ليس تكهنا أو رجما بالغيب إذا حكمنا على المبادرة السعودية بالفشل بعد يوم واحد فقط من إطلاقها،
بل هي نتيجة منطقية لمقدمات واقعية، ومسؤولية الفشل هنا لا تتعلق بمن أطلق المبادرة ولا بأهدافها؛ بل الفشل ناتج عن تعامل أطراف من دعتهم المبادرة ومن يقف وراءهم من دول إقليمية متنفذة في الشأن العراقي، بل يمكننا القول أن العملية السياسية في العراق برمتها لا تتوافق مع هذه المبادرة وأشباهها.
ولا بأس أن نكرر حديثنا عن العملية السياسية ووصفنا لها باللاشرعية وقولنا أنها صفحة أخرى للاحتلال الأمريكي، فهذه حقيقة لابد أن تكون قاعدة يتم الارتكاز عليها في أي تعامل مع العملية السياسية أو أي من مكوناتها، ولأن هذه العملية قامت على أسس طائفية وتهدف إلى تقسيم العراق لم يشارك فيها إلا من سبق له التوافق مع الاحتلال عليها – وقلة التحق بهذا الركب فيما بعد-، وكانت أبرز نتائج هذه العملية نهر من دماء العراقيين الأبرياء الذي جرى على يد الأجهزة الأمنية الحكومية وميليشيات الأحزاب الحاكمة، فكان القتل الطائفي والاعتقال والتعذيب والتهجير – وكله برعاية الاحتلال أو علمه-، وكانت النتيجة في سنوات قليلة أكثر من مليون قتيل وأكثر من مليون أرملة وخمسة ملايين يتيم وأربعة ملايين مهجر داخل البلاد وخارجها.
وربما يجدر بنا التذكير بأن أحد مفاصل العملية السياسية هذه هو (الدستور) الذي أريد منه إبعاد العراق عن محيطه العربي، فبناء على هذا (الدستور) لم يعد العراق جزءا من الأمة العربية وإنما (الشعب العربي في العراق) فقط هو جزء من تلك الأمة، من هنا يمكننا أن نفهم حرص العديد من الكتل السياسية على استحصال مباركة الجارة إيران ومدى تدخلها في الشأن العراقي، فهذه القضية – وأعني بها فصل العراق عن هويته العربية – لا تنحصر بالساسة الأكراد بل يشاركهم فيها الجارة (دولة فارس) والتي لها ثأر تاريخي قديم مع العرب "الذين سلبوا العراق من حكمها في الفتوحات الإسلامية"، وللتذكير فقط فإن (المالكي) في جولته الأخيرة في محيط العراق الإقليمي لم يحصل على التأييد إلا من (إيران)، فجميع الدول العربية ومعهم تركيا – خلا إيران – قالت "نحن مع حكومة عراقية تمثل جميع الأطراف"؛ أما إيران فقد صرحت عقب زيارة المالكي لها بتأييدها له ودعمها لجهوده في تشكيل الحكومة.
ومما يتعلق بهذا الشأن نستذكر تصريح (علاوي) الذي ذكر بأن إيران تشترط – قبل موافقتها على إشراكه في الحكومة - أن يقوم بزيارته لها؛ والذي كان رده على ذلك بالرفض لما لها من دور سلبي في العراق، وقد سبق ذلك تسريبات إعلامية من أطراف دولية - ساعية لإنهاء (أزمة تشكيل الحكومة)- حيث أنها نقلت عن إيران اشتراطها أن يكون رئيس الحكومة المقبلة في العراق (شيعيا)، وأنها – أي إيران - قد وضعت خطا أحمر على علاوي – وهو شيعي – وعلى قائمته (العراقية) لأنها قائمة (سنية) على حد تعبيرها.
مقابل هذا الامتناع لـ(علاوي) عن زيارة إيران ورفضه لمباركتها؛ كان (المالكي) حريصا جدا على زيارة السعودية التي رفضت استقباله في أكثر من مرة، ولهذا لم يستغرب أحد أن المملكة السعودية لم تكن مدرجة ضمن قائمة الدول التي زارها (المالكي) مؤخرا ضمن جهوده لحشد التأييد الإقليمي وشرح وجهة نظره ومنهج ما يسمى (دولة القانون)، فبالرغم من اتفاق الجميع على مكانة السعودية وثقلها الإقليمي إلا أنه ليس سرا أنها – أي المملكة السعودية – هي من رفضت هذه الزيارة رغم توسلات المالكي.
وبناء على هذه المقدمات يمكننا أن نستنتج بكل وضوح أنه من المستحيل أن تسمح (إيران) لرجلها في العراق - في هذه المرحلة - (المالكي) أن يستجيب لدعوة السعودية، ردا على رفض السعودية استقباله سابقا؛ وردا على رفض (علاوي) وقائمته لزيارة إيران، هذا من جهة ومن جهة أخرى فلا (إيران) ولا الأحزاب المرتبطة بها في العراق ولا الأحزاب الكردية تريد أي دور حقيقي للعرب في العراق، بل جميعهم يريد من الدول العربية والجامعة العربية أن تقدم لهم شهادة (الشرعية) فقط من خلال التمثيل الدبلوماسي وبعض العلاقات التجارية.
ونرجع إلى السؤال الأول – عنوان هذا المقال – ماذا ستعمل (المملكة العربية السعودية) ومعها بقية الدول العربية إزاء هذا الموقف للأطراف المهيمنة على العملية السياسية؟ وكيف ستواجه الدور السلبي لهم الرافض لأي جهد عربي يريد التدخل في الشأن العراقي، بل إلى متى تبقى الدول العربية وجامعتها تعول على (العملية السياسية) وقد ثبت فشلها، وهل ستستمر هذه الدول والجامعة العربية في مخالفة قرارها الذي اتخذته عقب احتلال العراق والذي نص على عدم الاعتراف بالاحتلال وإبقاء مقعد العراق شاغرا استنادا إلى مبادئ الجامعة التي تأسست عليها.
وما يتفرع عن هذا السؤال نقول لماذا تتجاهل الدول العربية المقاومة العراقية والقوى المناهضة للاحتلال، لماذا تم نسيان ما تم تقريره في أعمال اللجنة التحضيرية لـ(مؤتمر الوفاق) الذي عقدته الجامعة العربية، هل القضية العراقية أزمة (تشكيل حكومة) فقط؟ أم أزمة وطن وملايين القتلى وملايين آخرين ينتظرون دورهم؟ هل المشكلة في مناصب يتقاسمها الساسة أم مشكلة ملايين المهجرين الذين لا يمكنهم الرجوع لسكنهم أو وطنهم وملايين أخرى تستعد للهجرة؟ هل القضية حرمان أشخاص معينين من دور في (حكومة شراكة) أم حرمان ملايين الأيتام والأرامل من حق المعيشة الكريمة ومثلهم ملايين العاطلين عن العمل؟
إن الأزمة الحقيقية والمشكلة الرئيسية والقضية الجوهرية هي احتلال وطن وحرمان شعب كامل من التحرر وحق الحرية والعيش بسلام.
ماذا بعد المبادرة السعودية....بقلم: د.عبد الحميد الكاتب
