أصدرت الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق رسالة مفتوحة الى الشعب العراقي الصابر بمناسبة تشكيل الحكومة الخامسة في ظل الاحتلال .. مؤكدة أنها حكومة ترضية لاطراف حزبية واجنبية .


رسالة مفتوحة
إلى أبناء شعبنا الصابر
بمناسبة تشكيل الحكومة الخامسة في ظل الاحتلال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد:
فبعد مرور سنة تقريبا من المجادلات والمساومات السقيمة التي أعقبت الانتخابات الأخيرة شهد العالم في الأمس الفصل الأخير من مهزلة تشكيل الحكومة الخامسة في ظل الإحتلال، لتكون هذه المرة حكومة ترضية هزيلة بكل ما لهذه الكلمة من معان وأبعاد.
ترضية ـ أولاـ لطرفي المشروع التدميري في العراقي، أمريكا وإيران، اللذين مثلهما سفيراهما من خلال حضور هذا المشهد تحت قبة البرلمان، وهما يوزعان ابتسامات النصر، والشعور بقيمة الإنجاز، على نحو من الصفاقة يصدق فيه المثل: إذا لم تستح فاصنع ماشئت.
وترضية ـ ثانيا ـ للأحزاب والكتل والعناوين السياسية، التي رضيت لنفسها أن تلعب دور الأحجار، واستماتت في سبيل الحصول على فتات الموائد، حتى اضطر اللاعبون الاساسيون ـ في سابقة مثيرة للدهشة ـ إلى تشكيل ما يقرب من خمسة وأربعين وزارة، فيها وزراء لديهم وزارة بالأصالة ووزارة بالوكالة، وفيها وزارات للدولة، وأخرى لا معنى لها ولا عمل لأصحابها ـ فيما يبدو ـ سوى قبض المرتبات، والحصول على امتيازات درجة وزير، وبلغت الترضية حدا من السخرية أن كتلة لها ثلاثة نواب في البرلمان منحت وزارتان!!.
وترضية ثالثة لأطراف دولية وغير دولية لها مصلحة في تدمير العراق وإبقائه هشا ضعيفا، يحلب ضرعه، ولا يداوى جرحه، من خلال تثبيت لعبة المحاصصة الطائفية والعرقية، التي ظهرت في تشكيلة هذه الحكومة على نحو يثير القرف والإشمئزاز.
ومع أننا واثقون أن الحكومة القادمة بهذه التشكيلة، ستكون ـ كما استشرفنا ذلك قبيل الإنتخابات ـ الأضعف لكثرة رؤوسها، وتعدد أقطابها، وزيادة معدلات إسناد المواقع لعناصر غير كفوءة، وعديمة الخبرة أحيانا بإدارة المناصب التي أسندت إليها، لكنها ستكون الأسوء ـ في الوقت نفسه ـ من حيث كثرة الفساد، وتفاقم إهمال توفير الخدمات للشعب ـ المستثنى الوحيد من سياسة الترضية ـ وإبقاء عجلة البناء والإعمار ـ التي تبناها المحتل وأقطاب اللعبة السياسية ـ مسمرة في مكانها، كما أنها ستكون الأخطر من حيث السعي إلى تثبيت أركان المشروع الإجرامي والخطير في تقسيم العراق تحت عناوين الفدرالية والأقاليم، والمضي قدما في التطهير العرقي والطائفي، واستهداف المواطنين الآمنين والأقليات على يد الأجهزة الأمنية بإسناد من قوات الاحتلال، ويكفي أن بطل هذا الجرائم الذي أكدت صحف أمريكية أن له سجونا سرية، وكشفت وثائق ويكليكس أنه متورط في الجريمة حتى النخاع، لم يكتف بإعادة ترشيحه لرئاسة الحكومة، وإنما عهد له ـ زيادة على ذلك ـ بإشغال الوزارات الأمنية سيئة الصيت والتجربة من قبل تحت ذريعة عدم وجود اتفاق على من يشغلها، وهي الدفاع، والداخلية، والأمن الوطني، في رسالة يقدمها كل من المحتل الأمريكي والجار الإيراني لشعبنا مفادها إن المرحلة القادمة بالنسبة لكم هي شر غائب ينتظر، وليس ببعيد أن تبقى هذه الوزارات بعهدته تحت الذريعة نفسها لحين انتهاء مدة هذه الحكومة، وكان الله في عون أبناء العراق جميعا.
لقد قلنا لأبناء شعبنا من قبل إن العملية السياسية في ظل الاحتلال ستجني عليكم، ولن تجني لكم، وإن أصواتكم ستوظف لخدمة المشروع الأمريكي وليس لخدمتكم، وستستغل مشاعركم وحماستكم لصالح أقلية قليلة تعهدت بالسير في فلك المحتل وخانت قضيتكم، وأن ذلك سيكون على حسابكم وأنتم الأغلبية المطلقة، وحساب مستقبلكم ومستقبل أبنائكم، وها أنتم ترون أننا لم نخطىء في تقديرنا، وأننا كنا ناصحين لكم.
