة في غضون ساعات قلائل.

وفيروسات الأنفلونزا على ثلاثة أنواع ( A, B, C) ونوعا( A, B) هما اللذان يصيبان الإنسان، ويتميز نوع A بقدرته على إحداث وباء موسمي بين الناس ويُشار إلى نوع A عادة في الأوساط الطبية برمزي (H, N) اللذين يقسمان الفيروس إلى أنواع فرعية تصل إلى 16 نوعاً فرعياً من فئة H و9 أنواع من فئة N.

وتُعدّ الطيور المهاجرة والبرية هي الناقل الطبيعي للأنفلونزا من نوع A وتحمله لقرون عديدة من الأجيال دون ضرر لها. وتقوم هذه الطيور البرية والمهاجرة بنقل الفيروس من نوع H5 وH7 إلى الدواجن حيث تحصل فيها تطورات جينية عدة ليصبح ذا خطورة بالغة.

والموجة الوبائية الحالية لإنفلونزا الطيور بدأت في جنوب شرق آسيا عام 2003 وتُعدّ الأكبر والأوسع لهذا الوباء الذي تسبب في هلاك ملايين الطيور والدواجن.

والفيروس الحالي هو من نوع (H5N1) وانتشر بسرعة البرق بين دول جنوب شرق آسيا على الرغم من إهلاك 150 مليون من الدواجن في الدول المتضررة إلا أن القضاء على هذا الفيروس كلياً يحتاج إلى سنوات عديدة.

وإذا كانت بعض الدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا قد استطاعت احتواء الموجة الوبائية فإن دولاً عديدة لا تزال تحت وطأة هذا الوباء المحدق.

ولكن إذا كان هذا الوباء يفتك بالطيور فما شأن الإنسان؟

إن هذا الفيروس من نوع (H5N1) يمكنه الانتقال إلى الإنسان عن طريق الاحتكاك والملامسة المباشرة للدواجن والطيور المصابة أو الأسطح الملوثة بإفرازات وفضلات هذه الطيور.

وإلى هذه اللحظة فإن معظم الحالات التي انتقل فيها الفيروس إلى الإنسان قد حدثت في أماكن ريفية حيث يحتفظ الناس ببعض الدواجن حول بيوتهم وفي مساكنهم.

ويكمن الخطر الأكبر ليس في انتقال هذا الفيروس إلى الإنسان فحسب بل في إمكانية حدوث تطورات جينية على الفيروس تجعله أكثر شراسة وأكثر قدرة على الانتقال من شخص مصاب إلى آخر سليم، وعندها يصبح الأمر خارج حدود السيطرة، ويمكن أن يؤدي إلى موجة وبائية تعم العالم أجمع. ومربط الفرس في هذه الخطورة هو أن كثيراً من الناس بل معظمهم لم يتعرضوا إلى هذا الفيروس طيلة حياتهم، وعلى هذا فليس لديهم أجسام مضادة تقاوم هذا الفيروس، ومن ثم يكون وقعه أشد وأكثر خطورة.

ومع هذا فإن هناك حقائق عن هذا الوباء نسوقها إلى القارئ الكريم من باب التطمين ومنها:

1- إن انتقال هذا الفيروس من الطيور إلى الإنسان لا يتم بسهولة، فمع الأعداد الضخمة من الطيور والدواجن التي أُصيبت بهذا المرض، فإن أعداد الناس الذين أُصيبوا، وتأكدت إصابتهم مخبرياً يبلغ نحو 100 شخص عبر العالم.

وإلى الآن لا يوجد سبب واضح لكون أشخاص يتعرضون لدواجن مصابة فينتقل المرض إلى بعضهم دون بعض.

2- ومن الحقائق المهمة أن هذا المرض لا ينتقل عن طريق أكل الدجاج والدواجن المطبوخة جيداً حتى في الأماكن التي ينتشر فيها الوباء، وحتى البيض لا يمكن استخدامه نيئاً بل لا بدّ من طهيه جيداً في المناطق التي ينتشر فيها الوباء بين الدواجن.

3- ومن الحقائق المهمة أيضاً أن إمكانية انتقال هذا الفيروس من شخص مصاب إلى آخر سليم لا يمكن الجزم بها في الوقت الحالي على الرغم من الدلائل النادرة التي أمكن استقصاؤها في  المناطق الموبوءة، ولكن ينبغي التنبيه على أن استيطان المرض في بعض المناطق الآسيوية يزيد من فرص انتقاله إلى الإنسان. ومع كل حالة جديدة مصابة بإنفلونزا الطيور فإن الفرصة باقية لحدوث تطورات جينية في تركيبة الفيروس تجعل من مسألة انتقاله بين بني البشر وحدوث كارثة وبائية مجرد مسألة وقت ليس إلا.

4- ومن الحقائق المهمة أن كثيراً من الناس الذين يصابون بهذا المرض يحملون الفيروس في إفرازاتهم المخاطية والتنفسية حتى قبل ظهور أعراض المرض عليهم.

5- ومن الحقائق المهمة أن مصل الإنفلونزا المتوفر في الأسواق حالياً لا يحمي من هذا المرض، ولا يزال العمل جارياً في شركات الأدوية لإنتاج مصل فعّال يقي بإذن الله من هذا المرض.

ولكن من الأمور الجيدة أن هناك دوائين متوفرين في الأسواق حالياً هما (اوسيلتامافير المعروف تجارياً بتاميفلو) و(زانامافير المعروف بريلينزا)، وهما قادران بإذن الله على تخفيف حدة المرض وتقليل قدرته بشرط أن يُعطيا خلال 48 ساعة من بدء الأعراض.

ولكن محدودية إنتاج الدوائين وغلاء أسعارهما يجعلهما في معزل عن الوصول إلى كثير من دول العالم إذ تحتاج شركات الأدوية إلى عشر سنوات تقريباً لإنتاج دواء مثل (تاميفلو) يكفي 20% من سكان العالم.

ومع هذا فإن تقارير منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن العالم غير جاهز للتعامل مع هذا الوباء على الرغم من التحذيرات المتكررة خلال العامين المنصرمين.

وحسب هذه التقارير فإن 40 دولة فقط استجابت لهذه النداءات وبدأت بإعداد خطط مبكرة لاحتواء الوباء وشراء الأدوية المناسبة ومنها المملكة العربية السعودية التي بدأت بتشكيل لجان عدة تقوم بالتنسيق لاحتواء هذا الوباء قبل وصوله.

ولكن يبقى دور المجتمع في الاحتراز من هذا المرض، وأخذ الاحتياطات الممكنة، والإبلاغ عن الدواجن والطيور المريضة والنافقة، وتجنب صيد الطيور المهاجرة؛ لأن الأمر ليس مسألة شخصية فحسب بل هي قضية عالمية تهم البشر جميعاً.

د. أحمد الحقوي: استشاري مشارك أمراض معدية / مدينة الملك فهد الطبية - الرياض

الإسلام اليوم
21/1/2006

أضف تعليق