هيئة علماء المسلمين في العراق

عولمة بجدران -- معن بشور
عولمة بجدران -- معن بشور عولمة بجدران -- معن بشور

عولمة بجدران -- معن بشور

قبل سنوات خرج علينا منظرو العولمة ليتحدثوا عن عالم جديد لا حدود فيه ولا سدود، تحكمه حالة انسياب كاملة للمعلومات والافكار والرساميل والبضائع والاشخاص وتتراجع فيه سيادات الدول امام مشاريع الشركات، ويتحول ال عالم بأسره الى قرية الكترونية صغيرة يتناقل سكانها اخبار بعضهم بعضا بشكل فوري ويتفاعلون معها بشكل غير مسبوق.
 
  ولم يتأخر تفسير الحلم “المعولم” كثيرا، فإذا بنا بعد 11/9/2001 نرى العولمة، التي قدموها لنا عولمة تجارة واعلام وثقافة وسياسة، تتحول الى “عولمة امنية “ تستورد فيه دول “عريقة” في الديمقراطية كل اساليب السلطة الامنية في دول العالم الثالث، ويتحول الانسياب الموعود في المعلومات والبضائع والرساميل والاشخاص، الى انسياب دموي للجيوش والاساطيل والحروب المتنقلة والى قيود تتزايد على حركة البشر والى رقابة متصاعدة على حركة تحويل الاموال، ولم ينحصر التضييق على شعوب “الاطراف”، خصوصا في العالم العربي والاسلامي، كما يبدو للوهلة الاولى، بل اتسع ليشمل مواطني المركز انفسهم الذين بدأوا يشكون من تضييق على حرياتهم العامة والخاصة، ومن تدخل في خصوصياتهم، وتنصت على مكالماتهم باسم ما يسمى “الحرب على الارهاب” التي تذكرنا بشعارات الانظمة التوتاليتارية المعروفة “بالحفاظ على الأمن القومي”.
 
  ولم تكتف العولمة بهذا القدر من الابتعاد عن منطلقاتها النظرية الاصلية، بل بتنا نرى جدرانا عازلة تقوم بدلا من ان نرى حدودا تنهار، فأقام الصهاينة ابناء العولمة والمروجون لها جدارهم العنصري ليفصلوا فلسطين، واقام المحتلون الامريكيون جدارا فاصلا على الحدود العراقية.
 
  السورية، ليبدأوا بإقامة جدران فاصلة حول المدن العراقية نفسها، كما هو الحال مع مدينة “الصينية” القريبة من “بيجي”.
 
  ولم تنحصر ظاهرة الجدران هذه في منطقتنا العربية الاسلامية بل وجدناها ايضا تعتمد بين الولايات المتحدة والمكسيك تحت ستار منع التهريب، وربما من اجل منع تداعيات الثورة الديمقراطية الحقيقية المتنامية التي تشهدها امريكا اللاتينية والتي نجحت في اخراج ثلاثة ارباع سكان “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة الامريكية من نطاق الانظمة الخاضعة للهيمنة الامريكية، وكان آخرها فوز موراليس في بوليفيا وزياراته الاولى الى فنزويلا وكوبا والصين محددا بذلك وجهته السياسية الواضحة.
 
  “عولمة بجدران” بدأت تقوم اذن في عالم اليوم، ولم تنحصر الجدران بما يقوم على الحدود بين الدول وداخلها فحسب، بل اتسعت لتشمل العقول والنفوس عبر غزوات اعلامية وثقافية، تنكشف كل يوم الكلفة الباهظة لها، والاساليب الملتوية في ادائها، والعدد الكبير من ضحاياها الصحافيين، والاغراءات المقرونة بالتهديدات لوسائل الاعلام، كي يعيش العالم كله في ظل اعلام يذكر باعلام انظمة الحزب الواحد، والرأي الواحد. والفكر الواحد، فتتعدد الشاشات فيما الصورة واحدة، وتتوزع الاصوات بينما القول واحد، وتتكاثر الاقلام ويبقى التوجيه واحدا.
 
  فماذا بقي من “العولمة” التي ارادوها نظاما دوليا جديدا للعالم يقارب الحرية المطلقة، فإذا بها تتحول الى مزيج من انظمة القرون الوسطى ومحاكم التفتيش، ورمزها جوانتانامو وابو غريب، ومن عصور “الحكم الإلهي” التي ادعت قيام علاقة مباشرة بين الحاكم والله ورمزها خطب الرئيس الامريكي بوش، وبين دعوات العنصرية الممتدة حروبا منذ الفرنجة الى حروب الاستعمار مرورا بحروب النازية والفاشية، وصولا الى حروب استباقية تقوم على تدمير الاوطان واستئصال الافكار واجتثاث الجماعات المناوئة.
 
  ماذا بقي من ايديولوجية العولمة الاستعمارية اذن؟ وماذا بقي للذين راهنوا على انتصار برنامجها السياسي والعسكري والاقتصادي فجاءهم فشل جيوشها وسياساتها المدوية في العراق؟ وهل مازال في نظر البعض التمسك بالأوطان والثوابت القومية والروحية خطابا “خشبيا”، أم ان الخشبي غير المصقول هو ذاك الخطاب الذي يغالي في التحدث عن المتغيرات دون ان يكلف نفسه متابعة هذه المتغيرات التي تتغير فعلا وكل يوم؟
 
  عولمة انسانية نعم.. عولمة استعمارية لا.
الدارالعراقية
21/1/2006

أضف تعليق