هيئة علماء المسلمين في العراق

من فضائل عشر ذي الحجة ... د. ثامر براك
من فضائل عشر ذي الحجة ... د. ثامر براك من فضائل عشر ذي الحجة ... د. ثامر براك

من فضائل عشر ذي الحجة ... د. ثامر براك

(إن لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص) كما قرر ذلك أئمتنا الأكياس، أي أن الله فضل بعض الأزمنة على بعض، وبعض الأمكنة على بعض، واختار أشخاصا من دون البشر، ومن الأزمنة المفضلة عشر ذي الحجة، وهي تحديدا الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة، وهو الشهر الثاني عشر من السنة الهجرية، فإنها أيام مباركة، ثبتت فضيلتها في التنزيل العزيز، فقد عظّم الله شأنها، ورفع مكانتها، وأقسم بها في قرآنه، فقال عز شأنه: { وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) } [الفجر:1-2]. فالليالي العشر هي ليالي عشر ذي الحجة، كما نص على ذلك أساطين المفسرين. وهي غنية عن التعريف، كما في قول الله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج : 28]

وثبتت فضيلتها في السنة فعن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْ أيَّامٍ ، العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّام » يعني أيام العشر . قالوا : يَا رسولَ اللهِ ، وَلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ ؟ قَالَ : « وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ » .
في هذه الأيام تجتمع أمهات العبادات، فيجتمع فيها الصلاة والصيام والحج والصدقة بالأضاحي والهدي وغيرها، والتي لا تجتمع في غيرها.
في هذه الأيام يوم عرفة، أفضل أيام السنة، اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم به النعمة وأنزل فيه قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]، فهو للحجاج العمود الفقري لحجهم، لحديث: «الحج عرفة». ومن لم يقف بها فلا حج له. فيه تجاب الدعوات، وتقال العثرات، وتغفر الزلات، وتمحى السيئات، وتتنزل الرحمات، عن ام المؤمنين عَائِشَة إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ ».
يشرع للحجاج في هذا اليوم الإكثار من الدعاء وقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قال : « خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

وفي هذه الأيام العشر يوم النحر الذي هو من أعظم الأيام عند الله، فيه تراق دماء الأضاحي والهدي تقربًا إلى الله عز وجل، وهذا من أفضل القربات، فقد قرن الله الذبح بالصلاة، قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [الكوثر:2]، وقال: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}[الأنعام:161، 162].

فينبغي على المسلم أن يغتنم مواسم الخيرات فيما يقربه إلى ربه ويرفع درجته في الجنة، وأولى الأعمال بالاهتمام هي الفرائض التي أوجبها الله على عباده، من صلاة وصيام وحج وزكاة وبر وصلة للأرحام، مع ترك المحرمات والمنكرات، فذلك أفضل ما يتقرب به المسلم لربه جلا وعلا، ففي الحديث القدسي قال رَسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه تعالى : «... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه...» ثم يكثر بعد ذلك من نوافل العبادة، فهي تجبر نقص الفرائض، وترفع الدرجات، ففي الحديث القدسي نفسه: «... وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه...» والمتنفل المصلي تحديدا يكون رفيقا للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم في الجنة: عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - آتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ ، فَقَالَ : « سَلْنِي » . فَقُلْت : أَسْأَلُك مُرَافَقَتَك فِي الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : « أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ » ؟ فَقُلْت : هُوَ ذَاكَ ، فَقَالَ : « أَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ » .

ويشرع في عشر ذي الحجة الصيام، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة، ويتأكد صوم يوم عرفة لغير الحاج، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه فقال: « يكفر السنة الماضية والباقية».
ومن الأعمال المشروعة في هذه الأيام المباركة الإكثار من ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وقراءة القرآن والاستغفار، قال النبي  صلى الله عليه وسلم: « ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتسبيح» .
ومن الأعمال المشروعة في هذه الأيام المباركة التقرب إلى الله بنحر الأضاحي، ففي ذلك أجر عظيم، وهي سنة أبينا إبراهيم، وشرعها لنا نبينا من بعده، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي. وقال أنس بن مالك : « ضحى النبي  بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده» .

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الأضحية من غير عذر، فقال : « من وجد سعة فلم يضح فلا يقربنا مصلانا» والأضحية احياء لذكرى تاريخية، وتوسعة على العيال، وتشجيع على التكافل الاجتماعي.
الا وان أعظم الأعمال عند الله في عشر ذي الحجة حج بيت الله الحرام، الذي فرضه الله على المستطيع مرة في العمر، وجعله ركنًا من أركان دينه، فيه يترك الحاج أسباب الترف والتزيّن ويرتدي ملابس الإحرام، مُظهراً فقره لربه، ويتجرد في هذا السفر عن الدنيا وشواغلها التي تصرفه عن الله سبحانه، فيتعرض بذلك لمغفرة الله تعالى ورحمته. وأداء فريضة الحج يؤدي شكر نعمة المال وسلامة البدن، وهما أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا.
وفي الحج شكر لهاتين النعمتين العظيمتين، حيث يجهد الإنسان نفسه، وينفق ماله في طاعة ربه والتقرب إليه..

والحج يربِّي النفس على روح الجندية، بكل ما تحتاج إليه من صبر جميل وتحمّل الأذى، فهو أشبه بنظام عسكري منظَّم يتعاون فيه المرء مع الناس، ألا ترى الحاج يتكبد مشقات الأسفار حتى يتجمع الحجاج كلهم في "مكة" حرم الله، ثم ينطلقون جميعاً لأداء المناسك، ويقيمون ويتحركون جميعاً مسرورين، إنها تنقّلات كشافة روحانية.
وهناك تزول الفوارق بين الناس.. فوارق الغنى والفقر، فوارق الجنس واللون، فوارق اللسان واللغة، تتحد كلمة الإنسان في مؤتمر كله خير وبركة وتشاور وتناصح وتعاون على البر وتآزر، مؤتمر عظيم.
مؤتمر الحج تجتمع فيه الكلمة على البر والتقوى، وعلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر والسهر على مصلحة الأمة، وهدف هذا المجتمع والتجمع العظيم ربط أسباب الحياة بأسباب السماء. ففي الحج ذكريات غالية، تغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الذي لا يتناهى لأوامر الله وشريعته.

أضف تعليق