هيئة علماء المسلمين في العراق

روائح غسيل الرئيس بوش «الابن»...حمد الناصر الحمدان...
روائح غسيل الرئيس بوش «الابن»...حمد الناصر الحمدان... روائح غسيل الرئيس بوش «الابن»...حمد الناصر الحمدان...

روائح غسيل الرئيس بوش «الابن»...حمد الناصر الحمدان...

الرئيس الأمريكي السابق (بوش الابن) عدا كونه نبتة شيطانية ، فهو يعد ظاهرة تاريخية بالسياسة الدولية ، نادرا ما تتكرر . فقد عبر من خلال موقعه السياسي عن ثنائية متناقضة ، يصعب الجمع بينها بالممارسة العملية السياسية إلا من قبل شخص محترف للأعمال المشينة ، أو أنه بلغ به البله حدا ينعدم معه إدراك أبعاد تصرفاته وأفعاله ، وتأتي هذه التصرفات بسياقها العام لتعبر عن نتوءات داكنة بالفضاء السياسي ، تقود حتما إلى مواقع التدمير وسوق المجتمع والفعل السياسي إلى الهاوية .
قد لا يكون مقبولا نموذج (بوش) بالمطلق في أوروبا (القارة العجوز) كما وصفها وزير دفاعه السابق (رامسفيلد) المتميز بسلاطة اللسان وأحد قادة اليمين المسيحي الذي أدار البلاد إبان حكم (بوش) . وبرئاسة نائبه (ديك تشيني) . وعدم قبول هذه الحالة في أوروبا يعود لتقدم الوعي السياسي لدى سكانها . ولكن في أمريكا ـ بلد المفارقات ـ قد تمر هذه الظاهرة . بفعل سطوة الإعلام وقوة تأثيره ونهجه في تلميع القيادات حسب الولاء للمحاور “والكارتيلات” الاقتصادية في أمريكا . وبتأثير الديناميكية الهائلة للحزبين السياسيين المسيطرين على الحياة السياسية في أمريكا ، وحالات الانفاق الضخمة ، بحكم دخلهما المالي المتنوع الوافد إلى خزائنهما من مصادر مختلفة .
وبالعودة إلى (بوش الابن) , فالرجل تبنى موقف المسيحي المتدين ، بعد رحلة طويلة من السلوك المتعارض مع ظاهرة التدين . والرجل يقود دولة يقال عنها : زعيمة العالم الحر ، بينما تصرفاته تجاه الآخر لا تختلف عن سلوكيات الأنظمة السياسية (الديكتاتورية) الصغيرة المنتشرة في ما يعرف بدول الجنوب . ويفتقر إلى المصداقية ، بينما منصبه الرئاسي وموقع بلاده يحتمان الدقة في طرح الأمور بحدودها الدنيا . لقد اعتمد بمنهجية ، تبرير وفلسفة أعمال التعذيب ، في مجتمع تحرم قوانينه عمليات انتزاع المعلومات من المعتقلين السياسيين بالقوة ، لكونها غير مشروعة ، ويعاقب فاعلها . ومن أجل الهروب من المساءلة عمدوا إلى ممارسة هذه الأساليب في مواقع لا تخضع لسلطة القانون الأمريكي مثل (غوانتنامو) وسجون سرية منتشرة بالعالم ، بعيدا عن المواقع الأمريكية لتجنب المحاسبة القانونية . وكون النظام الأمريكي يجابه خصوما (كالقاعدة) يتميزون بالشراسة والعنف والجهل والتحركات السرية المنتشرة بالعالم فهذا لا يبرر الخروقات الجمة التي ارتكبتها عصابة اليمين الجديد الذي أدار الأزمات في حقبة (بوش الابن) .
في مذكراته التي نشرت الصحافة في الأيام القليلة الماضية مقتطفات منها . طرح قذارة غسيل حقبته في قارعة الطريق . ليبرر ويعلل كل الأخطاء التي ارتكبها . وقد تعودنا من القادة السياسيين بالغرب ، عندما يتركون مناصبهم انهم يقومون بتدوين مذكراتهم بقصد التكسب المالي ، والتمويه الفج على كل ما ارتكبوه من حماقات بحق بلدانهم وشعوبهم والأطراف الخارجية الأخرى .عبر الالتفاف على القوانين السائدة في بلدانهم ذات النهج الرأسمالي . ومن خلال تمرير ما يريدونه ، بعيدا عن المؤسسات التشريعية والرقابة الشعبية والاعلام ومؤسسات المجتمع المدني ، بأساليب ملتوية وتحت يافطات وشعارات معينة .
الأمر الإيجابي في مذكرات (بوش الابن) أنه تحمل كامل المسؤولية تجاه ما حدث أثناء إدارته ، وهذه لا تعد شجاعة منه ، لأنه واثق من أنه لن يحاسب على ما اقترفه من أخطاء . ومن أمن العقوبة أساء الأدب . ويبقى في هذه المسألة الوجه الأخلاقي . وهذا الأمر مفقود ، لأن اليمين يفتقر للأدب السياسي (والغاية لديهم تبرر الوسيلة ، على الطريقة الميكافيلية) . عدا هذا المدخل فقد (شرعن) وسائل التعذيب وعدها وسيلة ناجعة أفضت إلى انتزاع معلومات حالت دون ارتكاب المزيد من الويلات هنا وهناك جراء تحركات المنظمات الارهابية ، لكن لا احد يعرف عن هذه الويلات أي شئ . وبالغ في المبررات العسكرية ، لإسقاط نظام صدام حسين بالعراق ، معللا الأمر بوجود مخاطر كبيرة . ولكن هناك فرقا بين إسقاط هذا النظام ـ والذي يمكن أن يتم بوسائل أخرى أقل حدة من الذي جرى ـ وبين تدمير البلد بكامله إلى مستوى التخريب . بطبيعة الحال لن نسكب الدمع على صدام حسين ونظامه ، لما ألحق بشعبه والمنطقة من أذى . غير أن الذي يبدو أن الغايات من غزو العراق ترتبط بأهداف وطموحات أمريكية وإقليمية لم يمسها الرئيس الأمريكي بمذكراته . وعدا التحليلات المختلفة المنتشرة هنا وهناك عن طبيعة الحدث وأبعاده ، فإن التاريخ كفيل بإماطة اللثام عن المكنون الحقيقي لكل ما حدث .
أمام هذا الكم الهائل من المذكرات للقيادات في الغرب على شاكلة (بوش وبلير في بريطانيا) الذين يحاولون تسويق الدجل السياسي ، والتبريرات الملتوية لكل حماقاتهم ، ليبيعوا في أسواقنا بضاعة (بائرة وبائتة) على أمل تصديقهم والضحك على عقولنا المتضخمة بأوجاعنا بقصد تمرير ما هو آت لصالحهم طبعا ، وليس لصالحنا .



صحيفة اليوم السعودية

أضف تعليق