وثائق ويكيليكس سلطت الأضواء بشدة على المشهد العراقي بعد أن أبرزت معلومات مثيرة، وقضايا من شأنها أن تقلب طاولة العملية السياسية رغم أنها مليئة بالترقيعات ومسامير التصليح الصدئة لكثرة ما انقلبت وتحطمت صفائحها مراراً خلال ما يقرب من ثماني سنوات .
وإن كان من حق يجب أن يذكر؛ عرفاناً بجميل، وشهادة للتاريخ، فإن هيئة علماء المسلمين في العراق كانت أكثر إيضاحاً ودقة من ويكيليكس، وذلك كون أن الهيئة وثقت جرائم الاحتلال وحكوماته الطائفية التي تشكلت في ظله؛ لحظة بلحظة، وجميعنا يشهد لصحيفة البصائر كيف أنها ومنذ انطلاقتها كانت توثق أسبوعيًا عشرات الجرائم والانتهاكات، ولا زالت دائبة على المنوال نفسه، كما أن لبيانات الأمانة العامة في الهيئة وتصريحات قسم الثقافة الإعلام فيها مكانة وثائقية تعد مرجعًا لا يستغني عنه الباحث في مجال كشف جرائم الاحتلال وزبانيته، أمّا قسم حقوق الإنسان فقد أغرق القضية العراقية بالآلاف من التقارير الشهرية والموسمية، وجميع ما جاء فيها أكده ويكيليكس مؤخراً، هذا فضلا عن مئات من اللقاءات الصحفية سواء المقروءة منها أم المسموعة والمرئية مع كبار قادة الهيئة والتي وضّحوا من خلالها حجم الكارثة التي لحقت بالعراقيين جرّاء الاحتلال ونتيجة تخبط أدوات العملية السياسية التي استعملها لها، وأثر النفوذ الإيراني الذي أخذ ينخر جسد بلاد الرافدين طمعًا في أن يحيله جثة هامدة .
إذا كان ويكيليكس قد حصل على وثائق وتقارير وأظهرها ـ مشكورًا ـ للعيان؛ فإن هيئة علماء المسلمين كانت شاهداً حيّاً ومواكبًا مطّلعًا على كل ما يجري، والأهم من ذلك كله أنها لم تقف إزاء الاحتلال صامتة كغيرها ممن ينظرون إلى مصالحهم أولاً فيقدموها على مصالح أبناء جلدتهم الذين يدعون أنهم يمثلوهم؛ بل كانت ولا زالت صدّاحة الصوت واضحة المطلب قوية الحجة، وما يزيدها قوة أن لها تاريخًا ناصعًا، أثبتت من خلاله جدارتها بتمثيل أبناء العراق الرافضين لوجود الاحتلال، والمناهضين لمشاريعه وعمليته السياسية التي جلبت الويل والدمار إلى هذا الوطن الجريح، فتاريخ الهيئة سجّل لها مواقفها من وجهين، احدهما: أنها سبّاقة إلى توثيق ما يصدر عن الاحتلال وأدواته من جرائم وانتهاكات بكل صورها وأشكالها، والآخر: أنها أبدت موقفًا بيّنًا وصريحًا إزاءها..
ذاك كله حدث من جانب الهيئة فيما كانت جميع الواجهات التي طفت على المشهد العراقي بعد الاحتلال صامتة لا تنطق ولا تجرؤ أن تقول لإدارة الاحتلال: (لا..)، فما بالها اليوم تتباكى وتتكئ على ويكيليكس ؟
ويكيليكس قدّم للعراقيين هدية يستحق أن يُشكر عليها، لأنه أثبت من خلالها مدى ضلال من صدّق بالاحتلال وسار في ركابه وركض في سبيل إرضائه، ولأنه عزز ثقة أبناء العراق بقواهم المناهضة للاحتلال رغم أنها لا تحتاج إلى من يثبت مصداقيتها أو يصادق على سلوكها .
ومثلما حقًا على الشرفاء أن يشكروا ويكيليكس يكون حقًا عليهم أن يباركوا لهيئة علماء المسلمين على إنجازها الذي تكلل بأولى مراحل النجاح وهي التصدي بحزم وقوة للعدو والاضطلاع ببيان وحشيته، والسعي لمقاومته، لتكون خطوة إلى جانب خطوات كثر في طريق الاقتصاص ومحاكمة من سبّبوا للعراق مآتم الظلم والأسى .
بين صدق الهيئة وتوثيق ويكيليكس...جهاد بشير
