هيئة علماء المسلمين في العراق

طارق البشري: المحافظون الجدد خطّطوا لتفتيت العراق
طارق البشري: المحافظون الجدد خطّطوا لتفتيت العراق طارق البشري: المحافظون الجدد خطّطوا لتفتيت العراق

طارق البشري: المحافظون الجدد خطّطوا لتفتيت العراق

للمفكر والمؤرخ المعروف المستشار طارق البشري إسهامات هامة في مجال الكتابة التاريخية والسياسية والقانونية، تجعل الحوار معه ذا مغزى وأهمية، خاصة إذا كانت القضايا المطروحة على هذا القدر من السخونة والأهمية. ونحن نطوّف في هذه السطور مع ضيفنا حول قضايا هامة مثل: حل مشاكل الأقليات والعرقيات في بلادنا المسلمة، ورأيه في مجمل الملف القبطي، والدور الخبيث الذي تلعبه الولايات المتحدة في فلسطين والعراق، وكيف يمكن للأمة أن تقاوم هذا الدور. *** ابتلينا في بعض بلادنا العربية بفعل الاستعمار الأجنبي بتعدد الانتماءات والعرقيات والأقليات، وأنتم تطرَحون المواطنة كحل لهذه المشكلات، فكيف نفهم مفهوم المواطنة؟

  لكي نفهم مفهوم المواطنة نحدد أولاً: ما هي الجماعة السياسية؟ ويخيل إليّ أن الجماعة السياسية هي مجموعة من البشر تتصف بوصف معين يجمعها جميعاً ويميّزها عن المجموعات الأخرى، إذا توافر هذا الوصف الجامع لهذه المجموعة المانع من اختلاط غيرها بها، توجد المصلحة العامة المتعلقة بهذه الجماعة، المصلحة العامة لهذه الجماعة لابد أن يقوم عليها جهاز أو إدارة تشخِّصها وتعبِّر عنهاِ، وتحميها من مخاطر الخارج، وتحفظ لها قوة تماسكها في الداخل، وهذا الجهاز هو الدولة.

والاستقراء التاريخي يؤكد أن الجماعات السياسية قد بُنِيت إما على أساس القرابة مثل القبيلة التي تكونت منها الوحدة السياسية، أو على أساس الدين الذي جمع الجماعة السياسية، وتكوّنت على أساسه الدولة أو بالجامع اللغوي أو القومي.
وهذه هي التكوينات الثلاثة الكبرى التي عرفها التاريخ على مدى واسع من السنين.

ولذلك فالمواطنة لا تتعارض مع الجماعة الإسلامية، كما أنها لا تتعارض مع الجماعة الوطنية، فمفهوم المواطنة الذي ظهر في أوروبا هو المفهوم الحديث وظهر مع الثورات القومية، ومع حركات التجمع القومي والترابط القومي التي ظهرت في أوروبا في القرن الـتاسع عشر، وشاع استخدامه وخصوصاً في الثورة الفرنسية لما ظهر.. حيث ظهر على أساس أن المواطنة حق في المساواة داخل هذه الجماعة، بموجب اكتساب الصفة التي تميز هذه الجماعة عن غيرها، فقد صار لي حق في أن أتساوى مع جميع مَن يحملون هذا الوصف داخل هذه الجماعة.

*** لكن إذا كانت المرجعية هي الشريعة الإسلامية ماذا يكون إذن موقف بقية الأقليات أو الطوائف الأخرى؟

  تتصل هذه النقطة بموضوع المساواة. إلى أي مدى نستطيع أن نضمن المساواة لكل المندرجين في هذه الجماعة السياسية؟ وهذا يقودنا إلى موضوع الجماعة الوطنية الذي نشأ تاريخياً عندنا في القرن الـتاسع عشر والقرن العشرين.

فالذي حدث بالنسبة لنا أننا ننظر لتاريخ أوروبا فنجده على مدى خمسة قرون على مسار توحد من إقطاعيات ومدن مستقلة إلى القومية، ومن ولايات إلى دول أكبر، حتى وصلنا اليوم إلى فكرة الاتحاد الأوروبي وهكذا، فهناك دائماً نوع من أنواع التجميع.

