هيئة علماء المسلمين في العراق

إنه احتلال ولكن من نوع آخر.. د. محمد الغزي
إنه احتلال ولكن من نوع آخر.. د. محمد الغزي إنه احتلال ولكن من نوع آخر.. د. محمد الغزي

إنه احتلال ولكن من نوع آخر.. د. محمد الغزي

تتفاعل شعوبنا بحساسية شديدة مع الاحتلال العسكري التقليدي لبلادنا، ولهذا فقد اعتادت هذه الشعوب على التصدي للمحتل ببسالة عظيمة حتى لو استمر صراعها مع الاحتلال عقودا كثيرة وكلفها ذلك حياة عشرات الآلاف بل مئات الآلاف أو أكثر من الشهداء والضحايا، وقد أثبتت شعوبنا قدرتها على تكييف جوانب كثيرة من حياتها مع متطلبات مقاومة الاحتلال، وما يحدث في العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير يشهد على ذلك، لهذا نجد أن الاستعمار يعمد دائما إلى استخدام أساليب ووسائل دبلوماسية لتحقيق أهدافه بتكلفة أقل وبخسائر محدودة، وقد لا تثير هذه الأساليب غضب الشعوب وحفيظتها تجاه الأعداء ولا تستنفر فيهم العزة والكرامة، وتتمثل هذه الأساليب الجديدة في عملية «استثمار الأشخاص» عن طريق التعليم وتوفير الفرص الاقتصادية أو ما أسميه «احتلال البشر».

إن احتلال العقول والقلوب هو أسهل بكثير من احتلال الأرض والوطن، بل إن احتلال الأوطان لا يدوم كثيرا طالما بقيت العقول والقلوب محررة يملؤها الإيمان والوعي والعزة والكرامة، ولهذا عرف الأعداء أنه لا بد من الاحتلال البشري قبل الاحتلال العسكري، فوجود أشخاص يملكون دوائر واسعة من التأثير والنفوذ والسلطة في دولة ما يعفي الأعداء من خسائر فادحة واستنزاف مستمر في الأرواح والأموال، وهذا ما يحصل الآن في العراق حيث وصلت الخسائر الأمريكية إلى عشرة أضعاف الأرقام المعلنة؛ أي أن الخسائر الحقيقية تقع بين ألف مليار إلى ألفي مليار دولار أمريكي، أما الخسائر في الجيش الأمريكي المحتل فلها شأن آخر، ويكفينا في عجالة أن نشير إلى أن العدد المذكور لصرعى الجيش الأمريكي المحتل لا يشمل المرتزقة من أمريكا اللاتينية ودول أخرى ممن ينضمون إلى الجيش الأمريكي في مقابل الحصول على الجنسية أو البطاقة الخضراء، ولا يشمل هذا العدد الجرحى الذين ينقلون إلى المستشفيات في ألمانيا وغيرها ثم يموتون هناك، ولا يشمل كذلك من تُلقي بهم القوات الأمريكية في نهري دجلة والفرات أو تخفي أشلاءهم الممزقة في باطن أرض العراق.

السفير الأمريكي في القاهرة، فرانسيس ريتشاردوني، عمل جاهدا بين عامي 1999 و2001 على تنسيق قوى المعارضة العراقية لنظام الرئيس صدام حسين تمهيدا للاحتلال العسكري للعراق؛ وذلك عندما كان ريتشاردوني سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية في الفلبين حيث كان يلتقي قادة المعارضة الخائنة في لندن لينسق جهودها، وظن هذا السفير أن الأمور قد جرت حسبما تمنى وأنه لا يوجد في الشعب العراقي من يرفض الاحتلال ويقاومه، ولكن خاب ظن هذا الرجل وورط بلاده في مستنقع لن تنفك عنه إلا بهزيمة عظيمة، وهذا ما جعل ريتشاردوني يفضل الاحتلال البشري لشعوبنا على الاحتلال العسكري لبلادنا.

