منذ ابتلاء العراق بالاحتلال الغاشم وبالحكومات المتعاقبة التي نصبها يعاني ابناء هذا البلد الجريح من مشكلات وازمات اصبحت الشغل الشاغل لمعظم شرائح المجتمع وخاصة اصحاب
الدخل الثابت الذين يعتمدون على ما يتقاضونه من رواتب زهيدة قياسا بالملايين التي يستحوذ عليها المجرمون الذين تسلطوا على رقاب ابناء هذا الشعب الصابر .
ومن بين شرائح المجتمع العراقي التي تعاني من تلك المشكلات والازمات التي لم يشهدها هذا البلد قبل عام 2003 هم المتقاعدون الذين يتعرضون الى عملية تهميش كبيرة زادت من همومهم المالية والصحية التي اصبحت تزداد سوءاً يوما بعد آخر لا سيما في ظل الاشاعات والاخبار المتضاربة التي تنشرها وسائل الإعلام ما جعل الصورة قاتمة في أعين هذه الشريحة التي أفنت زهرة شبابها في خدمة الوطن.
ولتسليط الضوء على هذه المعضلة التي تعد واحدة من المشكلات الكثيرة التي يعاني منها ابناء العراق منذ اكثر من سبع سنوات، ااستطلعت احدى وكالات الانباء آراء أحد المتقاعدين الذين كانوا يقفون في طوابير طويلة امام المصارف لاستلام رواتبهم التي تصرف كل شهرين، واحدى الناشطات في مجال حقوق الانسان، ومحام قانوني في مجلس النواب الحالي، اضافة الى احد الخبراء الاقتصاديين .
فقد قال المتقاعد ( علي النوري ) البالغ من العمر 69 عاماً " لقد افنيت عمري في خدمة بلدي وهذه هي النتيجة؛ بعض الدراهم التي لا تسد الرمق، فلم نر زيادة حقيقية، ولا منحاً او قروضاً ميسرة وسهلة دون تعقيد ، ونحن هنا مثل المتسولين ننتظر ونسمع كلام وتوبيخ من هذا وذاك".
واوضح النوري ان راتبه التقاعدي لا يكفي العائلة لشهر واحد، لا سيما وان متطلبات الحياة كثيرة .. مؤكدا ان الذي يحصل الان لا يليق بكبار السن، الذين لا يريدون سوى العيش بكرامة وضمان حقوقهم التقاعدية، وليس كما يتمنى السياسيين في الحكومات الحالية التخلص منهم باعتبارهم عالة على المجتمع.
وأعربت الدكتورة ( مريم نور ) الناشطة في مجال حقوق الانسان عن اسفها لما يعانيه المقاعدون العراقيون الذين يشكلون اكبر الشرائح المتضررة من ارتفاع اسعار البضائع والخدمات، في الوقت الذي لا توجد فيه زيادات معقولة على رواتبهم .. مؤكدة ان الزيادة الاخيرة التي كانت 70 ألف لن تنهض بالواقع المعيشي لهذه الشريحة .
وقالت ( نور ) " نحن هنا نتكلم عن معاناة حقيقية، عن أناس أفنوا زهرة عمرهم وسنين حياتهم في خدمة الوطن، ثم تحولوا الى هامش، يركضون ويلهثون وراء أبسط الحاجات والمقومات كي يعيشوا، قضية المتقاعدين كانت في طور التشريع والمناقشة، لكن كما يقولون تمخض الجبل فولد فأراً، بعد صدور القانون، ولم تهتم الحكومة بشريحة المتقاعدين الذين يقدر عددهم بمليوني متقاعد، ويعيل الواحد منهم ما معدله خمسة اشخاص فيكون تقريباً عدد من يعيلوهم المتقاعدون في العراق ستة ملايين نسمة ".
وطالبت ( مريم نور )، الحكومة الحالية بالعمل الجاد والسريع لوضع حل مناسب ينصف المتقاعدين ويعيد لهم حقوقهم ويرفع الحيف والظلم عنهم، وفقا لقوانين حقوق الانسان التي تؤكد على اهمية حصول الفرد على حقه في موارد بلده .. معربة عن استغرابها ودهشتها لما يعانيه ابناء العراق الذين اصبحوا من افقر الشعوب في بلد بعد من اغنى دول العالم لما يمتلكه من موارد وثروات طبيعية وخاصة البترول .
من جهته أعرب المستشار القانوني ( حسن سعد ) عن امله في ان يعمل ما يسمى البرلمان الجديد على سن قوانين من شأنها مساعدة هذه الشريحة المهمة لمواجهة ظروف الحياة الصعبة وتوفير جزء من الخدمات.. موضحا ان ما يتقاضاه المتقاعد العراقي الان من راتب بسيط لا يسد الرمق .
وأكد ( سعد ) أن أحد المسؤولين الحاليين قال له " إن المتقاعدين عالة على الدولة، ونتمنى أن نتخلص منهم، وقد رديت عليه بالقول اننا نحن المتقاعدين عملنا مع الدولة بشروطها القانونية لقاء راتب كان يستقطع منه راتبنا التقاعدي، فلا تمن الدولة علينا براتب هو من حقنا، فنحن افنينا عمرنا في الوظائف " .. معربا عن امتعاضه لما يواجهه المتقاعد من معاناة نتيجة الاليات المعقدة والصعبة وما يفرض عليه من المستمسكات الروتينية ، عند ترويج معاملة التقاعد، اضافة الى ما يبذله المتقاعدون الذين مهدوا الطريق امام الاجيال الجديدة من جهود مضنية لدى استلامهم رواتبهم البسيطة التي تسمن ولا تغني من جوع .
ورأى الخبير الاقتصادي علي عمر ـ الذي كان مع مجموعة من المتقاعدين ـ ان احتساب رواتب التقاعد لم يكن منصفا مقارنة بالموظفين بعد الاحتلال الغاشم ، حيث تم احتساب التضخم الذي اصاب الدينار العراق مقارنة بالدولار، فكانت الزيادة مناسبة للموظف نوعا ما، لكنها لم تكن منصفة بالنسبة للمتقاعد .. متسائلا : لماذا لا يحتسب التقاعد بنسبة 80% من الراتب الوظيفي؟.
وقال ( عمر ) " في الوقت الذي تمكن فيه اعضاء مجلس النواب من اصدار قانون تقاعد خاص أمن لهم رواتب بلغت الملايين، ما زالت شريحة المتقاعدين تعاني من الرواتب المتدنية التي لا يتجاوز معدلها الـ( 200 ) ألف دينار والتي لا تؤمن ابسط مستلزمات الحياة الصعبة.
وازاء ما تقدم نتوقع ان ما يعانيه العراقيون منذ عام 2003 من مشكلات وازمات ستستمر مادام المسؤولون في الحكومات التي نشأت وترعرعت في ظل الاحتلال البغيض، لا هم لهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية، وتنفيذ الاجندات الخارجية التي ترمي الى السيطرة على العراق الذي يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، في الوقت الذي ما زال فيه ابناء هذا البلد الجريح يكابدون شظف العيش ويواجهون أقسى الظروف التي تسير يوميا من سيء الى أسوأ .
وكالات + الهيئة نت
ح
المتقاعدون في العراق يعيلون ستة ملايين شخص .. ولا معيل لهم !!!
