سؤال يطرحه المخلصون والحريصون على العراق، هل يمكن ان يستقيم بنيان يشاد على أساس فاسد أقامه الاحتلال الأمريكي واشترك في هندسته سحرة النظام الإيراني وفق مخطط صهيوني يعلم الجميع ان تدمير العراق احد أهم أركانه؟!
سؤال مُلِح وجدي يطرحه كل مؤمل في وحدة العراق شعباً وأرضاً، هل يمكن ان يطمئن العراقيون إلى مستقبل بلدهم ومصيره في ظل دستور كرست معظم مواده تقسيم الشعب العراقي إلى طوائف وملل وقوميات وأقاليم واثارت كل النعرات التي لم يكن لها ان تثار لو لم يكن الهدف الحقيقي وراءها تقسيم الوطن العراقي بعد ان ألغيت في مواد الدستور وما شرعت من قوانين الهوية الوطنية؟!
كان المخلصون والشرفاء والأصلاء من أهل العراق يقولون على الدوام ان كل ما بني على باطل فهو باطل وكانوا يعنون ما يقولون، فالاحتلال ومن جاء معه وخلفه باطل، وما أسس له الاحتلال و أعوانه من عملية سياسية، باطل، وما كتب الاحتلال وعملاؤه من دستور وما شرعوا من قوانين، باطل، وكل أساس بنوا عليه فهو باطل ولا يصح ولا يصلح ان يُبنى عليه أو ان يستمر البناء عليه، والمطلوب قلع هذا الباطل وهذا الأساس الفاسد وتطهير الأرض وتطهير النفوس من أدرانه وجراثيمه كيما يصار إلى التأسيس على أرضية سليمة نظيفة وفق رؤية وطنية عراقية حقيقية بعيدة عن أمراض الطائفية والأثنية، غير ان بعض شرائح الشعب التي أتعبها قهر الاحتلال وعملاؤه وضغط عصابات طهران ومليشياتها التي عاونت الاحتلال في اضطهاد الشعب هذه الشرائح التي تعلقت في قشة ظنت انها يمكن ان تنقذها من حكم طائفي مقيت أسسه الاحتلال على مدى ثماني سنوات من البطش والقتل والتهجير والاعتقال وانتهاك الحرمات، اشترك في جرائمها كل من هب ودب من أعداء العراق خارجيين وداخليين، اشترك فيها كل أعداء القيم والمثل العليا وكل أعداء الحضارة وموروثها الثقافي والأخلاقي الوطني والقومي والإسلامي والإنساني، ومن هذا المنطلق ربما تكون قد خرجت وأدلت بأصواتها في انتخابات أكرهت عليها وفي بيئة مدمرة فرضت عليها، ولقد ساهم بعض من أطلقوا على أنفسهم قيادات في خداع الناس وربما كانوا هم من ضمن المخدوعين بإمكانية تصحيح المسار الطائفي والإثني في حكم العراق أو ربما أعمتهم المناصب والمكاسب المادية عن تلمس الطريق الصحيح فروجوا لفصل جديد من مسرحية هزلية أسموها (عملية سياسية).
