حين لا تجد العدالة الدولية، بكل محاكمها المتكاثرة، الخاصة منها والعامة، الجزائية أو الجنائية، متسعاً من وقتها واهتمامها للتحقيق في جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة جماعية، كالتي كشفت عنها منذ أسابيع وثائق سرية للبنتاغون حول الحرب على العراق، وقبلها بأشهر حول الحرب في أفغانستان .
وحين لا يتحرك مجلس الأمن، الحاكم نظرياً للعراق بعد تحويل قوات الاحتلال إلى “قوات متعددة الجنسية”، ليضع يده على جرائم متعددة ضد القانون الدولي الإنساني ارتكبت خلال انتدابه العراق، ولاتزال، متنازلاً بذلك عن حقه القانوني، وعن واجبه الأخلاقي في آن . وحين يسود الصمت أروقة جامعة الدول العربية، ومعها منظمة المؤتمر الإسلامي، إزاء ما يتعرض له العراق وأهله وشعبه من قتل فردي وجماعي، واغتصاب وتدمير منهجي، بعدما كان لهاتين المنظمتين السبق في الاعتراف بالاحتلال وإفرازاته وفتح الأبواب لتكريس الاعتراف بحكوماته في كل المحافل الدولية .
وحين تتحول بغداد بأحيائها ومقاهيها وأسواقها، كما بكنائسها ومساجدها وحسينياتها، إلى مسلخ دموي يومي يستكمل مخطط تدمير دولة مهمة بإبادة مئات الآلاف من أبنائها .
وحين تتمزق مشاعر البشر وهي ترى تناثر جثث الأطفال والنساء، في مدن العراق وحواضره على يد نوع من السفاحين لم يعرف لهم التاريخ مثيلاً .
وحين نجد هيلاري كلينتون، ومساعدها جيفري فيلتمان، متحمسين لمحكمة لبنان الخاصة ويصمتان صمت القبور على جرائم إدارتهما في العراق وأفغانستان والموثقة رسمياً في مستندات “البنتاغون” .
حينها، يكتسب الاجتماع القانوني التشاوري لعدد من المحامين الأجانب والعرب الذي عقد في بيروت يوم السبت في 6/11/2010 أهمية استثنائية لا لما أسفرت عنه مشاورات هؤلاء الخبراء من كبار المحامين والقانونيين من تحديد آليات وسبل ملاحقة ومقاضاة كل من كشف تلك الوثائق عن مسؤوليته في تلك الجرائم غير المسبوقة في التاريخ الإنساني فقط، بل أيضاً لما يكشفه هذا الاجتماع عن صحوة ضمير عربية وإنسانية تسعى بإمكانات محدودة، وفي ظل حصار متعدد الأشكال والأنواع، أن تعوض عن صمت دولي، وتواطؤ رسمي، عربي وإسلامي، وخداع العديد من منظمات حقوق الإنسان، المحلية والإقليمية والدولية، التي يرتفع ضجيجها حين يكون ذلك الضجيج في مصلحة السياسات المهيمنة على العالم، ويخبو صوتها حين يرتكب أصحاب هذه السياسات جرائم كتلك التي كشفت عنها وثائق البنتاغون ونشرها موقع “ويكيليكس” الذائع الصيت .
وتزداد أهمية هذا الاجتماع حين ندرك أن رئيسه وزير عدل أمريكي سابق “رامزي كلارك” كان سباقاً في إنشاء موقع “أدينوا بوش” ليوقع عليه منذ سنوات أكثر من ربع مليون أمريكي رأوا أن المتضرر من جرائم إدارتهم ليس ملايين البشر خارج أمريكا فحسب، بل سمعة بلادهم، وحياة أبنائهم، وسلامة اقتصادهم، ونفوذ دولتهم وهيبتها في العالم، وحين ندرك أيضاً إن منسقي الاجتماع هما منظم المسيرات المليونية في المغرب من أجل العراق وفلسطين الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي “المحامي خالد السفياني”، وأحد أبرز موظفي الأمم المتحدة السابقين في العراق المحاصر، والذي كان من أوائل الذين قدموا استقالتهم احتجاجاً على التلاعب “الأممي” ببرنامج النفط مقابل الغذاء في العراق وبمهام لجان الأمم المتحدة للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة (الدكتور محمد أشرف البيومي)، وهو أيضاً من وجوه مصر الوطنية والأكاديمية الشجاعة .
وما مشاركة محامين بارزين من فرنسا وبلجيكا وإسبانيا والنمسا والنرويج وبريطانيا، وشخصيات حقوقية وقانونية عربية بارزة كأمين عام اتحاد المحامين العرب (إبراهيم السملالي) ورئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان (د . محسن عوض) والوكيل السابق لوزير خارجية مصر (د . عبدالله الأشعل)، وأمناء المؤتمر القومي العربي (أ . عبدالقادر غوقة)، والمؤتمر القومي - الإسلامي (أ . منير شفيق)، وشخصيات قانونية، عراقية وسورية وأردنية وفلسطينية ولبنانية، إلا خطوة جديدة على طريق تشكيل جبهة قانونية عالمية أعطت أولى ثمارها في تعقب مجرمي الحرب في غزة، كما في إطلاق حملة عالمية قانونية لملاحقة مجرمي الحرب في العراق انطلقت في 1/4/2010 من العاصمة اللبنانية، بالاضافة إلى انعقاد ملتقى الجزائر العربي الدولي لنصرة الأسرى في سجون الاحتلال بعد شهر، بهدف تحويل قضية الآلاف من الأسرى والمعتقلين إلى قضية ضمير عالمي تكسر جدار الصمت عن هؤلاء الذين يعانون من أبشع أساليب القهر والتعذيب .
إن بيروت باحتضانها لهذا الاجتماع، ولكل الفعاليات المماثلة، إنما تجدد عهدها مع لقب قديم أعطي لها منذ قرون وهو “أم الشرائع”، وتؤكد أنها، رغم كل ما تعاني، تبقى عاصمة العروبة والحرية وحقوق الانسان، بل عاصمة المقاومة لكل احتلال وقهر وظلم . أما أحرار الأمة والعالم الذين اجتمعوا في بيروت، فهم باجتماعهم القانوني إنما يضعون لبنة جديدة في بنيان المناعة الإنسانية ضد تفشي هذه الجرائم المرعبة ضد الإنسانية، عبر الاقتصاص من مرتكبيها أياً كانوا، كما يعربون عن تضامنهم الحقيقي مع ضحايا هذه الجرائم لا في العراق فحسب، بل في فلسطين وأفغانستان وباكستان ولبنان وحيثما هناك فوضى أمريكية منظمة .
حين يصمت الآخرون لا بد أن تتحرك قلة تعبّر عن ضمير الأمة والعالم، فتجعل ممكناً ما كان يبدو مستحيلاً، وتجعل للحق قوته بعد أن سئم العالم عصراً أراد تحويل القوة إلى حق .
حين يصمت الآخرون... معن بشور