تعلم ريتشاردوني الدرس جيدا، ففي معرض حديثه عن مشكلة عجز بلاده عن مقاومة ما يسميه بالإرهاب قال: «ولكن رغم ذلك دعني أقول أن القوة العسكرية، من منظورنا، ليست الأداة الأولية في مكافحة الإرهاب، أعتقد أنها آخر نقطة في قائمة الأدوات، وهي أكثرها تكلفة أيضاً، وأقلها فاعلية وأحياناً تكون ضرورية، إننا نفضل أشياء أخرى‏:‏ الاستثمارات طويلة الأمد في الأشخاص وأعتقد أن التعليم أيضا هو أعظم هذه الطرق في مواجهة الإرهاب بل وجميع أنواع الإجرام».

وفي هذه الأيام يجوب ريتشاردوني محافظات مصر طولا وعرضا ليستثمر الأشخاص بحجج متعددة تشمل تقديم الفرص التعليمية والاقتصادية، وتطوير المناهج الدراسية، وتقديم الدعم للمستشفيات والمؤسسات، ومشاركة الصوفيين احتفالاتهم بالموالد، ويتصرف ريتشاردوني في مصر وكأنه، كما يقال، «المندوب السامي» للانتداب الأمريكي على مصر، فهو يتفقد حاجات ومشاكل الشعب المصري الذي يستقبله بحفاوة بالغة وترحيب كبير أدهشه وأغبطه إلى حد لم يتمكن من وصفه، وللأسف فإن الولايات المتحدة الأمريكية تستغل حاجة شعوبنا وأوضاعها المأساوية وتلهف الطلاب والأساتذة للحصول على فرص تعليمية؛ لاستثمارهم في تحقيق مآربها وخدمة مصالحها، وللحسرة الشديدة لا يدري هؤلاء الأشخاص أسباب هذا السخاء الأمريكي ولا يهمهم، في مقابل ما يحصلون عليه من أمول ومنافع شخصية، أنهم أصبحوا سلعة تستثمرها الولايات المتحدة الأمريكية لمصلحتها.

إن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم المنح والمساعدات التعليمية لجعل أبناء وبنات أمتنا أكثر استعدادا لتفهم القيم والسياسات والممارسات الأمريكية وللتمكين للدبلوماسية الأمريكية، وهذا ما عبرت عنه كارين هيوز، المكلفة بتحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية لدى العرب والمسلمين، في خطاب لها هذا الشهر، في قمة الرؤساء الأمريكيين حول التعليم العالي، حيث أكدت على دور التعليم في تعزيز ما تسميه بالتسامح وإزالة لغة الكراهية من الكتب في كل أنحاء العالم؛ وهي تقصد بذلك كسب قلوب وعقول شعوبنا وتغيير مناهج التعليم الإسلامي في بلادنا لنصبح مهيئين لتقبل الهيمنة الأمريكية الكاملة.

وقد أوضحت هيوز في كلمتها أن جهود الدبلوماسية الأمريكية العامة تبنى على أربع أعمدة هي التدخل والتبادل والتعليم والتمكين (Engage, Exchange, Educate, Empower)، مؤكدة على أن التعليم هو الشيء الوحيد المهم جدا، كما تقول، الذي يستطيع الأمريكيون منحه إلى الأجيال الناشئة في عالمنا، ثم قالت: «نحن نستمر في تعليم قادة المستقبل في العالم»، وتستهدف الولايات المتحدة الأمريكية أفضل بنات وأبناء شعوبنا لتستقطبهم وتجندهم في خدمة أهدافها وتطويع الأجيال الناشئة، من خلالهم، إلى التسليم المطلق بمآربها وخططها والانقياد في الطريق الذي تريد لنا أن نسير فيه، ولهذا فالولايات المتحدة الأمريكية توجه برامجها للتبادل، في مجال التعليم، لتصبح أكثر إستراتيجية ولتستهدف الأشخاص الذين يملكون دائرة أوسع من التأثير في مجالي التعليم والصحافة خصوصا، فقد قالت هيوز: «إنه تحدي لنا، لأننا نريد أمريكا أن تستمر في جذب أفضل الطلبة الأجانب وأقدرهم على تمثيل بلدانهم، ونحن نريدهم أن يأتوا هنا بأعداد كبيرة».

