أستميحك عذرا لأني أثير في أيام ذكراك كل مخزون هموم وطني، وأحمل اليك كل صور البؤس الذي لم تألفه عين ولا أدركه عقل من قبل في أرض الفراتين،
وأعلم جيدا بأن غبار المأساة في وطني قد يعلو على غبار مأساة أهلك وصحبك وأتباعك، في واقعة كربلاء في العام 61 للهجرة، الذين لن يعلو على مقاماتهم أحد، بل انني على يقين تام بأن جسدك الشريف بات يتقلب في مثواه من هول الصدمة وعمق المأساة، وان روحك باتت تتوجع لوجع طفل عراقي يمسك باكيا بأطراف ثياب أبيه كي لا يقتادوه مكبل اليدين ومغطى الرأس إلى المجهول، وسيدة جاوزت السبعين تمد يدها الى المحسنين أو تنبش في بقايا سلة المهملات عن لقمة خبز في أرذل العمر، وشيخ مسن محدودب الظهر يبيت ليل نهار في باب الطب العدلي أملا في أن تأتي جثة ولده المخطوف أو حتى جزءا منها كي يواريه الثرى، وقد لا تأتي أبدا بعد أن وجدنا المئات منها ملقاة على قارعة الطريق في شوارع بغداد، تقتات عليها الحيوانات السائبة ولم يتبق منها سوى الرداء، وبيوت خالية باتت الريح تعوي في أركانها وقد هجرها أهلها إلى دول الجوار كي يصطفوا أمام مكاتب هيئات الأمم المتحدة طمعا في الحصول على ما يسد الرمق، أو أملا في الحصول على اللجوء كي يقضوا بقية العمر في جحيم الغربة، فتنمحي من ذاكرة الأولاد أرض السواد التي تضم جسدك الشريف وأجساد المئات من الأنبياء والأولياء، ومئات السيارات المفخخة التي حولت نهارات بغداد إلى تنور نار يأكل اللحم والعظام في أيام وأسابيع دامية.
إن سنابك خيلك ـ سيدي ـ تحركت الى أرض الفراتين لإحقاق الحق ضد الباطل، ولنصرة المظلومين على الظالمين، ولرفع راية القيم الإسلامية والإنسانية الحقة، وان سيفك لم يمس إلا رقاب الفاسدين، وان رمحك لم يغمد إلا في قلب الديجور كي تشرق شمس الحرية والحق، وأنك لم توال الظالمين، على الرغم من أن خيار العيش الرغيد كان مطروحا عليك مقابل أن تصمت، لكنك أبيت إلا أن تكون أمام الثوار، وأن تثبت للآخرين أن الدماء الشريفة يمكن لها أن تنتصر على السيف، فصنعت للدم نصلا في حده الحد بين الحق والباطل، وأصبح يومك رمزا لثورة المظلوم على الظالم ويوم انتصار الدم على السيف، وكنت تريد من ذلك سن سنة حسنة يرفع بها الآخرون من بعدك الظلم حينما يقع. وإذا كان قد برز من بين الذين دعوك للقدوم إلى كربلاء من كانوا يؤيدونك باللسان وسيوفهم مع أعدائك، فهاهم ظهروا مرة أخرى ضد أهلك وأحفادك في هذه الارض الطيبة التي ضم ثراها رفاتك ورفات صحبك وآل بيتك، مدعّين بأنهم جندك، فبعد أن قضوا سنين طوال يأكلون من فتات موائد الأشرار ويتباكون على الوطن وأهله باللسان والعين زيفا، ويقاتلون أحفادك جنبا إلى جنب مع المعتدين في حرب الثماني سنوات، وكانوا يكتبون بالسر تقارير الزيف والخديعة إلى أسيادهم كي يستمر الحصار الظالم، فتسببوا في مقتل مليون ونصف المليون طفل بعد أن قطع الدواء عنهم، وجعلوا من لقمة العيش حسرة على الشيوخ والمحتاجين، ودفعوا الأعداء للتحكم بغذائنا ودوائنا ومواردنا وثرواتنا. نقول بعد كل ذلك توسلوا بالغزاة والمحتلين كي (يحرروا) الوطن من أهله، وأن يقدموه هبة الى الغرباء وأن يتبوؤا عرشه بفرمان المحتل. وإذا كان قد برز لأهل الكوفة واليها عبيدالله بن زياد مخيرا إياهم إما بسحب دعمهم ومبايعتهم لك، أو انتظار قواته لتبيدهم عن بكرة أبيهم، فقد برز لأحفادك في عراق اليوم ألف عبيدالله بن زياد بعضهم يحمل سيفا فارسيا، والآخر يحمل سيفا أمريكيا وثالث سيفا إسرائيليا وألف سيف وسيف من شتى بقاع العالم، وخيارهم الوحيد هو تفريق الشعب وإبادة الجميع والسطو على ثرواته والمتاجرة بماضيه وحاضره والقضاء على مستقبله.