هل تعلمون أن كل المرشحين لهذه المواقع خاضوا سلسلة من المساومات، وكان الثمن الذي قبض منهم جراء الحصول على مواقعهم هو القبول بمفردات المشروع الأمريكي الإيراني، والتعهد بتمريرها، وفي مقدمتها مفردة التقسيم، ومن لم يحصل على وزارة تمت ترضيته بحفنة من الدولارات.
هل تعلمون أن معظم المرشحين ينتظرون على أحرمن الجمر لحظة استلام مناصبهم لا من أجل خدمتكم، بل من اجل البدء في ملء الجيوب، ورفع الأرصدة في البنوك الأجنبية، أسوة بمن سبقهم، لاسيما أن كثيرا منهم دفع أموالا طائلة من أجل الحصول على هذا المنصب.
إن هؤلاء هم من جادت بهم العملية السياسية التي علق عليها كثير منكم آمالا، وصبغ أصابعه بالحبر الأزرق ليوصلهم إلى مبتغاهم.
يا أبناء شعبنا الكريم:
إن المرحلة القادمة ستكون أكثر مكرا، وستوجه الأحجار لاتخاذ خطوات مضللة بحقكم، لان المطلوب فيها تمرير مشاريع جد خطيرة مضرة بالبلاد والعباد مثل مشروع النفط والغاز، وتطبيق نظام الأقاليم، الذي هو وصفة للتقسيم، وإنجاز خطوة التقسيم الملغومة وغير ذلك من المشاريع التي يراد منها بيع بلدكم كاملا، فقد تشهدون مبادرات ظاهرها الرحمة، ولكن ثقوا إن من قبلها العذاب.
قد يقدم الخائبون على إطلاق سراح بعض المعتقلين، ولكنهم ما يلبثوا أن يعوضوا السجون بأعداد جديدة من أبنائكم، فلا يخدعكم هؤلاء، وقد يطلقون مبادرات للمصالحة، ليوهموا الرأي العام أنهم جادون هذه المرة فيها، ولكنهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عنها، وعن الجد فيها، فضلا عن أنهم من أفشل مبادرات المصالحة من قبل، ولم يعودوا ـ لما جنته أيديهم من جرائم عظمى ـ أهلا لمثل هذه المبادرات.
وهكذا سيفعلون كل ما بوسعهم من أجل ان يحوزا على رضاكم في تمرير تلك المشاريع الخطيرة التي من شأنها ـ إذا استمرت ـ أن تعدم مستقبلكم إلى الأبد، وتنهي بلدا اسمه العراق على الخارطة الجغرافية في المنطقة، أو يشتروا صمتكم على ذلك في أقل تقدير، فحذار، وألف حذار من الصمت..
يا أبناء شعبنا الأبي:
لم ينته المشهد بعد، ومازلتم تملكون زمام المبادرة في إحراز الغلبة على هؤلاء الأشرار، مازالت أمامكم فرصة لتلقين المحتل ومن معه درسا لن ينسوه، وذلك من خلال إعلانكم رفض هذه المشاريع الباطلة بما تقدرون عليه من وسائل التعبير عن ذلك، واحتضانكم لمشروع المقاومة التي يقوم بها كوكبة من أبنائكم، ولا نعني أبدا من يستهدفكم ويمارس الإرهاب ضدكم، فهؤلاء قتلة مأجورون، بل نعني من يبذل مهجته من اجل حريتكم، ويريق دمه من اجل الحفاظ على دمائكم وأموالكم وثرواتكم، هؤلاء من أصلابكم، ولدوا على هذه الأرض، وشربوا من ماء دجلة والفرات، ولن يخونوا أهلهم، فلا تلتفتوا إلى إدعاءات الكاذبين، وتضليل المحتلين، فلقد كشفت لكم الأيام من يستهدفكم ويضرب مساجدكم وحسينياتكم وكنائسكم، وكشفت الوثائق الدولية من كان يقتل أبناءكم من الطيارين والأطباء وأساتذة الجامعة وغيرهم، ومن كان يقتل على الهوية، ومن الذي يسرق البنوك، ويهرب الآثار، ويهتك الأعراض، ويرتكب بحقكم كل ما على هذه الأرض من موبقات.
إن المقاومة العراقية هم أملنا الباقي بعد الله سبحانه في إزاحة هذا الكابوس المرعب عن كاهلنا، فبها يعود البلد آمنا رخيا مطمئنا، وبها ينفث عنه الخبث فلا يبقي على أرضه أي خوان أو متآمر أو ظلوم، وبها يعود العراق إلى أهله من زاخو إلى الفاو، سنة وشيعة، عربا وكردا، وتركمانا، مسلمين ومسيحيين، وكل الأطياف الأخرى، فلنكن لها سندا تكن لنا درعا من الأخطار، ولنكن لها حضنا تكن لنا ينبوعا من العطاء والتضحية والوفاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأمانة العامة
15 محرم /1432هـ
22/12/2010م
رسالة مفتوحة الى الشعب العراقي بمناسبة تشكيل الحكومة الخامسة في ظل الاحتلال
