( نطلب منكم أن تكفوا عن أنشاء أسرائيل ثانية في شمال العراق ) . هكذا قال الرئيس الجزائري الأسبق الراحل هواري بومدين مخاطبا الرئيس الامريكي نيكسون في العام 1974
طالبا منه الكف عن دعم القيادات الكردية , والضغط على حليفهم شاه أيران كيف يوقف الجسر البري والجوي لنقل الاسلحة والاعتدة اليهم .
أنه الهم الذي واجهه ساسة العراق بمختلف مشاربهم الفكرية وأتجاهاتهم السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى الاحتلال , والذي كلف الخزينة العراقية مليارات الدولارات , وسالت بسببه أنهار من دماء العرب والكرد , حتى بلغت تضحيات الجيش العراقي مئة وسبعون الف أصابة بين شهيد وجريح فقط للفترة من العام 1971 حتى العام 1974 حسب إحصاءات وزارة الدفاع العراقية , كما أنه كان هما كرديا أيضا للمفكرين والسياسيين الوطنين الاكراد وكذلك لعامة الشعب الكردي , بعد ان أستسلمت قيادات الحزبين الكرديين الى اللعبة السياسية الدولية , وأرتضوا أن يكونوا حصان طروادة يحملوا على ظهر معاناة شعبهم الكردي المصالح الاستعمارية , كي يدخلوها في المعادلة السياسية الوطنية , لتكبيل القرار الوطني العراقي وأخذه بعيدا عن المصلحة الوطنية العراقية العليا , لقاء وعود بتتويج هذا أو ذاك زعيما على دولة هم يعلمون جيدا بأن قيامها يعني ذهاب كل أمالهم وطموحاتهم الى المجهول , ومقامرة خاسرة بحاضر ومستقبل الشعب الكردي , وكما قالها لهم الراحل صدام حسين ( أذهبوا وأعلنوا دولتكم أن أستطعتم وسأكون أول من يعترف بكم ) .لقد مارست قيادات الحزبين الكرديين على مدى عقود طويلة من الزمن الاضطهاد بحق الشعب الكردي , وكانت قواتهم ( البيشمركه ) تنزل من مغاراتها في الجبال كي تحرق القرى الكردية التي لاتدين بالولاء لهم , وتهجر سكانها الاكراد وتستولي على أموالهم ومواشيهم وممتلكاتهم وكان الجيش العراقي هو الذي يتولى أعادت توطينهم في قرى أخرى يبنيها لهم , حتى نزح الكثير منهم الى مختلف مناطق العراق خاصة بعض الاقضية والنواحي المجاورة في الموصل وكركوك وديالى , والتي أصبحوا يطلقون عليها اليوم المناطق المتنازع عليها , كما أن تلك القيادات حرمت على المواطنين الاكراد العمل في دوائر الدولة العراقية , أو ارسال أولادهم الى المدارس بغية وضعهم تحت ظروف معيشية وأنسانية ضاغطة , تجعلهم يذهبون مضطرين للعمل مع مليشياتهم , وكانوا كلما وصلوا الى طريق مسدود في تمردهم المسلح , مدوا أيديهم الى السلطات المركزية في بغداد طالبين الصلح مع الحكومة , كي يلتقطوا الانفاس ثم يبدؤوا مرحلة عصيان جديد بناءا على طلب هذه الجهة الدولية أو تلك , وهذا كان عهدهم مع كل الانظمة التي حكمت العراق من فيصل الأول الى صدام حسين , بل أن عهد الاخير كان من أكثر المراحل السياسية التي شهدت ودا وجفاء من جانب الاكراد للسلطة المركزية , تبعا للظروف السياسية وحلقات التامر التي مرت على البلد , كما أنها كانت فترة زاخرة لهم بالولاءات الخارجية والقتال تحت أعلام دول كثيرة , وكان هنالك شبه أتفاق بين قيادتي الحزبين على تبادل التحالفات مع الخارج , فتارة مع أيران وأخرى مع تركيا وثالثة مع سوريا , وتارة تجدهم في بغداد يضيفون في الاجنحة الرئاسية ويتبادلون العناق مع قيادات الحزب والدولة , ويصرح مسعود برزاني الى الصحف الناطقة بلسان الحزب في بغداد , بأنه لايرغب في شيء سوى أن يكون له قبر تحت ظلال نخلة على ضفاف دجلة , التي لاينبت النخيل فيها الا في وسط وجنوب العراق , وليس كما هي تصريحاته بعد العام 2003 الى صحيفة نيويورك تايمز من أن (الحديث عن عراق موحد وقوي بأنه يشبه أحلام وأماني العصافير ) . أما جلال الطالباني فلم يتوان يوما عن تبجيل الاحتلال وتقديس أفعاله وهو الذي ينبغي عليه أن يمثل العراقيين جميعا بأعتباره ( رئيس ) العراق ويتحسس مأساتهم وما عانوه من فعل الاحتلال , ففي لندن يقف في قداس الجنود الذين قتلوا في الحرب على العراق جنبا الى جنب مع ( بلير ) شريك بوش في الغزو والعدوان , الذي رفض والد أحد الجنود البريطانيين القتلى حضور القداس واصفا بلير بانه مجرم , وأنه غير مستعد للوقوف الى جانبه ومصافحته , كما أنه لم يتوان يوما عن وصف الاحتلال بالتحرير وتقديم الشكر والعرفان الى جورج بوش الصديق العظيم كما يصفه دائما , ضاربا عرض الحائط بمشاعر الملايين من العراقيين الذين قتل أبنائهم الابرياء على أيدي الغزاة , وأغتصبت نسائهم في السجون وأثناء المداهمات التي كانت تقوم بها قوات الاحتلال كما حدث للطفلة عبير الجنابي .
