التأمل الهادئ في نتائج صفقة أربيل التي رعاها بالوكالة عن طهران وواشنطن الرئيس مسعود برزاني تعطي مؤشراً واضح المعالم جلي النتائج بأنّ ذات محركات العملية السياسية وخاصة أركانها الرئيسة التي
قَعّدها بول بريمر الحاكم المدني للاحتلال قد استدعيت في أربيل قبل أن تستكمل في بغداد مراعاةً للمشاعر العامة، ورغم كل الجدل والمعارضة التي شكلها إياد علاوي ورغم الرسائل الوطنية التي بعثت من قبل القاعدة السنية بتفويض علاوي كممثل لما يسمى بالحكومة الوطنية؛ إلا أن ذلك كله تبخر وأعيدت قواعد اللعبة إلى ذات الصيغة التي تستدعي بكل التفاصيل مؤتمر صلاح الدين قبيل الاحتلال، ومن ثم البعثات الأولى لتشكيلات الاحتلال السياسية في مجالس الحكم ومقدمات صياغة ذلك البرنامج الذي اعتمد بكل إصرار على تحالف الأقليتين الرئيستين وهما الطائفية السياسية الشيعية والائتلاف الكردي المناهضتان لعروبة العراق.
هذه المواءمة التي أعيد تثبيتها كانت بدعم مباشر من قوتي الاحتلال الأمريكي والإيراني عبر الأطراف المعروفة بعلاقتها الوجودية بهما، وكذلك عبر الدعم والإسناد المباشر الذي تمثل باتصال مكتب الرئيس أوباما بمؤتمر أربيل ودعمه ووضع علاوي وفريقه أمام الخيار الاضطراري للاستسلام والعودة للمربع الأول؛ أي تحويل شراكة علاوي إلى مكون طائفي بذات المواصفات رغم رفضه وكتلته للعودة إلى استنساخ المحاصصة الطائفية، لكن ضغط شريكي الاحتلال وأدواتهما جعلت علاوي يعود لذات الدور الذي قام به في إسناد مشروع تشكيلة بريمر الأولى، فيقبل بكعكة تقسيم طائفية مجددة تدعم ذات السيناريو الذي اعتمدته واشنطن وطهران مرة أخرى والتي سلمت لنفس القوى الطائفية والانفصالية؛ أي الائتلاف الطائفي بأركانه الثلاثة والائتلاف الكردي.
ورغم أن المخرج لشراكة علاوي وتكتله قد أخرج في البداية بصيغة موقع جديد لم يشرع دستورياً ولا قانونياً كحفظ لماء الوجه؛ إلا أن ذات الأطراف عادت لتسخر من هذا المجلس الأعلى الجديد وتنقض بحسب تصريح علاوي نفسه الاتفاق قبل أن يجف حبره، ومع ذلك استمرت شراكة علاوي وحلفائه في الموسم السياسي الجديد، وقد أضاف للمرحلة بعداً هاماً كرسالة قوية من طهران وواشنطن وعمليتهما السياسية وهو أن البعد العربي لن يقبل مطلقاً أن يكون له أي وجود تنفيذي، وهي الرسالة التي وجهت إزاء دعوة الملك عبدالله والجامعة العربية وكل حراك يريد أن يستدعي أي عودة للغطاء العربي، فمضمون الرسالة كان واضحاً أن لا مكان للعهد العربي في عراق الاحتلال الجديد، وأن قواعد اللعبة مستمرة، فقط المطلوب من أي قدرات عربية هي دعم صورة التمثيل النسبي المعنوي لمكون يرمز إلى مباركة عربية أو طائفية سنية تحقق معادلة دولة الطوائف ومستقبل التقسيم التي لا تقبل بالتوحيد الفعلي للعراق ولا بعودته للمحيط العربي ولا حتى باستقلاله عن رعاة الاحتلال السياسيين.
لو لاحظنا تصريحات قادة الائتلاف الطائفي طوال الفترة الماضية لوجدناها ترفض وبإصرار أي ثوب وطني يخرج من ميدان المحاصصة إلى المشاركة الوطنية بشرعية الانتماء لا شرعية الطائفية، بل على العكس وخاصة من طرف تكتل دولة القانون الذي أصر على أن العميلة السياسية قامت على محاصصة طائفية ويجب أن تستمر ولا يقبل الانتماء الوطني بديلاً عن هذه المحاصصة في إشارة واضحة لقلق الائتلاف الطائفي وبالذات جماعة المالكي من مشاعر الحنين للوحدة الوطنية التي بدأت تتناغم مع المشاعر الوطنية في داخل الطائفة الشيعية، وتحاول الخروج من الاصطفاف المذهبي، وهي كذلك تحمل اعترافاً أن هذه الجماعات لا يمكن لها أن تنخرط في مشروع وطني إنما هي مكون رئيس قام على فكرة العملية السياسية لبريمر ومحاصصته ويموت كيانها السياسي بموت هذه العملية.
صحيفة الوطن البحرينية
ح
أربيل .. العودة إلى مشروع الاحتلال / مهنا الحبيل
