هل حقاً يشهد البيت الأبيض ردة أصولية، سلفية، غيبية، في حقبة العولمة؟!
وإذا صح هذا التساؤل الاستنتاجي وأصبح تساؤلاً تقريرياً، فهل معنى هذا أن الرأسمالية في حقبة العولمة تراجعت إلى الغيبيات والخرافات أم إن مستوى التطور الاقتصادي والعلمي في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة قطع مع هذه الأمور وبالتالي لا يمكن العودة إليها؟!
وإذا كان هذا القطع صحيحاً، فهل يعني هذا أن البيت الأبيض ليس إلا ديكوراً في السياسة الاميركية، وأن هناك تقسيم عمل في الطبقة الحاكمة الاميركية ليس نصيب البيت الابيض منه سوى إعلان القرارات التي تتخذها كبريات الشركات العسكرية والمدنية في حين يكون دور الكنيسة هو الديكور الغيبي لمصالح الشركات؟!
قد يُلقي تعيين بوش في مدة رئاسته الأولى ضوءا مفيداً في هذا الصدد حيث جرى تمرير التزوير والضغط على آل غور مرشح الحزب الديمقراطي بأن يُبايع بوش على مضض، ففعل! أما كيف أُعيد انتخاب بوش ثانية؟، فهذا أمر آخر مرتبط هذه المرة بالوعي السياسي البائس للمواطن الأميركي وبكيفية تحكم راس المال بمدنية ذلك المجتمع.
تفترض الرأسمالية أمرين يبدوان متناقضين، ولكنها تعقد تصالحاً فيما بينهما يصل بهما حد التكامل، تصالح يرقى في غرابته إلى درجة المفارقة، والأمران هما:
أولاً: إن الراسمالية قد تجاوزت الخرافات والأساطير لا سيما فيما يتعلق بالانتاج والعلاقات الاجتماعية وخاصة الانتاجية منها.
وثانياً: لقد وصلت هيمنة راس المال على المجتمعات الغربية درجة سمحت لها بالتحكم في الدين وتطويعه لصالح راس المال، راس المال يحتل الدين، وهي هيمنة إلى درجة أن الراسمالية أخذت تسمح بالاساطير والخرافات الدينية لأن هذه الخرافات لا ترقى إلى درجة عرقلة الربح، بل تجعل ذلك سهلاً وأكثر سهولة. وإلا فما معنى اقتناع الشارع الأميركي بأن الجندي الاميركي ذهب الى العراق ليدافع عن الديمقراطية؟! وربما هناك تثقيفاً سريا مفاده أن هذا الجندي ذهب إلى العراق للدفاع عن المسيحية الغربية؟!
وبهذا المعنى لا نعتقد قط أن اللوثات الغيبية لدى الرئيس الاميركي الحالي هي التي تحكم سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق أو اي مكان آخر في العالم، ولكن حيتان الشركات الكبرى تستخدم هذه اللوثات الدينية وتغذيها لأنها تنتهي في آخر المطاف إلى تحقيق الربح الاقصى والنهب الاقصى من البلدان الأخرى لا سيما النفطية!!.
وهل هناك أفضل لهذه الشركات من كون الرئيس يحلم بأن تتم "مذبحة ارمجدون- مجدو" على يديه، ولكن بقنبلة نووية هذه المرة وليس بالسيف؟!
لعل ما صرح به السيد نبيل شعث نموذج أمثل على ما يدور في رأس الرئيس الاميركي. قال شعث:
"ان الرئيس بوش قال لنا جميعا، أنا اقود مهمة لله. الله قد يقول لي: جورج اذهب وحارب هؤلاء "الارهابيين" في افغانستان، وفعلت ذلك. ثم قد يقول لي: جورج اذهب وتخلص من الطغيان في العراق...وهذا ما فعلته... والآن مرة اخرى، اشعر ان كلمات الله تصل إلي، اذهب لتاتي للفلسطينيين بدولتهم والامن للاسرائيليين، والسلام للشرق الاوسط، وسأفعل ذلك بالاستعانة بالله"!!! (القدس 10/10/ 2005).
وعليه فطالما أن الرئيس بوش قد أجل "منح" الفلسطينيين دولة، فذلك حسب تفكيره لأن الله قال له:
جورج، أجّل دولة الفلسطينيين، ولكن حقق "الأمن" للإسرائيليين وذلك عبر احتلال الوطن العربي فبدأ بالعراق!!.
لا شك ان تفكيراً من هذا الطراز خطير، ولكن خطره الفعلي والمباشر يقع على الشعب الفلسطيني الذي يعيش اليوم حُمّى انتخابات للحكم الذاتي بانتظار أن يرى بوش في المنام ان عليه إقامة دولة للفلسطينيين. ولكن من يدري، فقد يرى في المنام ان عليه "أن يذبح الشعب الفلسطيني ضحية تقربه من الله"؟!!