لقد أختطت قيادات الحزبين الكرديين لنفسها طريقا ستراتيجيا وحيدا , الا وهو أستغلال الوضع العراقي المنهار , والشرذمة السياسية التي أصابته , لبناء مجدها الذاتي القائم على أساس الانتقام من الشعب والوطن والمتاجرة بمأساته والاثراء على حسابه , وبذلك اثبتوا يوما بعد يوم أنهم مازالوا يفكرون بنفس الطريقة التي كانوا يديرون فيها حرب العصابات في الجبال ضد الدولة ومؤسساتها , متناسين تماما بأن وسائل تلك الحرب وأعرافها تختلف تماما عن وسائل السياسة التي يتصدرون اليوم واجهاتها في بغداد أو في المناطق التي يحكمونها , والتي تفرض عليهم نمطا أخر من السلوك بعيد تماما عن لعبة الكر والفر التي كانوا يمارسونها طوال عقود من الزمن , وأن عليهم أن يدركوا جيدا بأن المكتسبات السياسية لايمكن أن تثبت على أرض الواقع وتأتي بضروب تطورات جديدة , أن لم يحترموا الاطر العامة للمجتمع العراقي ,
وأن لاتكون على حساب المجموع وبأتفاقات سياسية مشبوهة قائمة على أساس الصفقة ,
فالمشروع القومي الكردي يجب أن لايسحب دعائم المشروع الوطني العراقي كي يرتفع لوائه , وأن لايقوم على أنقاض الوطن والدولة العراقية من خلال نبش وتحطيم أسسها المادية والمعنوية بأيدي زعماء الحزبين الكرديين , ثم أتخاذ ذلك الانهيار ذريعة لبناء مجد تليد لهم , فكما أن حقوقهم مقدسة فأن للاخرين حقوقا مقدسة أيضا , وتبقى حقوق الوطن أقدس الاقداس .
أن التصريحات الاخيرة لمسعود البرزاني في المؤتمر الثالث عشر لحزبه , والتي أطلق فيها مشروع حق تقرير المصير للاكراد , كانت منهجا سياسيا حقيقيا يجري تداوله بين القيادات الكردية , وليس كما روجوا له بأنه قد فهم خطأ وأن الزعيم كان يقصد غير ذلك , بل أن طرحه أمام كل الاطراف السياسية الاخرى من غير الاكراد الذين حضروا المؤتمر , كان هدفه هو جس نبض الاخرين ومعرفة ردود أفعالهم وما هي المكتسبات السياسية التي سوف يحصلون عليها من جراء هذا الطرح , والتي سوف تدور حولها مفاوضات سرية فيما بعد , فلقد اكتسب الاكراد خبرة في هذا المجال خاصة بعد طرح شروطهم التسعة عشر في تشكيل الحكومة , والتي ربحوا من خلالها تهافت الكثير من السياسيين اليهم وتقديم العروض السخية لهم مقابل الحصول على دعمهم , حيث لاحظنا جليا كي رفعوا خطوطهم الحمر عن المالكي بعد أن أشترى بضاعتهم وأضاف الى شروطهم شروطا أخرى لصالحهم , بينما فشل الآخرون الذين كانوا يراهنون على دعم مسعود وجلال ومنهم أياد علاوي الذي بقي يلوح بالعلاقة التاريخية معهم , لكنهم باعوه بلحظة تاريخية كان يعول عليها كثيرا كي يعود له مجده السياسي من خلال تسلمه رئاسة الوزراء أمام غريمه المالكي , كما أن المؤتمر الذي عقد في أربيل والذي كان يهدف الى حلحلة الأزمة السياسية بين الفرقاء السياسيين , لم يكن مكرمة من مسعود بارزاني أطلاقا بل كان بتوجيه من الحليف الامريكي الذي نصحهم بذلك كي تصبح دالة لهم على الاخرين , وبذلك يسهل تنفيذ وعد الرئيس الامريكي أوباما لمسعود برزاني بدعم تطبيق المادة 140 المتعلقة بمحافظة كركرك ومايسمى المناطق المتنازع عليها , عندما طلب منه في أتصال هاتفي أن يتخلى الاكراد عن معارضتهم لقانون الانتخابات , الذي كان أثار أزمة سياسية ثم مرره البرلمان في تشرين الثاني من العام المنصرم , بعد أن سحب الاكراد اعتراضهم عليه .
لقد كان واضحا جدا في صمت القادة السياسيين على أختلاف مشاربهم في مؤتمر أربيل على دعوة الانفصال التي أطلقها البرزاني والصمت المطبق عن الحديث عنها حتى بعد عودتهم الى بغداد , من أن هنالك صفقة سياسية سوف يتم تطبيقها على الجغرافية لصالح دعاة الانفصال بعد أن تطبخ على نار هادئة , خصوصا وأن (أحزاب الإسلام السياسي الشيعي) لاأعتراض لديهم على ذهاب كركوك أو المناطق المتنازع عليها الى سلطة الاكراد أو حتى أنفصالهم , على اعتبار أنها ليست أراض( شيعية ) بل هم مستعدون لترويض( أحزاب الإسلام السياسي السني)
لتمرير مشروع الاكراد من خلال رفع الاجتثاث عن هذا وذاك , ومنحهم مناصب سيادية وغير سيادية كي لايعترضوا على الاتي لاحقا .
القيادات الكردية...طموحات الزعامة على أنقاض وطن... د.مثنى عبدالله
