أين الأسلحة؟
لا يتوقف بوش كثيراً عند سعادته بالنصر السريع على العراق. فقد بدأت الأخبار السيئة تتوالى. وأولها كان العجز عن إظهار دليل واحد عن وجود مبرر الحرب الأول: أسلحة الدمار الشامل. بحيث يصير أسلوبه تراجيديا وهستيريا :"لما لم يستعمل صدام أسلحة الدمار الشامل ضد جنودنا كنت منصعقا. ولما لم نجد مخازن الأسلحة بعد سقوط بغداد اندهشت. ولما انقضى الصيف كله دون أن نجد سلاحا واحدا صرت مرعوبا..... لم يكن أحد أكثر مني انصعاقا أو غضبا لما لم نجد الأسلحة. كان يتملكني شعور مرضي كلما فكرت بهذا الأمر ومازلت كذلك".
ثم تتوالى إعلانات الخيبة العامة واعترافات الخطيئة :" ثبت أن معظم استخباراتنا كانت مغلوطة". ولكن هل سيحاسب أحد على هذه الأخطاء الفظيعة؟ لا يمكن "لقد كنا كلنا مخطئين". وعندما يخطئ الجميع لا يحاسب أحد ؟!.
بعد الغزو لم تكن باقي القرارات بشأن إدارة الاحتلال سوى عدد من الأخطاء المتتالية التي يعددها الرئيس السابق دون أن يعتذر عنها "بقلة حياء" غير عادية.
إعلان نصر وهمي
فها هو يعود لخطابه على سطح حاملة الطائرات الأمريكية لنكلن عندما أعلن نهاية العمليات العسكرية قبل أن تقلب المقاومة العراقية الطاولة على انتصاره الوهمي. فيعتبر ذلك الخطاب أيضا "خطأ جسيما". ويتنصل من مسؤولية اللافتة التي كانت وراءه والتي حملت شعار "أنجزت المهمة" فيحمل الخطأ لفريق عمله الرئاسي في تعليق تلك اللافتة وراءه. أما هو فلم يكن يعلم.
ثم يعرج على الفشل في فرض الأمن في بغداد بعد سقوطها "لقد فشلنا في تأمين بغداد" مما أفشل الزعم بإمكانية تحقيق الأمن للعراقيين. ويطلق النار على سياسة اجتثاث البعث الذي يرى أنها كانت سياسة تصفية حسابات قضت على النخبة الإدارية والتعليمية العراقية.
ومقابل هذه السلسلة الرهيبة من الأخطاء الفادحة لا يتمالك في توجيه كلمة " إعجاب" عن المقاومة العراقية فيقول إن "تكتيكاتها :قد نجحت إلى حد ما". وكذلك فعل تنظيم القاعدة. فقد أدى الغزو إلى انفراط الأمن وهكذا اندفع مقاتلو القاعدة إلى العراق بحثا عن "جنة آمنة".
الزيارة المذلة
ونتيجة لسلسلة الإخفاقات ثم بسبب الانتفاضة المذهلة للمقاومة العراقية، تحول النصر العسكري لكابوس. وتغير موقع الرعب من فريق لفريق. ولعل رواية بوش عن ظروف زيارته الأولى للعراق بعد احتلاله تغني عن أي تعليق.
فبعد اتخاذه قرار تلك الزيارة تحول الأمر إلى ما يشبه قصص الجواسيس الخيالية. فباستثناء زوجته لم يطلع أحدا على السر. وأعلن في الإعلام أنه سيقضي أعياد الفصح في مزرعته في كراوفورد. كانت خطته "في يوم الأربعاء أتسلل (لاحظوا الكلمة slip out) من المزرعة وأطير لبغداد". أعلم ابنتيه نصف ساعة فقط قبل المغادرة فقالت له ابنته باربرا " أنا خائفة يا أبي".
صعد مع كوندوليزا في سيارة عادية لتشتيت الانتباه. واعتمرا قبعتي بايزبول محشورة نحو الأسفل لإخفاء وجهيهما. ثم انطلقا نحو المطار. لمزيد الحفاظ على السرية لم ترافقهما شرطة المواكبة التي تفتح عادة الطريق للموكب الرئاسي فعلقوا في زحمة السير ورغم ذلك وصلوا في الموعد المحدد لأنه من المهم جداً من وجهة النظر الأمنية الوصول لبغداد عند حلول الظلام.
في قاعدة أندروز الجوية غيروا الطائرة الرئاسية بالطائرة الاحتياطية وأقلعوا في اتجاه العراق. كانت الطائرة الثانية محملة برجال المخابرات وعدد من الصحفيين الذين "أقسموا على الحفاظ على سر" الرحلة.
"نمت قليلا خلال الرحلة التي تدوم 10 ساعات ونصف. لما اقتربنا من بغداد أخذت حماما وحلقت ذقني وذهبت إلى مقصورة القيادة لأشاهد الهبوط. كان الكولونيل مارك تيلمان في دفة القيادة.وهو محل ثقتي الكاملة. وكما كانت لورا تقول دائما "مارك هذا يستطيع بلا شك الهبوط بهذه الطائرة"...كنا قلقين من الصواريخ أرض-جو"...ورغم تطمينات العسكر بأن منطقة شاسعة حول مطار بغداد وقع تأمينها "كان الجو في الطائرة قاتما...ومع بداية الهبوط...أخذ عدد من أعضاء فريقي في الصلاة".
هكذا يسافر رئيس أعظم دولة في العالم وكأنه أحد السراق الملاحقين من طرف الشرطة. متخفيا في ضيعته في قلب امريكا. خائفا ومرتعشا هو وفريقه في الطائرة. هل ذكر التاريخ لنا مشهدا واحدا مماثلا؟ هل هكذا يدخل "المنتصرون" الظافرون العاصمة التي احتلوها بجيوشهم الجرارة؟ كيف سيحفظ المؤرخون الأمريكيون هذا المشهد وأين سيبوبونه؟ الأكيد في غير باب الانتصارات.
ما تبقى من الفصل حول العراق هو هذيان يستحق الشفقة؟ فها هو بوش يتساءل:
"لست أفهم كيف ينكر أي كان أن تحرير العراق أدى إلى تقدم قضية حقوق الإنسان" في العالم.
وتطلع له أشباح منتقديه فيحاربهم بحجة أخرى غريبة يسلم فيها أمره للقدر: "ولكن آفاق التاريخ واسعة فإذا صار العراق ديمقراطية فاعلة بعد 50 سنة من الآن ستبدو تلك السنوات الأربع الشاقة بشكل مختلف". وما أدراه أن العراق لم يكن ليصير بعد نصف قرن ديمقراطية بأسبابه الداخلية دون تلك الحرب المجرمة الكبرى؟
مذكرات بوش الصغير ....دليل اتخاذ القرارات الخاطئة... محسن مرزوق