أما إذا نظرنا إلى أنفسنا فنجد أنه على العكس هناك نوع من التفتيت، والجماعة الواحدة التي كانت قائمة في القرون السابقة بدأت تتفكك. وكان هذا بفعل استعماري. فالاحتلال والغزو والعدوان الاستعماري صاحَبها تقسيم، ولذلك فدولنا مشكلتها ليست هل هي دول قومية ولا دينية ولا قبلية، لكن المشكلة أننا قُسِّمنا أشلاءً أشلاءً وإرباً إرباً بغير مراعاة لأي من هذه التقسيمات المتعلقة بالجماعة السياسية، لا بقينا قبائل ولا على أساس قومي ولا بقينا على أساس ديني.

والأقطار التي قسمنا الاستعمار إليها لم يتوفر لها بشكل جامع مانع أي من هذه الخصائص التي تتعلق بالجماعة الوطنية أو الجماعة الدينية أو الجماعة القبلية، لم تتعلق بها إنما قُسِّمت على أساس موازين قوى بين الدول الاستعمارية بعضها مع بعض.

وهكذا بدأت حقوق المواطنة في بلادنا بشكل مختلف، فحينما ابتلينا بالاستعمار حدثت المقاومة الشعبية التي جمعت هذه الوحدات المختلفة، فمن تشارك من أهل بلد معين لمقاومة هذا الاحتلال وتحرير أرضهم من الغزو وتحرير الإرادة السياسية من الضغوط الخارجية عليها فقد صاروا جماعة وطنية، بمعنى أنها تضم مشاركين في أمر استقلال بلادهم ومواجهة الضغوط الخارجية عليهم والتخلص من هذه الضغوط بالنسبة لهم. بالنسبة لمصر مثلاً نشأت هذه العلاقة وهذا التعاون بين المسلمين والأقباط في هذه المعركة، ولذلك أصبح الأقباط جديرين فعلاً بأن يكونوا جزءًا من هذا التكوين من هذه الجماعة الوطنية المصرية بهذا الشكل.

*** لكم اهتمامات بالشأن القبطي. كيف ترى المنهج الذي تتخذه القيادة القبطية في مصر؟

  إدارة المؤسسة القبطية صارت في السنوات الثلاثين الأخيرة إلى احتكار الشأن القبطي، وصارت إلى الفوز وهي تؤول إلى الاستقطاب، واتخذت هذا الأمر بضاعة لها ومهنة، وإن كان على حساب الصالح المشترك للجماعة الوطنية بعامة، ومنهم المواطنون العاديون من الأقباط. علينا أن نتلمس نوعيات التثقيف التي تلقنها الإدارة الكنسية للشباب، ولا أقصد بها الجوانب الدينية اللاهوتية، فهي ليست محل نظر هنا وهي كذلك معروفة ثوابتها وأصولها وكتبها وطقوسها وترانيمها .. معروف كل ذلك منها بالقدر الكافي لإدراك أوضاعها وحدودها.

إنما المقصود هنا بالتثقيف هو التوظيف الثقافي التربوي الذي يشكل النظر الجمعي والسلوك الجماعي تجاه المواطنين والآخرين، وتجاه العالم خارج نطاق أهل العقيدة والمذهب، والحقيقة أن ما أمكن تلمسه في هذا الشأن في السنوات الأخيرة لا يدعو للاطمئنان.

يكفي هنا أن أشير مثلاً إلى كتاب نُشِر في 1995 بعنوان "وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها" أعدّه الراهب القمص أنطونيوس الأنطوني، وعرض فيه لتاريخ القبط منذ الفتح الإسلامي العربي لمصر، عرضه وتابع وقائعه وأحداثه بما يقيم تعارضاً وتضارباً بين أقباط مصر ومسلميه من المواطنين على طول هذا التاريخ من القرن السابع الميلادي حتى الآن. وهو يذكر في مقدمة الكتاب أنه يوضح للأقباط سلالة المصريين القدماء كيف أصبحوا أقلية في بلدهم، ولماذا تدهورت قوميتهم وانقرضت لغتهم. وأن الأهواء الدينية في الشرق لم تفقد من حدتها بين المسلمين والأقباط، وإن كانت فاترة في الظاهر فإن القلق المكبوت ما زال جاثماً.

