قبل أن نبدأ بالتعليق على استنكار بابا كاتدرائية القديس بطرس في روما للفوضى والدمار وتهديد المسيحيين
وقبل أن نتحدث عن دعوة المالكي لمسيحيي العراق إلى البقاء فيها، يجب أن نذكر من نسي ونبين لمن جهل ونؤكد لمن خالف واختلف أن أول من وضع الشروط والحقوق مكتوبة ومشهودة هو الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه في وثيقته المعروفة والمشهورة بـالوثيقة العمرية والتي شهد عليها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم جميعاً
إنها الوثيقة التي حفظت حياة الإنسان وحرمت المساس بدينه وملته، فها هو الخليفة الفاروق رضي الله عنه يخاطب أهل إيليا ويعطيهم الأمن على أنفسهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، وقال فيها أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا خيرها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، لذلك نقول أولاً لمن دعا مسيحي العراق إلى البقاء فيها؛ لماذا لا يعم هذا النداء أهل العراق جميعاً؟ لماذا هذه الدعوة لا تشمل جميع طوائف الشعب العراقي، الذي لم تحفظ له حرمة مال ولا نفس ولا دين؟ فقد هدمت المساجد وقتل المصلون والمسبحون، وسجن من سجن من أهلها وأعدم الشيخ الكبير والطفل الصغير بلا رحمة ولا ضمير، فأين هذا النداء عن أهل السنة الذين قتل منهم ما يزيد على المليون، وما زال منهم مئات الآلاف بين معتقل وشريد، فها هم مشردون بين الصحاري والبراري، وها هم لاجئون بين كندا والصين، فلماذا لا توجه لهم دعوة للعودة إلى بلادهم؟ ولماذا لا تحفظ عليهم حياتهم وحرماتهم؟ ولماذا لا تعود إليهم أملاكهم وأموالهم؟ ولماذا لا تبنى مساجدهم ويطلق سراح خطبائهم ويحرر سجناؤهم؟
فكل عام تمر عليهم أعيادهم خاوية بائسة، ليس فيها لمحة أمل، ولا فيها دعوة ولا بيان ولو على سبيل المجاملة والمداهنة، وليس من اللزوم أن تكون كبيان رئيس الحكومة الذي وجهه بمناسبة عيد الميلاد، حيث خاطبهم قائلاً نجدد التأكيد على اعتزازنا بإخواننا المسيحيين في العراق باعتبارهم أخوة وشركاء لنا في الوطن والمصير وجزءاً أساساً من التنوع الذي يفتخر به الشعب العراقي على مر التاريخ، وأننا ندعوهم بقوة إلى البقاء في وطنهم والتمسك به والمشاركة في بنائه وإعماره أسوة بباقي أبناء الشعب العراقي
لا نختلف مع هذا النداء، وذلك عندما علمنا أميرنا عمر كيف نحترم الناس على إنسانيتهم لا ديانتهم، وقد أثبتت وثيقته العمرية ما جاء به كتاب الله وسنة نبيه، حيث حرمة الإنسان مهما كانت ديانته ومهما كانت بشرته، لكن ما نستغربه كيف يدعو طائفة للبقاء بشدة وأخرى يبيدها بشدة؟ وكيف يدعوهم أخوة وشركاء في الوطن وآخرون يقطع بينه وبينهم النسب والشراكة؟ وكيف يفتخر بتنوع الشعب العراقي على مر التاريخ في الوقت الذي فيه يبتر نصف الشعب العراقي ويحذفه من على خارطة العراق؟ وهو الأساس المؤسس للتاريخ، وهو الشعب الذي قامت عليه الخلافة، إنه التاريخ الناصع الذي فيه اليوم يختال ويرتع فيه من شطب هذا التاريخ، وشطب فيه مشاعر الشعب العراقي الذي قتل رئيسهم في عيدهم الكبيرمشاعر الشعب العراقي الأصيل الذي قدم لهم رأس رئيسهم يوم العيد
أما بالنسبة لنداء ودعوة الكاتدرائية المسيحية واستنكارها للفوضى وما تعرض له المسيحيون من تهديد، نقول قد كانت الكنائس في حفظ وأمان، وكان المسيحيون شركاء الشعب العراقي في كل منطقة ومكان، بل كانوا شركاء في الحكم، وأن من سفك دماءهم وقتل أبناءهم هم أنفسهم من أشاعوا الفوضى والدمار في العراق، وهم من قتلوا ما يزيد على المليون عراقي، وصار لا بد أن يقتلوا من المسيحيين كي يكون هناك عذر وسبب لقتل مليون عراقي آخر بتهمة الإرهاب، وذلك كما كان سبب غزو العراق هو القضاء على أسلحة الدمار
لذلك نقول لبابا الكاتدرائية ومن وجه دعوة المسيحيين للبقاء في العراق، أن هناك شعباً يقتل كل يوم وأن منه مئات الآلاف مسجونون وآخرين بين مشردين ولاجئين، فيا ليت لهؤلاء بين هذا الاستنكار وهذه الدعوات أن يكون لهم ذكر ولو حتى بضمير تقديره الإنسان
نقلا عن صحيفة الوطن البحرينية
بين استنكار البابا ودعوة المالكي.. أين أهل العراق؟!... نجاة المضحكي