لقد ذهب عدد غير قليل من العراقيين ومنحوا أصواتهم للقائمة العراقية ليس لوطنيتها أو نزاهة قادتها وإنما قناعة منهم بقبول أهون الشرور وعلى اضعف الاحتمالات محاولة للتخلص من الحالة الطائفية التي فرضتها أحزاب السلطة المرتبطة ايديولوجياً وعضوياً بالنظام الإيراني، ورغم كل ما حصل في الانتخابات ولا نريد العودة للخوض فيه تمضخت الانتخابات عن فوز العراقية بالموقع الأول وكان يفترض ان تتولى كما يحصل في كل أنظمة العالم تشكيل الحكومة وفق أسس الديمقراطية التي يتبجحون بها ليل نهار غير ان زمرة الحكم الطائفي قد وفت بوعودها لأسيادها في إيران وكانت عند حسن ظنهم وعند حسن ظن عصابات القتل وميليشيات البغي في الأرض حين أعلن زعيم عصابات القتل في العراق حتى قبل الانتخابات انهم لن يعطوا السلطة لغيرهم، وكان على علاوي وقائمته ان يفهموا ذلك وان يتصرفوا بالأسلوب الملائم للتعامل مع مثل هذا الوضع، لكنهم استمروا في التعامل مع الموقف وفق ما تصوروه ديمقراطية وشرعية قانونية مضمونة من الاحتلال والغريب انهم وهم الذين تربوا في أحضان الاحتلال ومخابراته لم يكشفوا ولم يتعرفوا على منهج الاحتلال ودوافعه وسلوكياته، وربما اعتقدوا بحكم اندماجهم مع فكر الاحتلال وما يطرحه من أكاذيب اعتقدوا ان الديمقراطية حقيقة وهدف فعلى من أهداف الاحتلال، وكأنهم لا يعلمون ان الاحتلال لا مبدأ وقيم ولا أخلاق ولا ضمانات لديه، وعلى مدى تسعة أشهر أعقبت ظهور نتائج الانتخابات والخروقات للدستور استمرت خلالها مهزلة ما سمي بالحوارات والمفاوضات بين الكتل السياسية والمناورات والتسهيلات التي اشتركت فيها المحكمة الاتحادية الموقرة التي تمثل (استقلال القضاء) في زمن العمالة والفساد وبيع الذمم، وبين تآمر التحالف الكردستاني على مصير العراق واستغلاله الفرصة التي وفرها الاحتلال بشق الصف الوطني العربي في العراق وتحويله إلى خندقين (شيعي وسني) جعلت الأحزاب الكردية أمام أحلامها في تفكيك العراق والاستحواذ على اكبر مساحة من أرضه لصالح حلم دولتهم التي جعلوا من إقليم كردستان بؤرتها الأولية. وبين انزلاق الأحزاب الشيعية التابعة لإيران في مخطط إنشاء دولة طائفية على حساب الطوائف الأخرى واستعدادهم للتضحية بأي جزء من العراق وبيعه للأحزاب الكردية مقابل تحقيق هدفهم الطائفي، أعيدت نفس الصفقة، نفس العناوين ونفس الأسماء ونفس المناصب، المحاصصة الطائفية والإثنية، لا مجال للوطنية العراقية، لا مجال لعروبة العراق، ولا مجال للمشاركة لأية طائفة لا تدين بالولاء لمعممي طهران وولاية الفقيه، اما الاحتلال الأمريكي الذي فقد السيطرة على الموقف في العراق فإن إدارته لا تعد نفسها خاسرة طالما تحقق هدف الصهيونية في تفكيك العراق، ولا تعد خاسرة وهي تنسحب من العراق لتدير خيوط اللعبة واستكمال تدمير ما فشلت في تدميره من خلال إيران وأصابعها في العراق. وكما قلنا سابقاً وبغض النظر عن رأينا في القائمة العراقية و قياداتها فاننا نعتقد انها قد ساهمت في وصول الوضع إلى ما وصل إليه وانها قدمت فرصة سانحة للطائفيين للاستمرار في الحكم عبر مشاركتها، وانها شرعنت للعملية السياسية عبر ما خلقته من تصور انها تمثل مكوناً معروفاً من الشعب العراقي أتيح له المشاركة في الحكومة وهيئات الدولة رغم المناصب الهامشية التي منحت له والتي لا علاقة لها بالقرارات المهمة التي تتخذها الحكومة والمتعلقة بمصير الشعب والوطن وبخاصة التصرف بالقوات المسلحة من جيش وشرطة وقوات امن وتسخيرها لقمع وإذلال الطوائف أو الشرائح المقاومة للاحتلال والرافضة لمنهجه.