وليس مهماً أن كتابا يصدر بأي رأي أن يزكيه صاحبه، ولكن وجه الدلالة أنه صادر من راهب قمص، وأنه يهديه إلى الأنبا شنودة الثالث قبساً من علمه الغزير ونبتاً من غرسه النامي العتيد. أي أن هذا النوع من العلم يذكر صاحبه أنه يقتبسه من علم الأنبا شنودة وأنه نبت من غرسه.

والمهم أنه بهذا العلم ومن هذا الغرس، فإنه في الوقت الذي يذكر فيه أن صلاح الدين الأيوبي المدافع عن استغلال الشرق ضد العدوان الأوروبي الفرنجي "اضطهد النصارى وشجعت أفعاله رعاع المسلمين على اغتصاب عدة كنائس"، في الوقت ذاته يقول المؤلف عن نابليون بونابرت وغزوته على مصر: إنها أول مرة منذ الفتح العربي تحكم مصر دولة مسيحية.

والكتاب كله من أوله إلى آخره يعيد بناء تاريخ مصر بصفة أن للقبط تاريخاً خاصاً منفصلاً عن تاريخ المسلمين فيها، ويتخذ معايير للحكم على الأحداث يتناقض فيها صالح القبط مع صالح جيرانهم المسلمين الذين لا يتمتع القبط بالمساواة معهم، وأن تعبير جيرانهم المسلمين مأخوذ من الكتاب.

ليس من الفتنة الحديث عن الإدارة الكنسية لكونها مؤسسة وطنية موجودة، ففي سياستها التي لا تتعلق بالعبادات والنواحي الدينية نستطيع أن نتكلم ونحدد الصواب والخطأ فيها كشأن وطني عام مثلما نتحدث عن الأزهر ونهاجم شيخه. وكذلك رئيس الجمهورية وأسرته، فليس معقولاً أن تكون الإدارة الكنسية هي الوحيدة العصية على النقد والمواجهة فيما يتعلق بسياساتها المتعلقة بالجماعة الوطنية.

*** وما رأيكم في الدور الذي يلعبه أقباط المهجر؟

  أصبح أقباط المهجر عنصراً موجهاً للشأن الطائفي الذي نراه الآن، وهناك علاقات واضحة بينهم وبين الإدارة الكنسية في مصر مثل: المساعدات التي يقدمونها، ولا أريد أن أزيد في هذا.

أقباط المهجر عنصر رئيس في رسم مخططات وسياسات الإدارة الكنسية، ومؤثرون في صياغة الرأي العام القبطي ويعدون الشأن القبطي خاصاً ومتميزاً وبعيداً إلى حد ما عن متطلبات الجماعة الوطنية.

*** كيف يمكن مقاومة نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية بعدما انفردت بالعالم وأصبحت قوة عسكرية مخيفة؟

  إذا كانت هناك هيمنة أمريكية على مقدرات عالم اليوم، تظل هناك إرادات وطنية قائمة، وستجد أوروبا ليست منصاعة تماماً لأمريكا ولها حدود معينة في هذا الشأن مثل فرنسا وألمانيا، نجد روسيا أيضاً ليست منصاعة على الرغم من أنها في حالة من الضعف الشديد، ستجد الصين تعمل بشكل مختلف وإيران وكوريا الشمالية، وهناك معارضة متنامية لسياسات الولايات المتحدة من غالبية دول أمريكا اللاتينية.
أي هناك مجالات معينة نستطيع بها أن نصون الجوهريات والأساسيات، وإذا زاد الضغط علينا عن حد معين لابد أن نقاوم، وأكبر مثل لهذا الفلسطينيون، فإذا حسبنا بالسياسة والاقتصاد وكل شيء، فإن قدرتهم على مواجهة الصهيونية وإسرائيل المؤيدة من الولايات المتحدة ضعيفة، ولكنهم يقاومون وقادرون على التعبير عن أنفسهم والتأثير في الساحة وإيلام خصمهم.

