اخيراً وبعد مرور تسعة اشهر على يوم الانتخابات تشكلت الحكومة، ومهما قيل عن كونها ناقصة او كاملة او ان فيها مناصب تدار وكالة ومناصب اخرى لم يجر القرار عليها بعد،
فليس ذلك بالمهم، وليس المهم ايضاً انتظار ان ترشح الكتل عناصر نسوية لشغل بعض الحقائب الوزارية، انما المهم ماذا بعد ان تشكلت الحكومة الخامسة في ظل توافق الاحتلالين الامريكي والايراني وسط خنوع عربي لا نظنه غريباً على الموقف العربي ولا نحسبه جديداً.
تشكلت الحكومة التي قيل عنها انها حكومة شراكة وطنية مع ان كل العراقيين يعلمون انها فعلاً حكومة شراكة لكنها شراكة غير وطنية، فالشراكة في هذه الحكومة لا تختلف عن غيرها، شراكة طائفية واثنية، وشراكة في توزيع المناصب والمكاسب، وشراكة في قبول الامر الواقع السيئ الذي فرضه الاحتلال الامريكي وعززه الاحتلال الايراني شراكة في التخلي عن المبادئ والقيم، وشراكة في شرعنة مشروع الاحتلال، وشراكة في تضليل الشعب.
تشكلت الحكومة فماذا بعد؟ّ هل توقفت المسدسات ذات الكواتم عن الفتك بأبناء الشعب العراقي؟! تشكلت الحكومة فهل توقفت العبوات اللاصقة عن حصد ارواح العراقيين؟! تشكلت الحكومة فهل امن الناس على ارواحهم وممتلكاتهم واموالهم؟! وهل ارتدع السراق عن مداهمة المحلات جهاراً نهاراً وقتل اصحابها وسرقة اموالهم.
تشكلت الحكومة فهل توقف الفساد في دوائرها ومؤسساتها؟! تشكلت الحكومة فهل توقفت المداهمات والاعتقالات والتعذيب والقتل الذي تقوم به اجهزتها الامنية والحزبية وعصابات ايران العاملة في ظلها؟!
تشكلت الحكومة ولعل هناك من يقول كالعادة: اعطوهم فرصة ليثبتوا كفاءتهم واخلاصهم وحسن ادائهم، لكن اخرين يجيبون: ان الكتاب يعرف من عنوانه!!
فمن هم اعضاء هذه الحكومة؟! وما الذي تغير وهل وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وهل وزعت المناصب على اساس الكفاءة والشهادة والمهنية؟!
وهل كان العراق فعلا بحاجة الى هذا العدد من الوزارات؟!. وهل يحتاج رئيس الوزراء الى هذا العدد من النواب ومثله رئيس الجمهورية المجرد من الصلاحيات، فما الذي يفعله نوابه الثلاثة الذين يراد لهم ان يكونوا اكثر.
للاجابة على هذه التساؤلات نقول: ان هناك هدفين اساسيين من وراء هذه التشكيلة ومن وراء هذا العدد الكبير من الوزراء ونواب رئيس الوزراء ونواب رئيس الجمهورية.
الهدف الاول؛ هو القضاء على البطالة في اعضاء الاحزاب والكتل السياسية عن طريق ايجاد درجات وظيفية ومناصب لهم وهذا هدف سامٍ ومهم وهو من اهداف برنامج الحكومة لمكافحة البطالة، اما الهدف الثاني؛ فهو رفع المستوى المعيشي عن طريق رفع دخل هؤلاء الفقراء من الوزارء اعضاء الاحزاب والكتل السياسية وتعويضهم عن حالة الفاقة والحرمان التي عانوا منها في المرحلة السابقة عندما كانوا يتقاضون رواتب غير مجزية من المخابرات الامريكية والبريطانية والايرانية وربما الاسرائيلية لقاء الخدمات التي كانوا يقدمونها لهذه الاجهزة.
وهذا الهدف لا يقل سمواً ولا انسانية عن سابقه ولا يخرج عن اهداف برنامج الحكومة التي تكتمل بإفقار الشعب وسلب حرياته من اجل اغناء هؤلاء الفقراء من كسبة العملية السياسية، وبغض النظر عن الاشخاص ومؤهلاتهم وكفاءاتهم وخلفياتهم ونزاهتهم وسيرتهم في خدمة الاحتلال نقول: هل ان هؤلاء الذين منحوا هذه المناصب الوزارية هم اكفأ الموجودين في الاختصاصات التي ندبوا لها رغم كثرة عدد الموجودين في الكتل والاحزاب المكونة لمشهد عملية الاحتلال السياسية وعلى سبيل المثال لا الحصر هل ان (هادي العامري) يتمتع بالكفاءة والمهنية والقدرة على ادارة وزارة النقل على سعة حجمها المعروفة وهل ان المسؤول عن تشكيل الوزارة لم يجد بين اعضاء الكتل السياسية وهم كثر من هو اكفأ من العامري ليكون وزيراً للنقل؟!
ربما كان هادي العامري رئيس منظمة بدر التي كان فيلق بدر المختص بالاغتيالات والقتل وتصفية العناصر الوطنية بتوجيه من المخابرات الايرانية خاصة الطيارين العراقيين، ربما كان يصلح لاشغال منصب وزارة تسمى وزارة القتل لا وزارة النقل، وكذا الحال فيما يخص (علي الاديب) الذي وضع على رأس وزارة التعليم العالي وهو ابعد الناس عن هذه المهنة بل انه حسب رأي المطلعين على سيرته يمقت كل الاكاديميين واصحاب الشهادات العليا خاصة الوطنيين منهم والمعادين للوجود الايراني في العراق والذين ينوي من بقي منهم في العراق ولم يغادره حتى الآن رزم حقائبه والتهيؤ للرحيل قبل ان ينعى في وسائل الاعلام بفعل كاتم للصوت او عبوة لاصقة. وينطبق المثال نفسه على (نصار الربيعي) وغيره وغيره ناهيك عن (سعدون الدليمي) الذي سبق ان شغل منصب وزير الدفاع في حكومة الاحتلال الثانية وبقدرة قادر اصبح سيد المثقفين يتبوأ منصب وزير الثقافة وعلى قول التعبير المصري يبدو ان الرجل (بتاع كلو).
