هيئة علماء المسلمين في العراق

القلق من الآتي ... زهير المخ.... صحيفة الراية القطرية
القلق من الآتي ... زهير المخ.... صحيفة الراية القطرية القلق من الآتي ... زهير المخ.... صحيفة الراية القطرية

القلق من الآتي ... زهير المخ.... صحيفة الراية القطرية

ينتحل العراقيون الأمل قناعاً لهم في عيد رأس السنة، كعادتهم كل عام، دون أن يكون لهم يوماً اطمئنان إلى غد، ولا قدرة على التخطيط للآتي: هم باقون على قيد الحياة يراكمون الأيام ولا يعيشون مسارا لهم فيها، وبالتالي لن تكون رأس السنة مفترقا بين عام انطوت فصوله الدامية وآخر لا يستطيعون التكهن بما يحمله من مفاجآت، بل فاصل بين تراكمات،. والأمل بالعام الجديد ابن اللحظة، وليس مؤشر اطمئنان .
والواقع أننا نعثر في السلوك الذي تعبّر عنه الطبقة السياسية العراقية، على المصادر البعيدة لعدم الاطمئنان من الآتي، وهي، في وجهها الآخر، أزمة الهوية الوطنيّة الجامعة نفسها، وأزمة عجزها عن توليد إجماعات مُلزمة لمكوناتها الرئيسة.
حال هذه المكونات ليست أسوأ من حال معشر العراقيين جميعاً، وإن تميزت في التصرف به انطلاقاً من حسابات فئوية أو طائفية ضيقة، فيما الآخرون لا يزالون أسرى استخدامهم في هذه اللعبة، وأوراقا في سداد الأثمان الباهظة.
وإذا كان ثمة تمايز في هذا الشأن فمرده حدود القسمة بين المكونات التي تمنح حصانات غير مرئية ومتاريس غير ملحوظة تمنح بموجبها توزيعاً للسلطة والثروة، ما يسمح لنا بإعادة الاعتبار إلى الرابط الوثيق بين استمرار عدم اطمئنان العراقيين إلى غدهم والسعي الدؤوب لهذه المكونات على تقويض الدولة وتعطيل مؤسساتها بغية مصادرة احتكارها للسلطة والشرعية، وهو ابتداع لا تنظمه قاعدة ومكتسب لا يحميه منطق.
واقع السياسة العراقية اليوم، ينبئ بما كانت عليه بالأمس، ويتحكم، بشكل أو بآخر، بآفاق المستقبل، الذي لا يمكن استشرافها إلا بأسئلة الإبهام، ولا تتاح مقاربتها إلا بعلامات الاستفهام. هذه الخلاصة الواقعية الصعبة، هي الحصيلة الممكنة، التي يمكن الخروج بها، من معاينة سلوك أقطاب الانقسام الأهلي الذين يدركون أقلّه أن الحرب الأهلية لا تحدث فجأة، ولابد لها من تمهيد وتحضير لها.
ولكي تندلع الحرب الأهلية مجدداً لا بد لها من شروط وبيئة سياسية مواتية، تبدأ بنبذ مبدأ التسامح أو العيش المشترك من الحياة العامة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلا بتقليص "المساحات المشتركة" التي يلتقي فيها أبناء الوطن الواحد ويتفاعلون في ما بينهم مؤسسين حيّز الاجتماع المدني العام الذي ينمو فيه حس المواطنة، واستبداله بـ"الحيّز الخاص" للجماعات الأهلية المتخاصمة. ولا بد أيضا من وسائل إعلام تعمل على طمس الذاكرة التاريخية للعراقيين من خلال إغراق الوعي بذاكرة انتقائية وآنية يطغى عليها الحدث اليومي ضمن سياق الفعل ورد الفعل.
والواقع أن المكونات السياسية العراقية بمختلف اتجاهاتها ومنابتها الفكرية والسياسية تمثل مجتمعها وتعكس بنيته الاجتماعية السائدة، وتحمل في أحشائها ذهنية البيئة الطائفية والإثنية، لكنها تقوم بتغليفها بديباجة وطنية أو إيديولوجية، تمثل عمليا قشرة خارجية، لا تلبث أن تسقط عنها الأقنعة، عندما تنشب الأزمات وتستعر النزعات، ليس لعلة في هذه المكونات، كما قد يظن البعض، بل لأن البنية المجتمعية، وتركيبة الجماعات الأهلية عوامل تمثل باجتماعها قدرة فائقة على تذويب الوطنية في الطائفية أو الإثنية، وتمييع الإيديولوجيات في المحليات والعصبيات.
اما الاعتزاز بالانتماء إلى الوطن باعتباره حصنا ومناعة بذاته ولما يملك من مقومات تٌراكمها دولة عنوانها سيادة القانون وفصل السلطات، ومواطنون يلتزمون واجباتهم قبل حقوقهم، فذلك أبعد ما يكون عن الهوية الوطنية بمقاييس الدول، وبالتالي فإن مساعي الحلول في الساحة العراقية هي بحث في حلقات تعكس أزمة كل من مكوناته الأهلية، وأزمة علاقة هذه المكونات في ما بينها، في الوقت الذي يبقى العراقيون وقوداً في دوامة لعبة الموت التي يسهل إحصاء ضحاياها لكن من المستحيل حصر تراكماتها.
وها هي المأساة العراقية الراهنة، تردّنا إلى السؤال الأوّل والأصليّ: هل تريد هذه المكونات بناء دولة المؤسسات، أم أنها تريد تدمير بلدها ؟ وهو سؤال يغدو أكثر إلحاحاً حين نرى كيف ينفضّ العالم عن زعامات ثبت بالملموس أنها إنّما تقوّض مجتمعها أكثر بكثير مما توفّر له أسباب العيش المشترك.