*** البعض يقول: إن أي دولة ستقاوم التوجهات الأمريكية سيكون مصيرها مثل العراق وبعض الدول المهددة من الولايات المتحدة مثل إيران وسوريا وغيرها؟

  المقاومة أصبحت في يد الشعب وليست في يد الحكومات، فلا تيأسوا ..الأمة في قمة ازدهارها،هذا أمر يلقي علينا تحديات، والهجمة الأمريكية لم تؤثر في هذه الحالة.

وطالما أننا قادرون على أن نتوحّد وأن نواجه الأخطار الخارجية بعزم وصلابة وتضحيات كافية، فنحن في خير إن شاء الله.

*** على الرغم مما تفعله بنا الولايات المتحدة الأمريكية مازال كثير من السياسيين العرب يراهنون على الموقف الأمريكي لحل قضايانا... كيف تنظرون إلى هذه القضية؟

  أمريكا تساند إسرائيل عياناً جهاراً في قتل وتدمير الشعب الفلسطيني بشكل لم يحدث إلا مع الهنود الحمر في أمريكا، هتلر النازي لم يصل إلى هذا الحد من الرغبة في الإضرار والإبادة، مثل تجريف الأراضي وهدم البيوت، الثابت الوحيد في سياسة أمريكا هو مساندة إسرائيل ضد العرب منذ عام 1945 وحتى اليوم، أي (58) عاماً وكانت وراء تهجير (100) ألف يهودي من أوروبا الشرقية إلى فلسطين عام 1946 وهي التي اعترفت بإسرائيل بعد دقيقتين من إعلان قيامها، والذي يُنشر اليوم عن حرب أكتوبر يكشف أنها قتلت جنودنا ولا تجد هذا الثبات ضد أي بلد آخر، كانت ضد روسيا، واليوم في صداقة وهدوء معها، لم تكن تعترف بالصين لمدة (20) عاماً ثم اعترفت بها ومع كل بلاد العالم، هناك تغير في السياسة الأمريكية من شكل إلى شكل إلا هذه المنطقة، سياسة ثابتة شرسة.

*** ما رأيكم فيما يحدث في العراق؟

  ما يحدث الآن هو ترجمة لتخطيط "المحافظون الجدد" في الولايات المتحدة لمستقبل العالم العربي. فالهدف هو تفتيت العراق وإفساح المجال أمام النعرات الطائفية وإحداث فتن بين السنة والشيعة، وهو ما حدث بالفعل . فالسنة لا وجود لهم على الخريطة السياسية، والشيعة هم سادة الموقف سياسياً والأكراد استُجيب لمعظم مطالبهم الاستقلالية، ومنها موضوع الفيدرالية. والدستور العراقي الذي يُقرّ بإشراف وضغط قوات الاحتلال الأمريكي مشابه للدستور اللبناني، فالرئيس يجب أن يكون كردياً ورئيس الوزراء شيعياً، ورئيس مجلس النواب سنياً.

إننا كنا نتحدث في السابق عن " اللبننة" كوسيلة من وسائل نشر الفوضى وعدم الاستقرار في بلد معين، فها نحن نرى هذا كله يحدث في العراق، لكن تزينه دعاوى الحريات والعدالة، وهو أبعد ما يكون عن الحرية والعدالة.

*** المشروع الأمريكي الآن تحوّل من مجرد الهيمنة والتحكم إلى الاحتلال المباشر كما هو الحال في أفغانستان والعراق، كيف تستطيع الأمة مواجهة هذا الخطر؟

  تاريخنا الحديث هو عصر الاستعمار ومقاومته، بل والصفة الأساسية التي يمكن بها تلخيص تاريخنا المعاصر على مدى قرنين من الزمان، هو أننا بلاد مغزوّة، وأنها تريد أن تتحرر من هذا الغزو.

