يقولون ان العالم اليوم اصبح قرية واحدة وان المعلومة اصبحت متاحة للجميع ولم يعد هناك من يمكن ان يحتكرها او يمنعها من الوصول،
ومن هذا المنطلق فهم يقولون ايضاً انه لم يعد هناك مجال للاضطهاد وانتهاك حقوق الانسان، ولم يعد هناك مجال للدكتاتوريات كما يسمونها ان ترتكب ما ترتكب ضد شعوبها دون حساب ودونما عقاب، ومع علمنا ان من يصفونها بحكومات دكتاتورية لا تعدو كونها حكومات وطنية لا تخضع لسلطتهم ولا لأمزجتهم التي صورت لهم شرعية حكم العالم بالقوة وتحويل القهر وانتهاك حقوق الانسان بل حقوق شعوب وامم بأكملها الى نمط عالمي جديد تقوم به القوى الكبرى بعد ان ولى زمن الاستعمار القديم. القوى الكبرى بزعامة الولايات المتحدة الامريكية والتي ترفع شعارات حقوق الانسان وتشن حملات التنكيل بحكومات الدول حتى الصديقة لها عندما يراد اثارة اي موضوع للضغط عليها او تحريض الرأي العام ضدها والتقاط اية معلومات مهما كانت تافهة لتوظيفها عبر المنظمات الدولية ووسائل الاعلام وربما وصلت الى حد تحويلها الى القضاء والمحاكم الدولية اذا تطلب الامر فرض ضغوط اكبر لتمرير صفقة معينة او الحصول على تنازلات مهينة من تلك الدول، واليوم وفي ظل الفضائح والفظائع التي ينشرها موقع ويكيليكس وان كان قسم منها يبدو طبيعياً ولا يحمل اية سرية او مادة مهمة مثل بعض التصريحات الدبلوماسية او الاعلامية، الا ان البعض الآخر منها يكشف عن الوجه القبيح للقوة الاكبر التي تتسيد العالم اليوم ويكشف عن ملابسها الداخلية القذرة ويفضح خسة الاساليب التي تتعامل بها مع دول العالم وشخصياتها، وتظهر ان ما يبدو في الظاهر من عظمة وهيبة يخفي وراءه قبح السلوك وسوء النوايا.
اما فيما يتعلق بقضية احتلال العراق وزمر العمالة التي جاء بها الاحتلال وسلطها لحكم العراق ومكنها من رقاب الشعب العراقي وقواه الوطنية الحقيقية فإن وثائق (ويكيليكس) لا تقدم جديداً لكنها تقدم خدمة مهمة لكل باحث عن حقيقة ما ارتكب في العراق من جرائم بحق الشعب العراقي رغم محاولة تصوير ما جرى على انه حرب اهلية انبرى طيف من العراقيين لابادة طيف آخر وانها ليست سوى صراع بين العراقيين انفسهم بحثاً عن ثارات قديمة ومظالم عُزي سببها الى النظام السابق الذي اصبح شماعة تعلق عليها كل الجرائم والآثام التي ترتكب في زمن الاحتلال سواء ما ارتكب منها من قبل قوات الاحتلال او قوات اعوانه التي اسموها جيشاً وقوات امنية عراقية مع علم الجميع وعلى رأسهم دولة الاحتلال والعدوان انها لا تعدو كونها ميليشيات وعصابات للقتل تعمل معظمها وفق الاجندة الايرانية او اجندات دول اخرى معروفة مهتمة بهدف تدمير العراق وتفكيك شعبه والقضاء على كل مهارة او كفاءة مهنية او وطنية في هذا البلد الزاخر بالحضارة والقيم.