ومع ان المالكي لم يتمكن من تقديم وزارته كاملة لمجلس النواب وابقى بعض المناصب الامنية خاصة يديرها بالوكالة واعطى وزراءه وزارات اخرى يديرونها وكالة الا ان الصراع على التعيين بمنصب وزير لازال محتدماً فلدى الكتل السياسية الكثير من العاطلين والمزيد من الفاشلين الباحثين عن الحظ في منصب وزير حتى لو كان عنوان الوزارة (وزارة الدولة لشؤون الطرشي والمخللات) فهذه ليست نكتة فما زالت المطالبة بزيادة عدد الوزارات واقتراح وزارات جديدة في وزارة (قارة العراق الاتحادية الفدرالية العظمى) ومنها على سبيل المثال مقترح استحداث وزارة (المناسبات الدينية)!
اما الصراع على الوزارات الامنية كما اسموها كالدفاع او الداخلية فهو على اشده رغم اعلانهم ان الاتفاق على ترشيح مستقلين لها كان شعاراً للجميع غير ان الحقيقة انه لا مستقلون في العملية السياسية اليوم، ولا ندري ما هي كفاءة (فلاح النقيب) مرشح اياد علاوي لمنصب وزارة الدفاع وهل ان العراقية لا تمتلك من هو اكفأ منه واقرب اختصاصاً لادارة هذه الوزارة المهمة والتي تحتاج رغم رأينا وتحفظنا على كل ما موجود في زمن الاحتلال، تحتاج الى شخص يوقف استخدام ما يسمى بالجيش في واجبات قتل الشعب واعتقاله وانتهاك حرماته ومقدساته. وكذا الحال بالنسبة لوزارة الداخلية التي احتفظ بها المالكي لحزبه ولن يعين فيها الا من يثق في قدرته على ارهاب الناس والاستمرار في مخطط القتل والاعتقال والتشريد لضمان هيمنة الموجودين على السلطة.
ونعود الى نواب رئيس الوزراء الذين لا احد يدري ما هي واجباتهم واية ملفات سوف يمسكون خاصة (صالح المطلك) الذي بدا واضحاً في اول اجتماع لمجلسهم الموقر انه منبوذ ومعزول وغير مرغوب فيه رغم الاذلال الذي تعرض له خلال عملية البراءة العظمى التي ردد عباراتها علناً امام الشعب من كل ماضي العراق واعتبره عاراً، ويبدو ان هذه البراءة لم تكن كافية ليكسب رضا المتنفذين في العملية السياسية.
وينطبق الحال نفسه على نواب رئيس الجمهورية الذين يتساءل الجميع عن ماهية الواجبات والمسؤوليات المناطة بهم والتي لا وجود لها ولا اصل لها في الدستور ولا في غيره ويعتقد الجميع ان واجبهم الوحيد سيكون استلام الرواتب الضخمة واستنزاف اموال العراقيين لصرفها على مكاتبهم وحماياتهم وصرفياتهم وسياراتهم وسفراتهم وولائمهم بينما يزداد عدد الشحاذين في العراق بشكل ملحوظ ليدخل موسوعة (غينيس) للارقام القياسية.
قادة الحزبين الكرديين الذين افلحوا في عملية ديمقراطية متميزة باقصاء شريكهم حركة التغيير الكردية من اي منصب وزاري من خلال الضغط على المالكي مازالوا يأملون بالحصول على المزيد من المكاسب والمناصب والتنازلات عن طريق الابتزاز ومن خلال معرفتهم بضعف المالكي وعدم ارتكازه على مقويات ومبادئ صحيحة ووطنية في العمل السياسي المؤطر بالاحتلال الامريكي والايراني.
أما مجلس النواب الذي تُرك المجال لرئيسه (اسامة النجيفي) وفق مخطط معروف ليظهر كفاءته في ادارة جلساته واعطاء صورة مشرقة عنه وعن ادائه المختلف كلياً عن اداء وخط سير المجلس السابق فيتوقع الجميع انه لن يستمر بهذا الزخم وسيعود الى حجمه المحدد له اذا ما وصلت مناقشاته الى المسائل الجوهرية والحساسة والتي يعتبرها الخندق الايراني والامريكي والكردي خطوطاً حمراء وان الاصوات سوف تتعالى من داخل المجلس لايقاف اندفاع رئيسه وحماسه في برنامجه الطموح ليكون فعلاً السلطة التشريعية والرقابية الاعلى في العراق ويعود تابعاً وخاضعاً لاجندة المالكي المحددة من قبل الاحتلالين الامريكي والايراني.
اما قادة الانظمة العربية الذين لا يملكون من الامر شيئاً سوى الرضا بما تقوله ادارة الولايات المتحدة او الخضوع لما تفرضه الاجندة الايرانية التي تهددهم على الدوام في عقر دارهم فقد بدا واضحاً انهم صفر على الشمال في كل معادلات السياسة حتى التي تمس كياناتهم وانهم تحت التأثير والتخدير، ولن يكون لهم دور في موازين القوى على مدى المستقبل المنظور.
ثم تشكلت الحكومة.. فهل يصلح العطار ما أفسده المحتل؟!....كامل العبيدي