والولايات المتحدة الأمريكية تدرك الأثر العميق للمعلمين والأساتذة الجامعيين في حياة واتجاهات الأجيال الناشئة وشباب أمتنا من كلا الجنسين، لذلك ترغب الولايات المتحدة الأمريكية باستقطاب وتعزيز جيل جديد من المعلمين وتجهيزهم، وبتنوير قادة العالم الذين، كما تقول هيوز، يلتزمون بحرية التعبير والعبادة وحقوق المرأة والأقليات ودور القانون والقضاء المستقل ومشاركة المواطن في الحكومة، في إشارة إلى العلمانية ونمط الحياة الأمريكي والديمقراطية الأمريكية والذرائع التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية في التدخل في شئون بلادنا والأنظمة الحاكمة فيها والتمكن للدبلوماسية الأمريكية وإتاحة الفرصة للأمريكيين للسيطرة على الإعلام والصحافة ومقاليد السياسة والاقتصاد بما يحقق المصالح الأمريكية، وهذا ما عبرت عنه هيوز عندما قالت: «قدرتنا على الاتصال بالعام الأجنبي هو أمر حرج وحساس لبناء دعم لقيم بلدنا ولسياساتنا ولقيادتنا في العالم».

إن المشكلة لا تكمن فقط في استغلال الولايات المتحدة الأمريكية لحاجات شعوبنا ولفساد أنظمتنا، ولكنها تكمن بشكل أكبر في أنفسنا، فلماذا يقبل أصحاب النُّهى من شعوبنا الانسياق في مخططات الأعداء جريا وراء دعم مالي أو منفعة هنا وهناك؟! إنها الحالة التي وصفها مالك بن نبي بأنها «القابلية للاستعمار» عند شعوبنا، كيف تقبل فئات مثقفة في شعوبنا أن تبيع دينها ووطنها وكرامتها بثمن بخس؟!

إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد لشعوبنا أن تتعلم ولا ترغب في إصلاح التعليم وتطويره في مجتمعاتنا، كما تزعم، فهذا شأننا نحن إن أردنا، أما شأن الولايات المتحدة الأمريكية فهو أن تهيمن علينا من خلال انقياد الفئات المؤثرة في شعوبنا لها، وهي بذلك تريد أن تحبط أي محاولة لنهوض أمتنا، لقد ذكر ريتشاردوني في معرض حديثه عن برنامجه أثناء تواجده في مصر أنه يريد أن يفهم حركة الإخوان المسلمين عن قرب، فهو يريد أن يحاورهم  ليعرف أهدافهم وبرامجهم ومواقفهم تجاه الديمقراطية وأجندة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، لهذا فهو يستخدم الوسائل الدبلوماسية بالإضافة إلى التعليم والاقتصاد ليسهل لبلاده عملية قيادتنا والتحكم في أمورنا.

ويتحمل الحكام والأنظمة الحاكمة وزر شعوبنا المقهورة، فقد أهدرت الأنظمة الحاكمة ثروات شعوبها فيما لا فائدة ترجى منه؛ في شراء الأسلحة لقهر الشعوب، وفي الإنفاق على أجهز الأمن والتجسس لقمع شعوبنا، ويتحمل الأغنياء من أبناء أمتنا وزر شعوبنا بوضعهم ما استحوذوا عليه من أموال الشعوب في مصارف أعدائنا وبإنفاقهم للأموال في المتع والملذات وما فيه العار والدمار.

ولا أعفي أساتذة الجامعات من تحمل المسؤولية فكثير منهم يشارك بطريقة أو بأخرى في مساعدة هذا الاحتلال البشري، ويعمل كأداة رخيصة لتحقيق مآرب الولايات المتحدة الأمريكية، وما الذي يمنع من يحصل على منح دراسية أو بحثية أن يعمل لمصلحة دينه وأمته ويقف في وجه المشروع الأمريكي في منطقتنا؟.

   الهيئة نت     -الحقائق
الثلاثاء 17/1/2006

أضف تعليق