لو كان مسعود البرزاني يتحدث في اجتماع اقتصر على اعضاء حزبه الديمقراطي الكردستاني لوجدنا للموضوع تخريجة ولقلنا ان هذا شأن حزبـي بحت وان
الحديث يأتي في مؤتمر حزبي يناقش ايديولوجية حزبية وستراتيجية حزبية، خاصة ونحن نعلم ان الاحزاب في منطقتنا العربية غالباً ما تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول، غير ان الامر قد اختلف كثيراً ويحتاج الى وقفة جادة ومراجعة دقيقة لما وراء كلمات مسعود البرزاني التي ضّمنها خطابه خلال افتتاح مؤتمر حزبه وامام (قادة العملية السياسية في العراق وفي مقدمتهم جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الذي اقسم وهو المكلف وفق الدستور بالمحافظة على وحدة العراق وسلامة ارضه وسمائه ومياهه).
فلماذا اطلق البرزاني صاروخه ولماذا فجر قنبلة في هذا الوقت وامام هذا الحشد المقصود من ازلام العملية السياسية البائسة؟!
نكاد نجزم ان ما صرح به مسعود البرزاني في مؤتمر حزبه كان مفاجأة للحاضرين حتى من اعضاء حزبه، وليست المفاجأة من حيث مضمون ومقاصد ما ذهب اليه وانما المفاجأة هي في التوقيت، لان الذي كان متوقعاً ان يتفوه به البرزاني ضمن سياق اللعبة المسرحية الجارية في العراق منذ الاحتلال وضمن سياق الادوار التي يلعبها ابطال مشروع الاحتلال وعمليته السياسية، ان يتحدث البارزاني عن الوحدة الوطنية وحكومة الشراكة الوطنية ويستكمل بطولاته وصولاته وجولاته في حل ازمة الحكم في العراق ومبادراته التي اوحى للجميع بانها ابداع في التفكير واستنباط الحلول بينما يعلم كل ذي بصيرة انها لا تتعدى خريطة رسمها الاحتلال الامريكي والايراني وفق رؤية صهيونية واضحة.
هل كان مسعود البرزاني ينطق بما نطق به لو كان يعلم ان هناك من سيرد عليه او يعترض او ينتقد من الحاضرين خاصة وان فيهم الكثير من ادعياء وحدة العراق الوطنية وقيام دولة المؤسسات وادعياء السيادة؟!
ان البرزاني فجر قنبلة وسط أجسام يعرف جيداً انها فاقدة للاحساس بأي نبض وطني او انساني او حتى رجولي، وهو يعرف جيداً ان من يخاطبهم ليسوا الا اجساداً ميتة وان كل ما يعشعش فيها هو المنافع والنهب وبيع العراق وان صدمة كالكهرباء لن تحركها.
نحن نعلم ان الكثير من قيادات الاحزاب الكردية سوف يتبنى التصدي لردود الفعل مع ضعفها بدعوى خطأ التأويل لما صرح به البرزاني وان ما صرح به يأتي في اطار ايمان الكرد بالوحدة الوطنية وان تقرير المصير قد تحقق فعلاً باختيار التوحد ضمن العراق الاتحادي الفدرالي وان قادة الكرد هم الحريصون على وحدة الموقف بدليل مبادراتهم ومساعيهم كالعادة فإنهم يقولون انهم جزء من الحل وليسو جزءً من المشكلة وان مشاكل العراق ناجمة عن صراع الكتل الباقية!!
التساؤل الاول الذي يطرح لماذا هذا الجمع الغفير من ازلام السياسة في عصر الاحتلال في حضرة مسعود البرزاني وحزبه وهل كان هؤلاء سيحضرون لو ان الحزب الاسلامي او حزب الفضيلة او تجمع اياد علاوي قد عقد مثل هذا المؤتمر؟!
من هذا المنطلق نقول ان هذا الحضور في مؤتمر الحزب الديمقراطي الكردستاني كان حضوراً اجبارياً تسارع فيه الجميع للحضور لاثبات ولائهم للطرف الاقوى في عملية الاحتلال السياسية لان الذين حضروا يعلمون جيداً موقع هذا الطرف في مخطط احتلال وتدمير وتفكيك العراق ويعلمون درجة الموثوقية التي يتمتع بها لدى قيادة المشروع الامريكي الصهيوني وحتى الايراني ولهذا فهم ارادوا بحضورهم هذا اثبات تبعيتهم لهذا المشروع واثبات ولائهم لاكبر قادته وعرابيه ولكي يحوزوا على شهادة التقدير والثقة والبراءة من الوطنية والعراقية الحقيقية او العروبة وكل ما يرتبط بها.
اما السيد مسعود البرزاني فقد خطط ببراعة وجرأة مستثمراً الظرف الذي يمر به العراق وانبطاح جميع اقرانه من ارباب عملية الاحتلال السياسية ولهاثهم وراء المناصب وخدمة المحتل خاصة منهم المتشبثين بكرسي رئاسة الوزراء ليفرض امراً واقعاً علم مسبقاً ان احداً لن ينبس بكلمة معارضة له وان سكوت الجميع سيكون اقراراً بما اعلنه مسعود البرزاني.
