استغرب من أن ثمة بشرا في هذا الكون ما زالوا بحاجة الى وثائق وأدلّة وبراهين حتى يقتنعوا بان الغُزاة الأمريكان وعملاءهم ارتكبوا فعلا جرائم ومجازر وانتهاكات خطيرة في العراق.
مع العلم بان المواطن العراقي أصبح، طبعا تحت سمع وبصر العالم أجمع، مشروع قتل واغتصاب وطرد وتشريد وانتهاك. ومنذ أن جاءت أمريكا بديمقراطيتها الدموية الى أرض الرافدين لم يعد للعراقيين شيء يقضون به أيامهم سوى إحصاء جثث قتلاهم والبحث عن المصابين والناجين باعجوبة من آلة الموت والدمار. فلم يمر يوم في عراقهم الجديد الاّ وتكلّل بسواد المآتم ونواح الثكالي والمفجوعين.
كما أستغرب من أن البعض منّا - ربّما - سوف يعقد آمالا كبيرة على الوثائق الجديدة - القديمة التي نشرتها قناة 'الجزيرة' القطرية في برنامجها 'كشف المستور' بالتعاون مع موقع 'ويكيليكس'حول غزو واحتلال العراق. وكأن أعوام الاحتلال السوداء ما زالت بريئة من الجرائم والمجازر وهدر حقوق العراقيين. ناهيك عن أن معظم الوثائق، التي قيل انها تُنشر لأول مرّة، هي في الواقع أدلّة قاطعة وبراهين صارخة ومعروفة مسبقا على همجية وبربرية أمريكا ومن حالفها وساندها وقدّم لها خدماته اللاإنسانية لغزو واحتلال العراق، ابتداء من بعض الحكام العرب وانتهاء بخدم وكرسونات وعبيد المنطقة الخضراء من'قادة'عراق اليوم.
ثم ماذا سيجني العراقيون، لو أن مستورا ما عاد كذلك بعد الآن، إذا تمّ نشر هذه الوثائق على الملأ؟ فاين انتهت عشرات التقارير، بما فيها تلك التي صدرت عن منظمات ومؤسسات عالمية ذات مصداقية وسمعة طيبة؟ وما الذي حدث بعد أن ظهرت مئات الوثائق والشهادات والاعترافات من قبل القتلة أنفسهم، خصوصا أولئك الذين انتهت خدماتهم وتركوا وظائفهم سواء كانوا مدنيين أم عسكريين؟ والى أية سلّة مهملات انتهى المطاف بلجان التحقيقات التي شّكّلت من قبل هذه الدولة أو تلك وترأسها أشخاص ذوو شأن وباع طويل في دولهم؟ لا شيء بالتأكيد، طالما بقيَ القاتل والمجرم خارجا عن القانون ولا توجد سلطة في هذا الكون تملك الشجاعة الاخلاقية والقانونية لتقول له'على عينك حاجب' وتوقفه عند حدّه. ولا بأس أن تُثار زوبعة من السجال والمناقشات والحوارات على شاشات التلفزة لعلّ العالم المتحضّر، الذي ماتت فيه الأحاسيس وتبلّدت عنده المشاعر يتذكّر، لمجرّد الذكرى، أن العراق ما زال بلدا محتلاّ بكلّ ما في الكلمة من معنى، وان الجرائم والمجازر والانتهاكات بحقّ شعبه ما زالت هي الأخرى مستمرة وفي وضح النهار ولم تعد أسرارا. وما كانت أبدا أسرارا في أي يوم من أيام الاحتلال البغيض، حتى يسعى البعض - مشكورا طبعا - لكشفها من جديد وفضح مرتكبيها.
صحيفة القدس العربي
هذه الحقائق لا تحتاج الى وثائق...محمد العماري