التعبير الأكثر وضوحا عن أزمة هذه المكونات هو عقدة توزيع ما تبقى من المناصب الحكومية. هذه الأزمة مركبة: أزمة مؤسسات الدولة التي لم تعد قادرة على إنتاج عملية سياسية طبيعية، وفي الوقت نفسه أزمة الطبقة السياسية العراقية غير القادرة على تحديد صفتها ووضعها، والعاجزة عن تصور مستقبل للهوية الوطنية بين الهويات الأخرى. فالانقسام الحاصل في صفوف هذه الزعامات اليوم لا يعكس فقط التنافس على توزيع السلطة وتوزيع الثروة بالتبعية فحسب، وإنما يعكس العجز أيضا عن تصور صيغة جامعة لمعنى الهوية الوطنية الجامعة. وباتت السياسة، بالنسبة إليها، مجموعة تكتيكات وتحالفات، وليست تفكيرا في معنى دولة المؤسسات.
إن اجتماع هذه الصعوبات يجب أن يدفع نحو تأثيرات وقائية لبدء مرحلة "عقلنة" الخطاب السياسي العراقي، والسعي للبحث عن حلول تجنب البلاد ومن فيها المزيد من التشرذم والانقسام، وذلك يستدعي، قبل كل شيء، إعادة أحقية المواطنة أو الهوية بصفتها مفهوماً حضارياً ملزماً لا يجوز التصرف به انطلاقاً من حسابات فئوية أو طائفية ضيقة.
أما مشروع الدولة المؤجل فهو يبدو اليوم حاجة وجودية للعراقيين، ظالمة كانت أم عادلة، قوية كانت أم ضعيفة. فمشروع الدولة هو المدخل الإلزامي، وقبل كل ذلك هي المخرج الوحيد لكي يعيد العراقيون العام الجديد وهم مطمئنون بما سيحمله متنه، وليتجنبوا الانزلاق إلى حرب أهلية لا تزال تدق الأبواب.

أضف تعليق