ان البرزاني لم يكن بحاجة لاعلان استقلال ما يسمى بكردستان او اعلان تشكيل الدولة الكردية، لان الدولة الكردية شئتم ام ابيتم حقيقة قائمة موجودة فعلاً على الارض ولا احد يمكن ان ينكر ذلك. ولا تحتاج الى سوق الادلة على هذا الموضوع، ان ما ارده البرزاني من هذا الطرح هو تسليط المزيد من الضغوط على اغبياء العملية السياسية للتخلي عن المزيد من الاموال والاراضي لصالح الدولة الكردية القادمة، لم يكن البرزاني يريد اعلان دولة كردستان او يعني حق تقرير المصير بالمعنى المعروف لانه يعلم ان هذا الحق تثبته قوة البيش مركه والاسايش على الارض مدعومة بالاحتلال والتحالف الوثيق مع القوة الاكبر في المنطقة وهي الكيان الصهيوني ضامنة الدولة الكردية حالياً ومستقبلاً.
ان اخطر ما ابتغاه البرزاني واثبته على مسامع الحاضرين رئيس جمهورية العراق الحالي ورئيس وزرائه ورئيس مجلس نوابه وكل قادة الكتل دون ان يعترض ايٌ منهم ان كركوك كردستانية وانها خط احمر للاكراد، كما اعلن البرزاني صراحة انه مع تفكيك العراق بدعمه اية اقاليم تنشأ في المحافظات (اي دعمه لدويلات مستقبلية يكتمل من خلالها انهاء وجود دولة اسمها العراق) في تنسيق مع النظام الايراني في مشروع اقامة الدولة الشيعية تحت الرعاية الايرانية.
لقد ابدى البرزاني براعة وجرأة فائقة في استغلال الفرصة للضغط على المالكي المستعد لبيع كل شيء من اجل الولاية الثانية للحصول على الموافقة على مطالب الاحزاب الكردية كلها بلا استثناء وفي مقدمتها كركوك.
والغريب ان كل المسؤولين الحاضرين القوا كلمات هامشية اضافت مشروعية لما عرضه البرزاني. ان ما عرضه البرزاني في خطابة يبين موقع الدور الكردي في المشروع الامريكي الصهيوني لتقسيم العراق، ويبين موقع الدور الكردي في المشروع الايراني لتقسيم العراق مع معرفتنا ان هذا الدور لا يمثل بالضرورة رأي غالبية الشعب العراقي الكردي وان الكثير من الوطنين الاكراد يرفضون هذا الدور المشبوه ويتبرؤون منه وانهم يعانون من هيمنة المليشيات الكردية على محافظاتهم.
وتتسائل لماذا لا يعلن مسعود البرزاني استقلال كردستان ويكتفي بالتلميح والتصريح تارة بينما نعلم انه لو اراد ذلك فانه ممكن جداً في هذه المرحلة؟!
ان مسعود البرزاني وقيادات الاحزاب الكردية امتلكت خلال هذه المرحلة خبرة سياسية متقدمة خدمهم فيها ظرف الاحتلال والمشورة التي يقدمها لهم خبراء السياسة من امريكان وصهاينة ولهذا فهم لا يستعجلون الامور لان امامهم الكثير من الانجازات والمكاسب المطلوب تحقيقها قبل اعلان الانفصال مثل كركوك والمزيد من حقول النفط والمزيد من الاراضي المكملة لخريطة كردستان، هل يعقل ان يهمل مسعود البرزاني مليارات الدولارات التي يحصل عليها من نفط العراق ويتقوى بها على العراق؟! هل يمكن ان يهمل مسعود البرزاني الحماية التي يمكن ان يؤمنها له استمرار كونه جزء من العراق حالياً من ضربات قد تكون ثأرية من دول الجوار تضعف خطواته على طريق دولة كردستان او تعرقلها لمدة قد لا تكون قصيرة؟!
هل كان لمسعود البرزاني ان يستفز العراقيين حتى العملاء منهم باعلانه دولة كردستان ليعيدهم الى وحدتهم ويحفزهم على التصدي لمشروعه؟!
ان مسعود البرزاني بحاجة الى نضج اكبر للوضع الدولي والاقليمي تجاه فكرة اعلان الدولة الكردية ولكي لا يحرج حلفائه وسادته من قادة الغرب في الوقت الحاضر، وبالتأكيد فان مشاريع اخرى لتفكيك الدول العربية ومنها السودان والمشروع القادم اعلان دولة جنوب السودان على سبيل المثال سيكون احد الاسس المستقبلية التي يستند عليها مسعود وغيره من عرابي تقسيم العراق في انشاء دولهم وليس دولتهم. ان السيد مسعود البرزاني يحتاج الى المزيد من الوقت لاكمال اضعاف العراق مادياً ومعنوياً وضرب الحالة الوطنية فيه لضمان عدم تبلور اي موقف موحد للعرب سنة وشيعة ربما يمكنهم من الوقوف امام احلامه.
المهزلة في الموضوع هو موقف السيد رئيس جمهورية العراق ودولة السيد رئيس وزراء العراق والقائد العام لقواته المسلحة الذي لا يمتلك القدرة حتى على ارسال جندي واحد الى دولة كردستان المستقلة فعلياً والمندمجة شكلياً في العراق المحتل الفيدرالي والاتحادي التعددي (المستقل)؟!
لقد اطلق البرزاني كلماته الجارحة والمهنية للشعب العراقي وللكرد في آن واحد وهو يعلم انه انما يخاطب اشخاصاً ماتت ضمائرهم وانهم مجرد اجساد لا احساس لها وان خنجره الذي غرزه في اجسادهم الميتة لن يكون له اي رفيف.
فما لجرحٍ بميتٍ ايلامُ
(إعلان البرزاني) ما لجرحٍ بمبيتٍ إيلامُ...كامل العبيدي