إن الأمر أوسع وأعمق وأعقد من هذا بكثير. والمسألة أو الخلل ليست في راس جورج بوش وحده، بل هي في مؤسسة الرئاسة الاميركية باسرها دون فارق بين جمهوري وديمقراطي، وهذا ما يعطي سلوك الرؤساء ومواقفهم وسياساتهم مضموناً سياسياً دنيوياً خالصاً لا علاقة له بالغيبيات. فإذا كان ما اوردناه هو "تهجيصات" الرئيس الحالي جورج بوش الجمهوري، فلنقرأ ما كتبه الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر:
يقول الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر في كتابه Keeping Faith ص 274:
"ان الاخلاق اليهودية المسيحية ودراسة الكتاب المقدس هي موضوع مشترك يربط بين اليهود والمسيحيين. وكانت قناعتي بذلك هي جزء من كياني طوال حياتي. وكنت علاوة على ذلك على قناعة بأن اليهود الذين نجوا من عمليات الابادة خلال الحرب العالمية الثانية يستحقون أن يكون لهم وطن، وأن من حقهم أن يعيشوا بسلام مع جيرانهم. وكنت على قناعة بأن إيجاد وطن لليهود هو من تعليمات الرب. ونتيجة لتلك القناعات الدينية والاخلاقية فقد أصبح التزامي بأمن اسرائيل ثابتا لا يهتز...أما الدول العربية فلم يكن لدي اي شعور متعاطف معها. فلم أزر أياً منها ولم تكن لدي أي معرفة باي زعيم عربي"!!.
يتضمن هذا النص ملامح الهستيريا الغيبية والخوف والشعور بالرهبة علماً بأن قراءة الكتب المقدسة يجب ان توحي بالراحة والطمأنينة. وهكذا، مقابل شعور جورج بوش بأن "وحياً" ما يهبط عليه ليقول له دمر العراق، فإن "إله الشر" نفسه يتجلى لكارتر ليقول له واصل طرد الفلسطينيين من وطنهم وامنحه لليهود! وعليه كلما أمعن الرؤساء الاميركيون في قراءة الكتاب المقدس كلما واصلوا تدمير الوطن العربي حفاظاً على الزواج "اليهو- سيحي" الذي هو تزويج دنيوي لا ديني!!.
والطريف في الأمر أن كارتر هذا هو الذي أنشأ قوات التدخل السريع في بلدان النفط العربية ضمن ما اسموه "عقيدة كارتر". فهل كانت هذه القوات بوحي من الكتاب المقدس أو من "الربح المقدس للشركات الكبرى"؟!.
وهل نهب النفط من تعليمات الرب؟! وهذا الرئيس نفسه هو الذي اسماه الرئيس السادات ب "الرئيس المؤمن"!!. أما الأغرب فإن سلطة الحكم الذاتي قد ارتضته مشرفاً على انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية باعتباره مثال النزاهة!!.
وإذا صح ما يقوله كارتر بأن إقامة وطن لليهود في فلسطين هو تعليمات الرب فلماذا لم يسأل كارتر نفسه؟!، وماذا تقول تعليمات الرب للفلسطينيين؟ أم ان الله قد أوكل إقامة دولة للفلسطينيين إلى جورج بوش، ولذلك لم يحصلوا على شيء؟!
وهل يُعقل ان يتمسك الرب بتحقيق "حق تقرير المصير" لليهود دون سائر البشر؟!، أو على الأقل هل الرب ضد حق تقرير المصير للفلسطينيين تحديداً؟!.
لعل ما يلقي بعض الضوء على هذا الأمر ما قاله أحد معلمي جورج بوش الدينيين بات روبرتسون الإنجيلي الجديد بان الله عاقب شارون لأنه أخلى قطاع غزة أو "قسّم أرض الله"!!. ويأسف روبرتسون على أن غياب شارون سوف يحول دون سؤاله لماذا عاقبه الله. ولكن إذا كانت فلسطين هي ارض الله، وليس له غيرها، فماذا عن بقية العالم؟! هل هي أملاك الاباطرة والقياصرة وإبليس؟!
لعل الماساة أن بات روبرتسون شخص مسموع عند عشرات الملايين في الولايات المتحدة، كما ان رئيس الولايات المتحدة يستمع دائماً لدروس دين من رجال من أمثال بات روبرتسون، لذلك فليس في الأمر هزاراً، وعلينا أن ننتظر الكثير والمزيد من الكوارث!!.
كنعان النشرة الإلكترونية
21/1/2006
رأس المال والصهيونية \"إله\" كل رؤساء أميركا.. د. عادل سمارة