غزت الدول الرأسمالية الكبرى كما هو معروف في الغرب، أوروبية أولاً ثم أمريكية، بلادنا والعالم كله، وأدواتها في الغزو بدأت بالحروب مثل ما جرى مع الدولة العثمانية ثم مع محمد علي، كما استخدمت أسلوب التسرب الاقتصادي والضغوط الاقتصادية، وفي ظل الامتيازات الأجنبية استخدمت أسلوب الهجرات الأجنبية أو الاستيطان، كما حدث في الجزائر ثم فلسطين، واستخدمت أيضاً الغزو العسكري، كما حدث بعد ذلك لمصر وتونس والمغرب وليبيا والسودان ثم سوريا ولبنان والعراق في أوائل القرن العشرين.

في ظل كل هذه الأساليب، كانت هناك حكومات تُهزم أمام التدفق العسكري، وحكومات شعبية تتجمع لتدافع عن بلادها بالسلاح عندما لم يكن هناك بد من استخدام السلاح، وبالوسائل السلمية وعدم التعاون عندما كان يمكن لهذه الوسائل أن تؤدي إلى نتائج.

استقلت كل هذه الدول استقلالاً سياسياً، وحكمتها حكومات وطنية مع النصف الثاني من القرن العشرين، ولكنها بقيت محاصرة من الدول الكبرى، وتمثل أهم مطمعين فيها بالوجود "الإسرائيلي" الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وحِرْص الولايات المتحدة على امتلاك البترول والسيطرة عليه. ثم عادت من جديد أساليب الاستعمار القديم بالغزو المسلح الذي مارسته أخيراً الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وهو ممتد في فلسطين، مهددة به دولاً أخرى مثل سوريا وإيران وغيرهما.

هي مرحلة إذن من مراحل الكر والفر، وقد كتبت كثيراً حول هذه الصورة العامة لأوضح للقارئ أننا لسنا أمام وضع جديد لم نعرفه من قبل، بل هي حلقة من حلقات الصراع الدائم، وأن المقاومة التي تجري سواء في العراق أم فلسطين أم أفغانستان ترسم طريقاً للمواجهة، وتوضح لكل جماهير شعوبنا أننا قادرون على المواجهة.

*** ما رأيكم في الهجوم الأوروبي الأمريكي على حماس، والتهديد بوقف العملية السياسية إذا فازت في الانتخابات البرلمانية؟

  هناك ربط بين وضعية حماس الآن وبين (السيناريوهات) التي أعدتها واشنطن و(إسرائيل) للحد من قوتها وقدراتها السياسية والتنظيمية. تعاظم حماس شعبياً واستطالتها انتخابياً، وعلو صوتها بين القوى والفصائل ومبايعة الشعب الفلسطيني لها، وعلو كعبها فوق فتح أوجد للقوى الغربية محاولات وأد حماس وتصفيتها قبل أن تتضخم أكثر وتصل إلى السلطة.

فضلاً عن الترهل الحاد والفظيع في بنية السلطة، والفساد الذي طاول شخصيات كبيرة، كما تشير الأوساط الإعلامية والتناحر السياسي والأمني بين القادة، كل هذا مهّد الأرض لحماس لكي تغرس شجرتها المباركة الإيمانية والفكرية المنظمة بين المواطنين، وأن تقدم أطروحاتها وبرامجها الواقعية القريبة من آمال وآلام الفلسطينيين، والرافضة لابتزاز (إسرائيل) والولايات المتحدة.