المهم في الامر ان ما ينشره موقع (ويكيليكس) رغم حجم ما ينشره من وثائق ورغم اهمية وخطورة ما يعرضه من معلومات عن جرائم عصابات الاحتلال وعن الارتباطات المشبوهة للقيادات العميلة للاحتلال وعمق ايغالها في مخططط اغتيال العراق، كل ذلك لم يحرك من الرأي العام او المنظمات الدو لية او منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الانسان، لم يحرك فيها حتى الآن الحد الادنى من الموقف المطلوب ازاء مثل هذه الجرائم. الولايات المتحدة وهي تحاول صرف انظار الرأ ي العام ومنظماته في العالم عن جوهر الموضوع المتعلق بجرائم تدمير العراق الى موضوع انتهاك القوانين الدولية، وسرقة الاسرار الحكومية والعبث بها والمطالبة بملاحقة هذا المجرم واصدار مذكرة اعتقاله واتهامه بتهمة التجسس، اي تحويل الموضوع برمته على انه تجسس للنيل من سرية المعلومات الامريكية وكشفها لالحاق الضرر بالولايات المتحدة، بل انها تحاول اثارة كل الشخصيات السياسية في العالم ضد الموقع وضد مؤسسه باعتباره أساء لهذه الشخصيات وهتك سترها واشاع سرها، وبعد ثلاثة اسابيع من بدء نشر هذه الوثائق لم يبد في الافق ما يشير الى وجود تحرك دولي للتحقيق في الجرائم التي وصلت الى مستوى اعلى من مستوى جرائم الابادة الجماعية التي انشأت المحاكم الدولية خصيصاً لها لاغراض استهداف سياسية معروفة. وبينما يُتهم رؤساء دول مثل البشير وغيره بتهمة إبادة جماعية وتصدر اوامر بالقبض عليهم واحالتهم الى المحاكم الدولية لا لسبب حقيقي وانما لمواقفهم المناوئة للولايات المتحدة وسياساتها في العالم يُغض الطرف عن جرائم امريكا وعملائها في العراق، وتتعاون ايران وعدوتها ظاهرياً حليفتها في الباطن الولايات المتحدة على تكريس الوضع الطائفي الذي يخدم تولية المالكي لرئاسة الوزراء مرة ثانية في العراق في ابشع تكريم لزعيم مافيا القتل والتهجير والاعتقال والتعذيب في العراق في انتهاك صريح وفريد من نوعه لمشاعر الملايين من الايتام والارامل والمشردين الذين سقط آباؤهم واخوانهم ضحايا اجرامه واجرام العصابات التي يقودها وتوجهها ايران والكيان الصهيوني ودولة خليجية معروفة، تعاد تولية المالكي لفترة مظلمة جديدة مكافأة له واقراراً بشرعية ما ارتكب من جرائم، فأين حقوق الانسان واين القوانين التي ترعاها زعيمة العالم الولايات المتحدة الامريكية، بل اين الامم المتحدة وامينها العام واين الفاتيكان والرئيس الفرنسي والايطالي الذين انتفضوا انتفاض الاسد لمقتل عدد من المسيحيين يعلمون جيداً الاصابع الخفية وراء استهدافهم ضمن مخطط افراغ العراق من مقوماته الاساسية ومن مكونات شعبه الاصلية تمهيداً لتقسيمه الى دويلات عرقية وطائفية، اين مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، ولماذا تتشكل بأمر من مجلس الامن محكمة خاصة للتحققي بمقتل رجل واحد مثل الحريري مع اهمية ذلك ولا تثار قضية قتل وتشريد وانتهاك واعتقال شعب بأكمله وتدمير وطن بأكمله؟.
وثائق (ويكيليكس) تفضح ارتباطات ازلام نظام حكم الاحتلال في العراق والمعروفة للشعب العراقي بقاسم سليماني مسؤول فيلق القدس الايراني وتثبت قيادته لهم وبالاسماء وليس هنالك من خجل او موقف واضح منها بل على العكس من ذلك نجد من يتصدى لهذا الامر بالدفاع عنهم واعتباره مساساً بالرموز الوطنية العراقية ولا ندري كيف اصبح العملاء وخدم الاحتلالين الامريكي والايراني رموزاً وطنية، النظام الايراني يبدو مسيطراً وغير مكترث بما ينشر بل انه يَعُده انتصاراً معترفاً به وتميزاً للسياسة الايرانية في المنطقة وهو مستمر في ابتزاز العرب وتهديدهم عبر رسائل المناورات العسكرية وتجريب الاسلحة التي ينتجها والصواريخ التي يطلقها، بينما تتظاهر الولايات المتحدة بدور المسكين الذي يحاول تكوين رأي عربي ضد ايران في الوقت الذي تبيع فيه العرب ومستقبلهم ومصالحهم لايران، الرئيس الامريكي اوباما الفاشل في كل شيء لم يكن له اي موقف مبدئي من كل ما نشر مع كل ايحائاته السابقة بمعارضته ورفضه منهج سابقه بوش في احتلال العراق وستراتيجة امريكا في المنطقة.
اكاذيب وألاعيب ضحيتها العراق ومن بعده دول العرب.
ويستمر (ويكيليكس) في نشر وثائقه عبر وسائل الاعلام المختلفة بعد غلق موقعه لكن ما ينشره على اهميته يبدو صرخة في وادٍ ليس لها اي صدى يمكن ان يُسمع.
معلومات (ويكيليكس)، صرخة في وادٍ ليس لها صدى....كامل العبيدي