انهم يبكونك ـ سيدي ـ خدعة وبدموع تماسيح كي يستثمروا موقفك البطولي في معركة الطف لجمع الأنصار والموالين لهم على الباطل والخديعة، ويرتدون عمامتك الشريفة كي يجمعوا المال الحرام، ويسرقوا ولاء الناس الذين جبلوا على حبك، ويجلدون ذواتهم في ذكراك بسلاسل زائفة ثم يستحمون بعدها بحماماتهم التركية في قصورهم الفارهة في عواصم العالم الكبرى بأيدي الغيد الحسان، بينما يُكبلون الوطن بآلاف القيود والسلاسل واتفاقيات أمنية معروفة ومخفية، ويفتحون السجون السرية والعلنية يغيبون فيها الأبرياء بأسماء مستعارة، كي يقطعوا أثرهم عن ذويهم، ويغتصبون فيها النساء والرجال ويقلعون الأظافر، ويلقون من يعدمونهم إلى الكلاب السائبة في ضواحي المدن البعيدة كي يختفي أثرهم الى ما لانهاية، ويسمحون لحلفائهم الذين قتلوا أباك من قبل أن يستبيحوا الارض التي سقطتَ عليها مضرجا بالدماء. يقطعون المياه عنا ويسرقون ثرواتنا ويمزقون نسيجنا الاجتماعي، ويقتلون الضباط الطيارين الذين حموا ضريحك في حرب الثماني سنوات وأساتذة الجامعات والأطباء، ويخطفون غيرهم كي يغيبوهم خلف الحدود، وينشرون الرذيلة حول ضريحك وفي كل أنحاء الوطن.
إن الموقف الذي مررت به ـ يا أبا عبدالله ـ في العام 61 للهجرة هو نفس الموقف الذي يمر به الوطن الذي استشهدت على أرضه، فكما بقيت وحيدا في ساحة المعركة تلقي بنظراتك على جثث صحبك وآل بيتك، حتى أصابوك بسهم الظلم في نحرك ثم راحت رماحهم وسيوفهم تمطر جسدك، كي يقوم بعدها شمر بن ذي الجوشن بفصل رأسك عن جسدك، ويجعلوا خيلهم تمشي فوق الجسد. أقول انه الموقف نفسه الذي نعانيه اليوم ، فلقد فقد العراقيون الولد والصحب والأهل والأحباب ورفاق الطفولة، بمفخخاتهم التي يقتلوننا بها كلما اختلفوا على المناصب والسرقات، وبمسدساتهم الكاتمة التي كتمت الكثير من الأصوات الشريفة الوطنية والأبرياء، وبمثاقبهم الكهربائية التي ثقبت الجماجم والأجساد بحثا عن الأفكار الإنسانية وقيم الحق التي يخافونها، وفتحوا كل الأبواب كي تنطلق علينا رماح الغدر والضغينة، وتمطر أطفالنا وشيوخنا ونساءنا سيوف الحقد والكراهية، وها هي خيل حلفائهم تسير حتى على الأجساد الغضة وتسحق الرؤوس الطرية لأطفالنا الأبرياء، ويقبع في كل منعطفات البلاد ألف شمر وشمر، وإذا كانت مأساتك قد دامت ثلاثة أيام بلياليها وأنت تصيح (أما من ناصر ينصرني)، فها هم أحفادك في العراق يعانون المأساة منذ ثماني سنوات بنهاراتها ولياليها، وتنطلق يوميا ملايين الصرخات فيه (أما من ناصر ينصرنا) ولا من مجيب بعد أن صمت الآذان وما عادت تنصت إلا إلى صوت شهوة المال والمنصب النابع من عمق نفوسهم المريضة وعقولهم المحنطة بالوهم ، وتحجرت العيون فما عادت ترى غير كراسي السلطة.
لقد كنت ـ ياسيدي ـ حتى آخر لحظة ميالا إلى السلم نابذا للفتنة غير ميال للقتال، راغبا في حقن الدماء، على الرغم من أنهم شهروا عداءهم لك وأهلك وصحبك وطلبوا رأسك، لكن من يدعون اليوم أنهم سائرون على نهجك، أثبتوا أنهم ساديون حتى النخاع، يسيل من أفواههم لعاب شهوة التعطش للدماء فلا يفرقون بين المرأة والطفل وبين الشيخ والشاب، حتى أصبح أحفادك اليوم مشروع اختطاف واعتقال وتعذيب واغتصاب وقتل في العراق، ولم يسلم منهم حتى من قالوا إنهم جاءوا من أجلهم وغايتهم رفع (المظلومية) عنهم، فتوزع ظلمهم وجبروتهم على الجميع بلا استثناء. وإذا كنت قد رفعت راية المقاومة فأصبحت أعظم رموزها على مدى التاريخ وتبعك فيها أحفادك في العراق منذ العام 2003، فان هؤلاء جرموا من ائتموا بك واتبعوا طريقك في مقاومة الظلم والعدوان، فقتلوا واعتقلوا ونكلوا بالكثير منهم بعد أن أفتوا بأن الاحتلال تحرير والمقاومة إرهاب، وان على الجميع نثر الورود في طريق الغزاة، وان أجساد العراقيات ملك مشاع لكل من دب كالديدان على أرض الرافدين من إيرانيين وإسرائيليين وأمريكيين، بعد أن باتوا خدما لهم وسماسرة في وكالة الشيطان.
عفوا ـ سيدي ـ نم قرير العين في أرض العراق، فأحفادك المقاومون كعهدك بهم يعرفون من يحمل رايتك اليوم بالمقلوب، ومن يزيفون قيمك كي لا تشع ثورة ضد الغزاة والظلم، ومن يتاجرون بوقفتك كي يقتلوا أتباع منهجك الحق.
' باحث سياسي عراقي
رسالة اعتذار عراقية الى إمام الثوار وسيّد الشُهداء الحُسين.... د. مثنى عبدالله