وهذا الهجوم على حماس أظهر التناقض الرهيب في المواقف وزيف دعاوى المطالبة بالديمقراطية؛ إذ كيف أرفض الطرف الأول الفائز في الانتخابات؟

*** إلى أي حد تؤثر القضية الفلسطينية على الأوضاع في الدول العربية؟

  إن فلسطين ذات أثر حاكم لبعض دول الجوار، حيث كانت سبباً رئيساً لسقوط الملكية في مصر بعد هزيمة 1948، وكذلك تقويض النظام السياسي السوري، وهذا درس من دروس علم السياسة، حيث تسقط الدولة إذا أخفقت في الحفاظ على الأمن القومي أو الأمن الداخلي والتوازن الاجتماعي، وهذا ما حدث لمصر بعد الهزيمة 1967؛ إذ تغيرت صيغة معادلة الحكم ورموزه وتوجهاته وأولوياته.

وفي إطار الأنشطة السلمية المشروعة فإن على الدول العربية التحرك في الميدان الدولي والتكثيف الإعلامي ومحاولة إشاعة جو من الوعي، مع عدم الاعتماد على الخصم كحكم "حال أمريكا معنا منذ نصف قرن".

وتتضح نتائج ذلك ـ كمثال ـ في توصيات ميتشيل وتينت وزيني - مبعوثي أمريكا إلى الشرق الأوسط - والتي طالبت المضروب بإلقاء السلاح حتى يتأكد الضارب من نواياه في السلام، ويتوقف عن ضربه.

وفي هذا الإطار المحدود من الحركة وانخفاض سقف المطالب، على دولنا أن توجه قدراتها لنصرة شعبها وحماية مقدراته، وإن كلفها ذلك قدراً محسوباً من المخاطر.

إن إسرائيل في حروبها السابقة كانت تحارب خارج أراضيها، أما الانتفاضة الحالية فهي في عقر دار إسرائيل، وشاملة لكل عناصر الوجود الإسرائيلي. وكما قال (شواين لاي) واصفا المأزق الأمريكي في فيتنام: "إن لحم المعتدِي قد اقترب من أفواه المعتدَى عليهم، وآن لهم أن يتذوّقوا طعمه".

*** الحركة الإسلامية متهمة بأنها تظلم الغرب وتحمله مسؤولية مشاكلنا وتتبنى منهج التفسير التآمري للتاريخ. فما الخطأ والصواب في هذه المقولة؟ وما علاقة ما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان وأفغانستان وفلسطين بذلك؟

  أتصور أن الحركة الإسلامية ليست ضد الغرب بوصفه غربًا أو شعوبًا ليسوا مسلمين، وإنما السبب أنه كان هناك عدوان من الغرب على شعوب العالم الإسلامي على مدى القرنين الماضيين بالهيمنة السياسية وبالغزو والاحتلال العسكري المسلح وبفرض التجزئة على بلادنا وبالتسرب الاقتصادي والسيطرة على هذه الشعوب... فضلاً عن دور الغرب في الجانب الفكري والحضاري الذي شاع في بلادنا ليبعد المسلم عن إسلامه بقدر الإمكان.. وهذا تاريخ وحاصل على مدى عقود كثيرة، ونحن واجهناه بحركات المقاومة المسلحة وبثورات وانتفاضات وغير ذلك.

لقد حدثت مواجهة تاريخية على مدى طويل لا يستطيع أحد أن ينكرها، حتى في الغرب نفسه، والغرب إذا تعامل معنا على أساس من احترام استقلالنا، وأقام علاقات من التعاون والتبادل في المجال الاقتصادي والفكري على أساس من الإقرار بتميزنا الحضاري، وبأن لنا خصائصنا وتاريخنا.. لو حدث هذا ستسقط التهمة من تلقاء نفسها.

ونحن مستعدون أن ننسى الماضي بعد أن يصبح ماضيًا.. لكن وقائع الماضي لا تزال حية في فلسطين مثلاً.. كم كلفتنا هذه القضية؟ وكم أهدرت من طاقاتنا، وبدّدت من إمكانياتنا؟ نحن مستعدون أن ننسى الماضي بشرط ألاّ يتكرر في البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان وأفغانستان والعراق.

أجرى الحوار: عاصم السيد

الإسلام اليوم
19/1/2006

أضف تعليق