بعد أن توارى عن الأضواء في العشرين من يناير 2009 .. ها هو \" بوش الصغير\" يعود اليوم للظهور على محفة كتابه الموسوم بـ\"نقاط قرار\" ..
عاد مجدداً لمزاعمه وحماقاته وسيرته الممتدة بين إدمان كحولي .. وإدمان دموي .. ويبدو من المذكرات أن الإدمان البوشي شمل أيضاً الغباء .. فالتفاصيل المقززة التي أوردها تؤكد هذا الإدمان الأخير .. فنجده يفاخر باستخدام وسائل وتقنيات للتعذيب "محرمة ومجرمة دولياً " ..
إن القارئ للمذكرات لا يحتاج لوقت طويل حتى يكتشف بأنها تعبر تعبيراً صادقاً عن شخصية كاتبها .. وتصدق الكثير من الصفات التي أطلقت عليه ومنها أنه "أسوأ رئيس في العالم" .. والأقل شعبية في تاريخ الرؤساء الأمريكيين.. كما تؤكد هذه المذكرات ماقيل عنه بأنه "شخص مهووس .. ومشوش .. وكذاب .. وأخرق .. ومجرم حرب تلاحقه لعنات الملايين من الضحايا والمعذبين .. ومع ذلك ما زال يدافع بكل عجرفة عن قراراته ..
ولذلك فليس غريباً أن يأتي كتابه حافلاً بالمتناقضات .. فعلى سبيل المثال فبوش حين يتحدث عن دوره في حل الصراع العربي الصهيوني .. نجده يعبر عن خيبة أمله لفشل مساعيه وخططه واقتراحاته لحل الصراع ..ورغم ذلك نجده يعبر عن سعادته "بالتقدّم الذي تم إحرازه"..
وفي المسألة العراقية فهو إذ يعبر عن "إحباطه وغضبه الشديد لعدم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق".. إلا أنه يصر على صوابية قراره بغزو العراق .. وعلى الرغم مما آلت إليه أوضاع العراق من فوضى عارمة وانفلات أمني وخراب شامل غطى كافة مجالات الحياة .. حتى باتت أوضاع العراق تهدد السلم والاستقرار العالميين .. إلا أن بوش يرى في هذا العراق نموذجاً للحرية والأمن والديمقراطية!!
أما دفاعه عن جرائم التعذيب التي ارتكبت ضد المعتقلين المسلمين في جوانتنامو.. فإنه يضيف إساءة جديدة إلى سفر سيئاته .. ويكشف عن حماقة شديدة لا تشرف أي شخص عادي ناهيك عن رئيس دولة كبرى لدورتين رئاسيتين !!
لقد تعامل "كاتب المذكرات" مع أحداث هامة في تاريخ المنطقة العربية بسذاجة وسطحية .. وغيب أدوار حلفائه في المنطقة .. جاعلاً من نفسه صانع هذه الأحداث الوحيد .. فجاءت حافلة بالمبالغات "المعهودة عن بوش".. فنراه تارة يزعم بأنه كان "المحرك" لكل مشاريع الدمقرطة في المنطقة العربية .. وتارة أخرى يدعي دعمه لتمكين المرأة العربية .. كأني بالمرأة العربية قابعة في الظلمة.. بانتظار "البوش" منقذاً لها من الغياب والعتمة ( ولو عبر ملايين الأرامل والأسيرات والمغتصبات ).
لقد أجمعت آراء الباحثين والمحللين على اختلاف جنسياتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية على أن "مذكرات بوش" جاءت وسيلة لتصحيح الصورة البوشية القبيحة.. وأداة لتشويه الذاكرة .. ورأى بعضهم فيها "لائحة دفاعية" ولكنها لائحة ركيكة كتبها "محام فاشل" ، إذ جاءت خالية من الأسانيد القانونية .. مفتقرة للعمق والتحليل.. !!
وعليه لقد استحقت هذه المذكرات بأن توصف بأنها "مذكرات رئاسية للكذب .. والتجمل أيضاًَ " بحسب ( د. خالد الأزعر) .. بل ربما استحقت ما قاله فيها معلق آخر بأنها "أسخف مذكرات سياسية".. أما النشطاء الأمريكيين فإنهم يرون بأن مكانها ينبغي أن يكون في أقسام "كتب الجريمة" في المكتبات!!
ورغم ذلك كله فإن الزفة الإعلامية في الترويج لهذه المذكرات تبدو لافتة .. فعلى الرغم مما اشتملت عليه من "أكاذيب ومزاعم وسرقات فكرية ".. ولكن يروج لها باعتبارها "معلومات وتفاصيل لم تكن معروفة من قبل"... وبلغت الأمور أن تصف ما جادت به قريحة الـ"بوش" وما أورده من "تخاريف وهرطقات " بـ"صراحة غير معتادة بالنسبة للرؤساء والساسة الذين يكتبون مذكراتهم" ..
إن هذا "التجميل" الإعلامي للعهد البوشي الكريه (الذي وصف - من قبل العديد من المؤرخين الأمريكيين - بـ"الأسوأ في تاريخ أمريكا") إنما يقع في خانة استهبال الناس وتزييف وعيهم وتشويه المعاني .. كما يعبر عن نهج عفى عليه الزمن قائم على "احتقار الذاكرة الجمعية للشعوب"..
أما نحن شعوب هذه المنطقة المنكوبة .. ببوش وحلفائه ورهطه .. فإننا ننظر لهذه "المذكرات " باعتبارها اعترافات بجرائم ضد الإنسانية وبجرائم مخلة بالشرف .. وكل جريمة منها تكفي لتقديم بوش لمحاكمة دولية .. فمن فمه وبقلمه وكتابه ندينه.. !!
eidehqanah_(at)_yahoo.com
بوش يتذكر.. ومذكراته وثيقة إدانة...د. عيدة المطلق قناة