ان الذين ادعوا تمثيل المكون السني العراقي في القائمة العراقية ساهموا في إضعاف موقف القائمة التفاوضي بسبب لهاثهم وراء المناصب والمكاسب المادية و يتحملون مسؤولية ما سوف يحصل للعراقيين في المرحلة المظلمة المقبلة. اما ما قيل عن موقف عربي وإقليمي داعم للقائمة العراقية وزعيمها اياد علاوي فلم يكن سوى زوبعة في فنجان و لم يكن دعماً حقيقياً ولم يكن للعرب أي موقف عملي مؤثر يمكن ان يلجم الاندفاع الإيراني في العراق بل ان العرب اجمعهم قد فشلوا أو انهم لم يحاولوا إقناع دولة العدوان والاحتلال الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها في تحديد موقفها من تسليم الحكم إلى الأحزاب الموالية لإيران رغم التناقض بين مصالحها ومصالح إيران في العراق لكنها يبدو في نهاية المطاف مستعدة للتضحية بمصالحها مقابل تحقيق الهدف الأكبر وهو اكتمال تدمير العراق شعباً ووطناً وجعله نموذجاً لمراحل قادمة من التدمير لأجزاء أخرى من الوطن العربي خدمة لا هداف صهيونية وتكريساً لأمن الكيان الصهيوني على المدى البعيد. وعلى هذا الأساس ووفق هذا الترتيب يجري التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، ولقد ساهم الحزب الإسلامي عبر جبهة التوافق والذي عمد إلى التحالف مع قائمة وحدة العراق (تحالف الضعيف مع الضعيف)، ساهم في زيادة الضغط على القائمة العرقية وإجبارها على الرضوخ والاستسلام للأمر الواقع ولم يغفل السعي للحصول على المكاسب مستثمراً الخلل في الموازين الحاصل بسبب التحالف بين الكتل الطائفية وبين الكتل الكردستانية لدرجة استعجل فيها قبول العراقية بالفتات الذي سعى للحصول عليه منافساً لها، وبهذا يكون الجميع قد تآمر على قضية الشعب العراقي وتآمر على العراق. ثم خرج الجميع دونما خجل ليعلن النصر ويعلن الفوز ويعلن التوافق والتفاهم على تقسيم الكعكة في حكومة محاصصة إيرانية جديدة أسموها زوراً (حكومة شراكة وطنية)، ولا اشك في صدق هذا الإعلان فقد انتصر القادمون مع الاحتلال وفازوا بالمكاسب والمناصب والحكم، وخسر العراق وخسر الشعب العراقي كل شيء في هذه المعركة المصيرية، لقد اخترعوا منصباً أسموه (منصب رئيس المجلس الوطني للسياسات الستراتيجية) فُصّل على مقاس اياد علاوي موهمين القائمة العراقية انه منصب مهم وحيوي ويمتلك الصلاحيات بينما الحقيقة انه منصب اسمي فقط وانه لا يساوي حتى الحبر الذي يكتب على الورق.
اما موضوع الإصلاح السياسي الذي يتحدثون عنه فالجميع يعلم انه أمر مستحيل الوقوع لان الجميع يعلم انه لا يمكن تحقيق أي إصلاح أو تعديل في مسار العملية السياسية الطائفية والأثنية إلا بتعديل الدستور الفاسد وان تعديل الدستور والفاسد هو الآخر من رابع المستحيلات لسبب بسيط ان استحالة تعديل الدستور قد ثبتت في مواد الدستور من خلال المادة القائلة بان التعديل يحتاج إلى استفتاء الشعب وان اعتراض ثلثي ثلاث محافظات يعرقل أي تعديل وان هذا الاعتراض يمكن ان تؤمنه ثلاث محافظات شيعية أو ثلاث محافظات كردية.
مرحلة قادمة خطيرة مليئة بالمفاجآت والكوارث أعان الله الشعب العراقي عليها مرحلة سوف تكرس لتصفية ما تبقى من الوطنيين في العراق واقتلاع ما تبقى من جذور الوطنية، مرحلة أساسية من مراحل تقسيم العراق انطلاقاً من تفتيت المحافظات ذات الأغلبية السنية العربية التي سيعمل قادة الأحزاب الكردية على نهش معظمها كما سيحصل في كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى فيما يذوب البعض الآخر تحت دعاوى إنشاء محافظة للتركمان في تلعفر ومحافظة للمسيحيين في سهل نينوى وربما لليزيدين في سنجار والشيخان يقضى فيها بشكل كامل على عروبة نينوى، يرافقها إنشاء محافظة طائفية في سامراء.
الشعب العراقي أصيب بالدوار ولم تعد للمبادرة فرصة، وعلى المقاومة تقع مسؤولية تخليص العراق وانتشال شعبه.
الهيئة نت
ن
فصل جديد من مسرحية العملية السياسية والخاسر الوحيد هو الشعب العراقي..كامل العبيدي
